الخضراوات بديل "الشيشة"

في زمن كورونا

في 24 مارس الماضي اتّخذ مجلس الوزراء حزمةً من الإجراءات؛ لمواجهة تفشي فيروس “كورونا”، على رأسها غلق المطاعم، والمقاهي، والكافيهات، ومنذ ذلك الحين، و”جميل بحبح” صاحب مقهى شعبي في منطقة وراق العرب شمال الجيزة، أحواله المعيشيّة متدهورة للغاية.

في البداية رَحَبَ “بحبح” بقرارات الحكومة يقول لـ”ذات مصر”: “قلت لازم نقف جنب بلدنا، وكل واحد يجي على نفسه، ويتحمل فترة، وتعود الأمور لطبيعتها، لكني انتظرت أسبوعين و3 و4، ولم يحدث شيئًا، وبقي الوضع على ما هو عليه”.

خضراوات "جميل" تحل محل الشيشة

فترة الإغلاق التي تجاوزت الـ3 أشهر، أصابت “بحبح” باليأس، خاصةً بعد إخفاقه في الحصول على منحة الـ500 جنيه، التي أعلنت وزارة القوى العاملة صرفها للعَمالة غير المنتظمة دون جدوى: “قدمت عليها، ومحدش سأل فيّا لحد دلوقتي”.

الرجل الأربعيني لديه 6 أولاد، “باع حلق ابنته”، واضطر للاقتراض من أصدقائه، ومعارفه كي يستطيع الإنفاق على أسرته، ومنح العاملين الـ3 معه أجرهم اليومي؛ ما دفع العمال لمطالبته بتغيير النشاط، إلا أنّه رفض، وحاول بيع الشاي في أكواب بلاستكيّة على المحلات المجاورة، حتى داهمته الشرطة فقال للقوات: إنّه يصنع الشاي لأصدقائه وليس للزبائن.

منذ الواقعة والخوف يملأ قلب “بحبح”؛ لذا استجاب لمطالبات عُماله بتحويل المقهى إلى محل لبيع الخضراوات الطازجة، واستقر على شراء البضاعة من سوق شارع التل القريب من المقهى، إلا أنّه وجد الأسعار مرتفعةً، وبالتالي كان هامش ربحه ضعيفًا للغاية، لكنّه قرر المضي في المشروع.

بحبح يحول قهوته إلى محل لبيع الخضراوات

جمع “بحبح” مبلغ 1500 جنيه، واشترى الخضراوات، وبدأ في بيعها منذ نهاية مايو الماضي، ولم يكلفه افتتاح المحل الجديد سوى إحضار “دي جي”، وطباعة بعض البوسترات الدعائيّة القليلة، فالأهالي يعرفونه منذ 12 عامًا، عمر المقهى.

في اليوم الأول اضطر لبيع البضاعة بثمنها الأصلي، ومع ذلك وجد مفاصلة في السعر من قِبل النسوة من جيرانه، اللائي سألنه عن الفرق بين أسعاره، وأسعار السوق؟ فيما كان رده: “قربت لكم المسافة بدل الذهاب للسوق، وجبت لكم بضاعة نضيفة”.

هامش الربح البسيط الذي وضعه “بحبح” لنفسه وعماله، بالكاد يُسيّر أحوالهم، فبعد أنّ كان كل عامل في المقهى يتحصل على 120 جنيهًا يوميًّا، أصبحت يوميّة كل منهم لا تتجاوز الـ50 جنيهًا.

“اليوميّة لا تكفي لبن، وزبادي، وبامبرز لأولادي الصغار، بحسب ما قاله “عمر شوقي” أحد عمال المقهى لـ”ذات مصر” على سبيل التهكم من الأوضاع الصعبة، التي سببها فيروس “كورونا”.

مُعاناة مستمرة.. "عيد" يغيّر نشاطه ويتخلى عن عماله

لم يختلف الحال كثيرًا بالنسبة إلى “عيد عربي عامر”، الرجل الستيني، صاحب المقهى الكائن بداير الناحية في منطقة أوسيم ذات الطابع الريفي، الذي تبدلت أحواله فى يوم وليلة، بعد قرار مجلس الوزراء بإغلاق المقاهي.

المواطن عيد عربي يحول المقهى لمحل خضروات

كان مقهى “عيد” ومحيطه يكتظ بالزبائن قبل أزمة “كورونا” يقول لـ”ذات مصر”: “الساحة دي كان بيقعد فيها العشرات لمشاهدة مباريات كرة القدم، لكن حاليًّا ولا واحد بيفكر يعدي علينا يقول مساء الخير حتى”.

اضطر الرجل الستيني لتحويل المقهى إلى محل لبيع الخضراوات يقول عن ذلك: “كنت فاكر أنّه هايكون فيه حركة البيع والشراء كبيرة، والزباين عندهم وفاء ليا، ويجوا يشتروا مني، بس دا ما حصلش”.

انتظر “عيد” تَبَدّل الأحوال للأفضل منذ تغيير نشاطه التجاري، إلا أنّ الوضع استمر كما هو، فقرر الاستغناء عن الـ3 عمال الذين عملوا معه في المقهى: “قلت لهم محل الخضراوات لا يتحمل غيري، ومع ذلك صافي الربح في اليوم لا يكفي، عندي 6 عيال ومصاريفهم كتير، ويادوب بتحصل على 70 أو 80 جنيهًا في اليوم”.

“عيد” يقارن ربح المحل الحالي بأرباح المقهى فيقول: “في القهوة كانت الأرباح بتوصل في اليوم الواحد لـ500 جنيه على الأقل، مشروب الحاجة الساقعة كان بيبدأ من 10 جنيهات، خاصةً في الصيف”.

السلطات المصرية تكثف من حملات غلق المقاهي المخالفة
مبادرة مقهى "أرابيسك" لم تدم كثيرًا

لم يفكر “عامر عتريس” صاحب مقهى “أرابيسك” بشارع التل في الجيزة في تغيير نشاطه نهائيًّا، يقول لـ”ذات مصر”: “أسست هذا المقهى مع أشقائي من سنين طويلة، ولم أفكر أبدًا في أي عمل آخر”.

الصدفة قادت أصحاب “أرابيسك” لتغيير نشاط المقهى، بعدما عرض رجل أعمال عليهم أنّ يعطيهم الخضراوات كي يبيعونها للزبائن بأسعار زهيدة، في إطار مبادرة لمواجهة الغلاء.

وأغرى فارق السعر الكبير للمواطنين بالشراء بكثافة من المحل الجديد، يقول “عامر”: “الزحام كان بالطوابير أمام المقهى، وكنا نعتمد على 6 عمال في بيع الخضراوات، إلا أنّ هذا الوضع لم يدم طويلًا”.

أعقب حركة البيع والشراء الكبيرة ركودًا بالغًا، أجبر أصحاب المقهى على الاستغناء عن العمال، يقول “عامر”: “رجل الأعمال لم يتبرع بخضراوات أخرى، والزبون أصبح يذهب إلى الأسواق، واشترينا البضاعة الجديدة بأسعار مماثلة للأسواق، فخسرنا كثيرًا، وانتهى المشروع الجديد بالفشل”.

المقاهي التي غيّرت نشاطها “محظوظةً”، مقارنةً بمقاهي وسط البلد بالقاهرة التي لم تتمكن من فتح أبوابها منذ صدور قرار إغلاقها، ولم يستطع أصحابها تغيير نشاطها حتى الآن، الأمر الذي تسبب في معاناة أصحابها في ظل الجائحة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
قصة
مروان محمد

صحافي مصري

مشاركة
أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram