زوايا

الحياة في المدينة.. الوعود الأولى والمأساة الحالية

من منا لا يحلم بأن يعيش في مدينة مُصممة «على هوى قلبه»؟ هذا هو السؤال الوجودي والذاتي؛ بل والسياسي أيضًا، كما سنرى-،الذي استهل به ديفيد هارفي كتابه «مدن متمردة».

إن سألت أحدهم: أين تود أن تعيش؟! فسيخبرك فورًا: في دهب، أو نويبع على سبيل المثال، حيث الهدوء وراحة البال بجانب البحار والجبال، أو الهجرة لأرياف نيوزيلندا أو أستراليا، أو أي مكان لا توجد فيه المدينة. المدينة الحالية التي أصبحنا لا نشعر فيها إلا بالنفور والاغتراب، أو بالأحرى أصبحنا لا نشعر.

كم سيكون هيدغر فرحًا بما آل له مصيرنا ومصير حياتنا في المدينة. هيدغر الذي عاش ناقمًا ونافرًا من المدينة وقيمة العيش فيها، فارًا إلى كوخه. كوخ هيدغر في أعماق الغابة السوداء في جنوب ألمانيا.

بعد كل هذه السنين والقرون من الدعايا للمدينة، والعيش في المدينة، والوعد بعصر العولمة وأوج الحداثة، والعالم الذي سيصبح قرية صغيرة كضرورة ونتيجة مباشرة للتمدن، والحياة التي ستصبح أسهل وأبسط وأكثر رفاهية. ماذا حدث؟ وماذا أصاب حياتنا؟ وهل المدينة كانت انتصارًا لنا أم علينا؟

انتصار المدينة

في كتابه الأكثر مبيعًا «انتصار المدينة» يبيِّن إدوارد غلاسيير، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، كيف أن المناطق الحضرية وازدهار المدن يجعلان منا بشرًا، ولكن لا يمكن فهم هذا الانتصار بمعزل عن تكوينات وتطلعات وسيكولوجية هؤلاء البشر. وهل هذا الانتصار كان بمثابة نقلة إيجابية لصالح البشر؟ أم يكشف في باطنه عن عوار وتشويه أصاب حياتهم؟

بعد ثورة الحداثة والتقنية وبزوغ ملكوت رأس المال، تحولت الحياة من انتقالية لمركزية؛ أُلغيّ الفراغ لصالح المدينة وانتصار المعمار

قبل ظهور المدن الحديثة كانت الحياة تتسم غالبًا بالانتقالية، حيث البيوت البدائية البسيطة ومساحات الأرض الواسعة وتوسع للرقعة الخضراء وتربية الحيوانات والدواجن، وكل هذه العوامل نقلت أشكالًا معينة من الخبرات والرغبات والسلوكيات الاجتماعية، المتمثلة في غلبة أشكال العمل الجماعي لأفراد الأسرة، والترابط الاجتماعي، والتقارب مع الجيران وقاطني البلدة، والهدوء الخالي من التكدس والزحام وسرعة وتيرة الحياة.

اقرأ/ي أيضًا: “غرابة في عقلي”.. كيف لحياة بائعٍ متجول أن تحكي قصة “المدينة”؟

وبعد ثورة الحداثة والتقنية، وبزوغ ملكوت رأس المال وسيطرته، تحولت الحياة من انتقالية لمركزية؛ أُلغيّ الفراغ لصالح المدينة وانتصار المعمار، ظهرت نقلة نوعية في عرض الشوارع وارتفاع المباني وتنوع الأضواء وإعلانات الحائط وألوان البوابات والأشكال الثابتة للبلوكات المعمارية. كما سيطرت الطرق العمومية والمسارات الواحدة.

سرّع كل هذا وتيرة الحياة، وهلهل الوجود والترابط الاجتماعي، وجعل الأفراد مُلحقين بكل ما يرتبط بحياتهم، لا فاعلين ومؤثرين في حياتهم، فالمنهجية التي تعتمدها حركة رأس المال تنزع دومًا لمركزة الثروة ومن ثم السلطة، وبالتالي إلحاق البشر وكل ما يرتبطون به بذلك المركز، وعليه فلا يوجد مكان لاستقلالية القرار أو الاختيارات الفردية؛ خصوصًا تلك التي ترتبط بطريقة العيش وسبل توفير ما يلزم للعيش.

كان هذا التطور طبيعيًا ومناسبًا لمآلات السلطة الحديثة، فمفهوم الدولة الحديثة المركزية استدعى القضاء على سلطة الأقاليم المنفصلة، وحكم القبائل والعشائر والسيطرة المنفصلة على الأراضي والموارد والثروات. بالتالي أصبحت المدن هي القوة الضاربة التي تستند إليها السلطة الحديثة، حيث مراكز سلطة الدولة من مؤسسات البوليس والجيش والقضاء والتعليم والوزارات والمصانع والشركات ونواحي العمل المختلفة. وفي المدن أيضًا تتركز الغالبية العظمى للسكان.

مدينة عمان
بعد ثورة الحداثة أُلغيّ الفراغ لصالح المدينة وانتصار المعمار (تصوير: محمد العتر)

ومن هذا المنطلق، فتعبير «المدينة» يمتلك تاريخًا رمزيًّا وأيقونيًّا مغروسًا بعمق في السعي وراء المعاني السياسية، وعلى أساسه كانت المدينة تعبيرًا عن شكل معين من الوجود والهوية، والذي لا يضفي تمايزًا بين الحياة في المدينة والحياة في الريف فقط؛ بل يضفي تمايزًا يضرب الحياة في المدينة نفسها.

يظهر هذا في أول انطباع حين أخبرك أني أعيش في مدينة كالإسكندرية، العاصمة الثانية لمصر، وواحدة من أقدم وأعرق مدن العالم، حيث تدور في المخيلة صورة الإسكندرية الجميلة بكورنيش البحر، ومصايف العجمي القديمة، وحدائق المنتزه وقصرها، وحلقة السمك الشهيرة ببحري وغير ذلك مما نجده عن الإسكندرية التي يعرفها الجميع من السينما والكتابات الأدبية الساحرة، أو زيارة صيفية عابرة، أو حكايات الآباء والأجداد.

لكن، من ذا يستطيع أن يدرك صورة واقعية مبسطة عن الإسكندرية اليوم؟ وهي التي شطرها التطور إلى كومباوندات الاستثمار العقاري التي استقطبت الأغنياء الجدد، والأحياء القديمة التي عاش فيها الباشاوات والعائلات الغنية، كرشدي، وكامب شيزار، وكفر عبده، ولوران، ومصطفى كامل، وجليم، هذا من ناحية، والتضخم العمراني على أطراف المدينة من ناحية أخرى، والذي يتركز فيه غالبية سكان اسكندرية، شرقًا؛ كأبيس، والعوايد، والزوايدة، ومحسن الكبرى، وزقزوق، والفلكي، والعصافرة، وطوسون، والمعمورة، وكل ما يطلق عليه ريف المنتزه، بالإضافة للأحياء الشعبية الفقيرة القديمة: باكوس، وأبو سليمان، وكرموز، وغيط العنب، وغربًا كالعجمي، والبيطاش، والهانوفيل، والواحد وعشرين.

أعيش وسط عشوائيات تنمو على طرف المدينة كغالبية سكان الاسكندرية؛ بلا خدمات ومرافق كالمياه والكهرباء، بطرق ترابية غير ممهدة، في تكدس ممل، وازدحام يومي روتيني، ووسائل مواصلات رديئة عبارة عن قطع من الخردة، تربط العزب والنجوع والمناطق بموقف الركاب المركزي.

هنا أتحدث عن أطراف الإسكندرية، ليس عن الأرياف أو الأقاليم المنسية وأطراف القرى. فالأخيرة ظلمتها الجغرافيا، أما المدينة فتبين لنا ظلم وقذارة الواقع الذي نعيشه.

الحق في المدينة

ظهر في نهاية الستينيات، لأول مرة، مفهوم «الحق في المدينة»، من خلال عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر، ومن بعده اهتمت بهذا الأمر عديد من الجمعيات والمنظمات، بالإضافة لكثير من المفكرين الذين أولوه اهتمامهم، كما ظهر المفهوم في عديد من الكتابات، بل والمواثيق الدولية التي تدعم هذا الحق وتكفله.

ثم تُوِّجت هذه الجهود بصدور «الميثاق العالمي للحق في المدينة» في المنتدى الاجتماعي العالمي الثالث في بورتو أليغري بالبرازيل، في يناير 2003.

في الميثاق الذي صدرت ترجمته للعربية في ست صفحات، تم تعريف الحق في المدينة بأنه يشمل: «الحقوق الإنسانية المعترف بها دوليًّا للسكن، والأمن الاجتماعي، والعمل، والمستوى المعيشي الملائم، والترفيه، والمعلومات، والتنظيم، وحرية التجمع، والماء، والغذاء، والتحرر من نزع الملكية، والمشاركة، والتعبير عن الذات، والصحة، والتعليم، والثقافة، والخصوصية والأمن، وبيئة آمنة وصحية، والتعويض والعلاج القانوني في حالة التعرض للانتهاك… إلخ».

اقرأ/ي أيضًا: أساطير من المدينة العتيقة

وتحت عنوان «التطبيق الكامل لحقوق ومسؤوليات المواطنة»، يواصل الميثاق شرح هذا الحق، موضحًا أنه يهدف للانتفاع الكامل والعالمي للمدينة.

نحن أمام توصيات جيدة ومسؤوليات معدومة، تؤكد على الخلاصة المركزية التي توصل لها لوفيفر في أطروحته بأن المدينة التي كنا نعرفها ونتصورها يومًا ما، تختفي بسرعة ولا يمكن استعادتها. ويمثل هذا مشكلة كبيرة؛ فأن تطالب بالحق في المدينة هو في حقيقة الأمر مطالبة بشيء لم يعد موجودًا، إضافة إلى ذلك: تعبير الحق في المدينة يصبح تعبيرًا خاليًا من الدلالة بالأساس، ويعتمد الأمر على من سيضيف المعنى.

الرأسماليون والمطورون العقاريون هم من يمكنهم المطالبة به. لكن هل يمكن للمشردين، الذين لا يحملون بطاقات هوية، وآلاف المهاجرين والأفراد العاديين، الذين يصبح «الشارع» بالنسبة لهم، له تعريف وجودي مختلف؛ أن يطالبوا بهذا الحق؟ مع إدراك أن «القوة هي التي تحسم الأمر فيما بين الحقوق المتساوية»، مثلما ذكر كارل ماركس في رأس المال.

بالتالي، فمفهوم «الشارع» أصبح يأخذ مساحة في التعريف أكبر من كونه مجرد طريق للعبور أو المشي، أو بكونه عنصرًا بسيطًا من عناصر المدينة، ليصبح الشارع مساحة لكثير من الصراعات التي يتم خوضها لصالح وباسم الحق في المدينة؛ حيث يصبح الشارع بمثابة بيت لأحدهم، أو مساحة للتفاعل والعلاقات والصداقات وأكل العيش وتوفير سبل المعيشة، أو تحقيق للذات، والإحساس بعدم الوحدة أو الغربة. ويتحول الازدحام والتكدس والضوضاء من مجرد كونها مسببات للضيق، لمساحة نشطة لوجود وتفاعل كثيرين.

من هنا يصبح الشارع مساحة تعبير عن شكل من النضالات والصراعات الوجودية التي من الممكن أن تستغرق حياة الفرد وعمره كله، بوجود البائعين و«السريحة»، والسائقين والتكاتك، ومن يفترشون الشوارع لبيع الملابس والأحذية والفواكه والإكسسوارات والموبايلات المسروقة؛ مستحوذين على أغلب مساحة الطريق، و«الفواعلية» المتمركزين بالعشرات على مداخل وفتحات المناطق، ينتظرون بيع قوة عملهم كل صباح، والكم المهول من المتسولين والمشردين، والذين يُعد الشارع المساحة الوحيدة والمتاحة لنشاطهم اليومي وبياتهم الليلي.

يقوم عالم الشارع على التفاعل المترابط بين تلك الفئات الاجتماعية، والذي يعمل نضالها على صياغة جديدة لمحاولة تجاوز أسطورة ضعف الأشخاص العاديين، وقلة حيلتهم، والاعتراف بفعلهم أو قدرتهم على الفعل.

في الوقت الذي يشكل وجودهم حالة من التضييق والخنقة والتأفف المستمر في سير الشوارع والحركة وفي حيوية المدينة، تكون تلك الحالة هي التعبير الحقيقي عن وجودهم، والذي من خلاله يجنحون لتأسيس علاقات وصداقات وأشكال متفق عليها من اللغة والتعامل، تُمكنهم من تطوير نضالية هجومية مستمرة في احتلال الأمتار والمساحات الخالية في الشوارع، والحفاظ علي هذه المكتسبات من خلال استعدادهم الدائم لمقاومة مالكي البيوت والمحلات في المناطق من ناحية، والذين يعتبرون عالم الشارع هو مقاسمة ومزاحمة لهم في أرزاقهم، ومقاومة الشرطة والبلدية والمباحث من ناحية أخرى، والتي تلاحقهم بشكل شبه يومي باعتبارهم مخالفين ومجرمين.

هذه الفئات والقطاعات لم تعُد ظاهرة شاذة، ولربما ينظر إليها باعتبارها زوائد مجتمعية يجب إزالتها، نظرًا لعدم جدواها؛ لا في عملية الإنتاج الاجتماعي، ولا في مظاهر «التحضر والرقي» التي يخبرنا بها مجتمع الحداثة والمدينة.

أهرامات الجيزة
يقوم عالم الشارع على التفاعل المترابط بين تلك الفئات الاجتماعية (تصوير: محمد العتر)

إلا أن هذه الفئات تنمو وتزداد أعدادها بشكل كبير، نتيجة لسياسات إعادة الهيكلة التي فرضها نظام السوق على المجتمعات النامية، من خلال عملية مزدوجة من الاستبعاد والتحول إلى القطاع غير الرسمي من ناحية، ومن ناحية ثانية إدماجها كعمالة يتم الدفع بها في الوظائف الشاقة أو الدونية في القطاعات الخدمية، لتتكون طبقة من «نفاية كل الطبقات» الذين اعتمدوا من قبل على الدولة، وعليهم الآن أن يعتمدوا على أنفسهم للبقاء على قيد الحياة.

تحرير أسعار السكن والإيجار والخدمات، وتقليل النفقات على البرامج الاجتماعية والرعاية الصحية والإسكان الحكومي، والرفع التدريجي للدعم عن الخبز وأسعار المواصلات والبترول، بجانب السعي الدائم تجاه الخصخصة وبيع القطاع العام الذي لم يؤتِ ثماره لا في إصلاح الاقتصاد ولا في خلق فرص عمل جديدة.. كل هذا كان مناقضًا تمامًا لتوصيات الميثاق العالمي للحق في المدينة، والذي مثَّل جذور عملية الطرد من المدينة إلى الشارع، والتي يصاحبها ما أطلق عليه آصف بيات، أستاذ علم الاجتماع الإيراني، بـ«الزحف الهادئ للحركات الاجتماعية»، لوصف عملية التقدم الصامت والحذر والمستمر للأفراد «تحت العاديين»، سعيًا نحو البقاء وتحسين ظروف حياتهم.

تقدُّم مُتشظي وطويل المدى، قد يدوم عمر الفرد كله، دون وجود قيادة واضحة أو أيديولوجيا أو تنظيم بنائي، لذلك فهي «لا-حركات اجتماعية»، بعكس الحركات التي تتسم بالقدرة التنظيمية وتجانس المصلحة وأشكال استراتيجية من العمل والمطالب.

هذا الشكل النضالي من الزحف يمثل أحد الطرق التي يسلكها ملايين الأفراد في مجرى سعيهم لنيل شيء من الحق في المدينة، كما يعني أن الفاعلين يحاولون توسيع الحيز الذي تحت أيديهم عن طريق كسب مواقع جديدة للتحرك فيها.

كما يتحدى هذا النوع من الزحف الهادئ كثيرًا من صلاحيات السلطة الرئيسية، بما في ذلك معنى النظام والسيطرة على الحيز العام ومعنى التحضر.

لكن التحدي الأكثر بروزًا، وأهمية، يتمثل في قدرة هذه الفئات والقطاعات على مجابهة اقتصاد السلب والطرد المركزي الذي تقوده الدولة بصفتها السلطة الوحيدة، من خلال عملية إعادة توزيع الخدمات الاجتماعية في شكل الحصول بطريقة غير قانونية ومباشرة على مظاهر الاستهلاك الجمعي (الأرض، والمساكن، والمياه الجارية، والكهرباء)، والذي في نهاية المطاف لا يترك، أي هذا الزحف، خيارًا أمام الحكومة إلا دمج هذه التجمعات غير الرسمية.

هذه الدينامية لعلاقة القوة بين هذه الجماعات والسلطات، بما تحمله من صراعات، وما ينتج عنها من آثار، تُجسد شكلًا من سياسة المُستبعَدين أو مطالبة الشارع بحقه في المدينة، عن طريق فتح مساحات جديدة، أو كما سماها لوفيفر: (الهتيروتوبيا) «الفضاءات والأمكنة المغايرة». وهذه الفضاءات لا تنتج بالضرورة عن خطة واعية؛ بل ببساطة عما يفعله الناس ويشعرون به ويجري التعبير عنه، وهم يسعون لإيجاد معنى لحياتهم اليومية.

ثمن الحق في المدينة

بالرجوع مرة أخرى لمفهوم انتصار المدينة، سنجد أن هذا الانتصار كان على حساب غالبية البشر؛ حيث وتيرة التطوير العمراني واتساع نطاقه المذهل، كانت تخفي وراءها أيديولوجيا تقرر منح التحضر لفئة ونزعه من أخرى.

من هنا نشأت فكرة فرض الحضرنة التي تُمارس من خلال طبقة سياسية تعمل على إقامة مشروعات وإنجازات حضارية ومدن وكومباوندات عصرية، تناسب شرائح طبقية معينة. ويختلف هذا عن التحضر كمسؤولية سياسية واجتماعية وأولوية في الإنفاق، وحق أصيل محروم منه عموم الأفراد، والمتمثل في مستوى معيشي واستهلاكي وخدمي، أدنى من المقبول والمفروض. وعليه، ففكرة الحضرنة تطرح نفسها كشكل من أشكال الاقتصاد القائم على السلب: سلب قيمة التحضر، وقصرها على فئات معينة.

في عام 1853، أُسند تطوير مدينة باريس للبارون جورج أوسمان، لكي تكون واحدة من أجمل مدن العالم. لكن ما قيمة الجمال؟ ومن المستفيد منه؟ ومن سيُموّل ويدفع ثمن بناء باريس؟

وكانت قد تعاقبت عدة ثورات على فرنسا (1789، و1830، و1848) لذلك أراد الإمبراطور تقسيم النسيج العمراني الباريسي بشوارع عريضة وممتدة، تؤمِّن عزلة المناطق وتقسيم التجمعات الكبيرة، بهدف تمكين الحكم، وتجنب حدوث أي ثورة أثناء حكمه.

انتصار المدينة هو انتصار على حساب غالبية البشر، فوتيرة التطوير العمراني، أخفت وراءها أيديولوجيا تقرر منح التحضر لفئة ونزعه من أخرى

مزّق أوسمان الأحياء الباريسية القديمة، مستخدمًا صلاحيات نزع الملكية باسم المنفعة العامة، فأزال خلال هذه العملية عديد من المباني، أهمها السوق الباريسية (سوق البسطاء). وكذلك أزال عديدًا من الكنائس والجادات والشوارع.

وتضمنت هذه الخطة، التي وُضِعت ونُفِّذت على ثلاثة مراحل، هدم 19 ألفًا و730 مبنى تاريخيًا، وتشييد 34 ألف مبنى جديد. وحلت محل الشوارع القديمة شوارع عريضة طويلة تتميز بصفوف من عمارات سكنية جديدة كلاسيكية الطراز وفسيحة ذات واجهات من الحجارة البيضاء.

وعام 1852، وقبل البدء في أعمال أوسمان، كانت باريس تحصد حوالي 52 مليون فرنك من الضرائب، ليرتفع هذا الرقم إلى 232 مليون في عام 1869. وتصل تكلفة مشروع أوسمان بالمجمل إلى حوالي 2.1 مليار فرنك.

أيضًا من الأمثلة على التناقضات التي تفصح عنها مشروعات التطوير العمراني وازدهار المدينة، ما يحدث في جزيرة الوراق بالقاهرة، والتي تعطينا صورة حديثة عن إعادة تشكيل المدينة من خلال المطورين العقاريين المدعومين بالتمويل وبرؤوس أموال الشركات وبجهاز الدولة المحلي، الذي يميل بشكل متزايد لعقلية رجال الأعمال.

تعتبر الجزيرة التي تبلغ مساحتها 1550 فدانًا، أكبر الجزر النيلية، وتتميز بموقع متفرد، حيث تتوسط القاهرة الكبرى، التي يسكنها ما لا يقل عن 120 ألف مواطن، تعتمد غالبيتهم في تأمين الدخول ومصادر العيش، على الصيد والزراعة.

في يوليو 2017، فوجئ أهالي الجزيرة بعبَّارات تنقل عشرات الحفارات واللودرات من كل الجهات، مدعومين بمئات من رجال الأمن لاقتحام الجزيرة بحجة إزالة المباني المخالفة. لكن الحقيقة كانت تكمُن فيما نشرته الجريدة الرسمية في نوفمبر 2019، والذي تضمن قرار وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية رقم 775 لسنة 2019 بشأن اعتماد المخطط الاستراتيجي العام للتجمع العمراني بجزيرة الوراق، والذي يهدف إلى إنشاء 10 آلاف وحدة سكنية، بالإضافة لتخصيص أراضي لإقامة ثماني مناطق استثمارية للشركات، وتخصيص 115 فدانًا لإقامة منطقة تضم وحدات للإسكان الفاخر (فيلات)، ومنطقة تجارية وترفيهية، وحدائق عامة، ومرسى لليخوت، وكورنيش، وممشى سياحي، ومنطقة ثقافية.

كُشف عن أن إجمالي الإيرادات الاستثمارية للجزيرة وصل إلى حوالي 122.54 مليار جنيه، بينما الإيرادات المتوقعة في حالة طرح مشروعات بحق انتفاع ما بين 20 إلى 25 عامًا، بقيمة تصل إلى 422 مليار جنيه.

بعد انتزاع الأراضي، يزدهر تراكم رأس المال عبر النشاط العقاري، حيث أُخذت الأراضي من دون مقابل يُذكر. حتى ولو مُنح الأهالي تعويضات، فالقيمة التي استحوذ عليها من انتزعوا الملكية أكبر بكثير من القيمة التي نالها من انتُزعت ملكيتهم.

كل هذا بالإضافة للمشروع الحضري الأضخم، المشروع الذي يُرغب منه إدخال أو إلحاق مصر بركب الحداثة والعصرية: العاصمة الإدارية الجديدة، الذي تم الترويج والدعاية له مؤخرًا تحت اسم «الجمهورية الجديدة»، والذي بلغ حجم الاستثمارات فيه منذ انطلاق المشروع، حوالي 250 مليار جنيه، أي ما يعادل 15 مليار دولار.

في مارس 2015، أعلن الرئيس إطلاق مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، ذلك المشروع الذي يُرجى منه خلق عاصمة عصرية لا مجال فيها لسوء التخطيط والمشكلات المتفاقمة التي تمتلئ بها العاصمة القديمة؛ حيث تبلغ مساحة العاصمة الإدارية الجديدة 168 ألف فدان، أي ما يعادل مساحة مدينة سنغافورة. وتنقسم العاصمة الجديدة إلى حي حكومي، وحي دبلوماسي، وحي سكني يضم منطقة خاصة بالفيلات وأخرى بالتاون هاوس. ومن المقرر أن يُقام فيهما أربعة آلاف فيلا ومنزل، وحي المال والأعمال الذي يضم 20 برجًا سكنيًّا وإداريًّا وتجاريًّا.

العاصمة الإدارية الجديدة
العاصمة الإدارية الجديدة

يقول فردريك أنجلز في كتاب «مسألة الإسكان»، إن «نمو المدن الحديثة الكبيرة يكسب الأرض في بعض المناطق، وخصوصًا في تلك المناطق المركزية، قيمًا مبالغًا فيها وغير حقيقية بشكل متزايد، والمباني المقامة على هذه الأراضي تنخفض قيمتها بدلًا من أن تزيد، لأنها لم تعد تنتم للظروف المتغيرة. تُهدم هذه المباني ويقام غيرها، ويحدث ذلك قبل كل شيء لمنازل العمال والبسطاء الموجودة في مركز المدينة، والتي لا يمكن أن تزيد إيجاراتها حتى في أكثر الأماكن ازدحامًا عن حد أقصى معين، أو بمعدل بطيء للغاية. تُهدم هذه المنازل، وبدلًا منها تقام المتاجر والمستودعات والمباني العامة».

من المحبط التفكير في أن ذلك كُتب عام 1872، لأن وصف فريديريك أنجلز، ينطبق مباشرة على عمليات التطوير الحضري التي تشهدها اليوم القاهرة ومومباي ومكسيكو سيتي وريو دي جانيرو. وعليه يجلب هذا الشكل من الحضرنة تحولات هائلة في أسلوب الحياة.

هكذا أصبحت جودة حياة المدينة الجديدة سلعة تُباع للقادرين على ثمنها، في عالم أصبحت فيه السياحة والسلع والثقافة والصناعات القائمة على المعرفة والمعلومات (Big Data) هي مساحات لتنشيط الاقتصاد الاستعراضي، والتي تشجع إنشاء أسواق كاملة ومتخصصة لنمط الحياة الاستهلاكية الجديدة، وانتشار المولات وصروح التسوق، ومجمعات السينما، والنوادي العائلية، وشركات الماركات والبراندات العالمية، وسلاسل مطاعم الوجبات السريعة وغيرها من مظاهر الحياة العصرية التي من المفترض أن يمتلك الفرد ثمنها. لم يعد المهم كيف تمتلك هذا الثمن، المهم قدرتك على الاندماج في قواعد اللعبة الجديدة، فهذا هو المحدد لحقك في المدينة.

ولذلك بدأت تظهر دعاوى مثالية أكثر من كونها واقعية، بضرورة الهروب من المدينة. المدينة التي لم تنتصر سوى على البشر، ولم تجذبهم سوى لمزيد من الاضطرابات والصراعات، ولم تحسن حياتهم ولم تطور إمكاناتهم، بل جعلت كل فرد عدوًا للآخر.

وعمومًا يُعتبر «الآخر» أكبر عائق في المدينة، لأنه يقف أمامك في القطار وعند شباك التذاكر، وحيثما ذهبت، ويمكن أن ينفخ في المزمار أو يقرع الجرس أو يصرخ أو يتحدث بصوت عالٍ أو يقذف سيجارته أمامك. باختصار شديد، يمثل الآخر مصدر إزعاج، فتمثل المدينة حالة من الغربة والنفور، وتبعث على التوحد واحتمالات عالية من المرض والتدهور النفسي.

كل هذا يجعل الإنسان في حنين دائم للحياة الانتقالية القديمة، حيث البيت من دون سقف، والأفق الواسع من دون أسوار وحواجز، والبحر من دون بوابة وتصريح، والطريق بلا مرور، والأفعال الذاتية من دون ضابط، وهذا ملحوظ في التفاعل الهستيري للعديد ومشاركتهم لتجاربهم في أماكن ساحرة وبعيدة، كدهب ونويبع وسيوة، تعكس رغباتهم في التحرر والهروب من المدينة.

وعليه يُضاف لمفهوم «الهروب من المدينة» مضامين وأوجه عديدة تجاه الحرية والإرادة وفعل الذات، فيتحول الهروب في رحلة قصيرة إلى نوع من الفوضى اليومية، والتي تتسم بافتقارها لأي شكل من التحديد أو التوجيه، كوسيلة لإظهار الإمكانية المحجوبة للتجريب والمتعة واللعب في الحياة اليومية، ليظهر الهروب بالنهاية كتعريف لفض الاستلاب والاغتراب اليومي للحياة؛ حيث قتلت المنظومة السائدة إمكانات بشرية كالسفر والترحال والتجوال ووقت الفراغ وأوقات المتعة في نفوس مواطنيها، قتلتها بالتخطيط المركزي والأمني، الطرق الموحدة ذاتها ونقاط التفتيش واستعراض القوة، ومركزة الطرقات وربطها بالارتكازات البوليسية والأمنية، والعمران البرجوازي الحقير الذي قتل تخيل الفرد وإبداعه لتخطيط بيته وذوقه الخاص، وإلحاقه إما بالبلوكات والكومباوندات من ناحية، وإما بإلقائه في عشوائيات الأطراف والضواحي.

بهذا الشكل تستوعب السلطة «المدينة»، الأماكن الساحرة المشار إليها، بكونها أماكن ننظر لها بقدرٍ من الجمال صعب المنال، أماكن تُزار لأسبوع في إجازة قصيرة، لكنها ليست أماكن للانتقال والعيش السهل، فقط أماكن للهروب المؤقت، أما الدوام فللمدينة والعمل، والاغتراب الشامل الذي يدفع الإنسان في صراعه بين الرغبة الذاتية (سلوكيات ورغبات مكبوتة) التي لا يستطيع تحقيقها في المدينة، والرغبة الاجتماعية في العلاقات والعمل والأسرة.

كل العذاب والأفكار الراسخة جراء الوجود البرجوازي المخطط لحياتنا ورغباتنا، لن يزول لمجرد أن يصبح لدينا ذوق وحس مختلف وقرار ذاتي بالهروب؛ بل بعد تخليصها من المخططين الكبار، ليكون الأفراد جغرافيين لأنفسهم، معماريين بدورهم، منتصرين لحقهم في المدينة.

أحمد منتصر

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى