دراسات وتحليلات

الدعوة السلفية بالإسكندرية: مستقبل الدعوة والسياسة

كيف يفكر العقل الإسلامي في المستقبل؟ (3)

تُعدّ جماعة “الدعوة السلفية بالإسكندرية” واحدة من أهم الجماعات السلفية في مصر، لما لها من حضور قوي ومؤثر في الذهنية السلفية الجمعية في مختلف أنحاء البلاد.

الدعوة السلفية شاركت في الأحداث السياسية المتسارعة التي وقعت بعد ثورة يناير 2011، وكانت أحد اللاعبين الرئيسيين على الساحة السياسية المصرية في تلك الفترة، خصوصاً بعدما انبثق عنها حزب النور السلفي، الذي حصد مُرشحيه نحو 108 مقعد في الانتخابات البرلمانية في 2011.

في هذه الورقة نحاول أن نقدم رؤية استشرافية للمستقبل الدعوي والسياسي للدعوة السلفية، معتمدين في ذلك على القراءة المدققة في حفريات الماضي السلفي، وعلى أهمية واعتبارية السياقات السياسية الحالية.

أولاً: العمل الدعوي والعلاقة بالمؤسسة الدينية الرسمية

من المُرجح أن تعمل الدعوة السلفية في المستقبل القريب، على استعادة مكانتها الدعوية لدى جموع السلفيين في معقلها الرئيس بالإسكندرية، وفي القاهرة ومختلف مدن الوجه البحري بشكل عام.

أمّا فيما يخص العلاقة بين الدعوة السلفية والمؤسسة الدينية المصرية -المُمثلة في الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية- فغالب الظن أنها ستسير نحو الأسوأ، وأن العمل الدعوي السلفي لن تُتاح له الفرصة المواتية لفرض نفسه على الساحة الدينية من جديد.

هذا الطرح يمكن استشرافه من خلال ملاحظة مجموعة من النقاط، وهي:

ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية
ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية
  1. بحسب الأدبيات الأهم للدعوة السلفية بالإسكندرية، فقد تمثل التوجه الرئيس لها منذ تأسيسها في سبعينيات القرن العشرين، في العمل على بناء المجتمع المسلم الصالح، الذي يلتزم أفراده بالعقيدة والممارسات السلفية، ومن هنا فقد كان تركيز قيادات الدعوة –قُبيل ثورة يناير 2011- مُنصّباً على استقطاب القواعد البشرية، دون الالتفات للسياسة وشئون الحكم.
  2. بررت قيادات الدعوة موقفها المساند لقوى الثورة في يونيو 2013، بأولوية الحفاظ على الدعوة، الأمر الذي ظهر بوضوح في تصريح أدلى به الشيخ ياسر برهامي -أحد أهم قادة الدعوة- في وقت سابق: “بقينا للحفاظ على ما بقي من العمل الإسلامي… ونحن كدعوة سلفية مازلنا نمثل جزءًا أساسيًا من قضية الاستقرار في المجتمع، وفي بذل الجهد في الإصلاح الهادئ والبناء، وحتى لو لم يعرف المجتمع أهمية دورنا، فنحن نعمل في كل طبقات المجتمع”.
  3. لا يمكن التغافل عن التنافس الشرس بين الدعوة السلفية والمؤسسة الدينية الرسمية في مصر، والذي بدأ مع تأسيس الدعوة في سبعينيات القرن المنصرم، واستمر قائماً حتى اللحظة الحالية. فالباحث في تاريخ ذلك التنافس سيجد أن هناك الكثير من نقاط الخلاف بين الدعوة من جهة والمؤسسة الدينية الرسمية من جهة أخرى، النقطة الأولى عقائدية، ففيما يتبع السلفيون العقيدة السلفية-الأثرية التي عُرفت تاريخياً بمذهب أهل الحديث، فإن الغالبية الغالبة من شيوخ الأزهر الشريف تعتنق العقيدة الأشعرية. أما النقطة الثانية فتتمثل في اختلاف المرجعيات الفقهية، ففي حين يؤمن السلفيون باعتبارية الفقه الحنبلي وبحجية أقوال كل من شيخ الإسلام “تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني” (المتوفى 728ه) والشيخ “محمد بن عبد الوهاب” (المتوفى 1206ه)، فإن المؤسسة الرسمية منفتحة بشكل كبير على جميع المذاهب الفقهية السنية، كما تُولي اعتباراً لكل من المذهب الجعفري والمذهب الإباضي.

هذا الاختلاف العقائدي- الفقهي، تجلى في المنافسة على استقطاب جموع المتدينين ومحاولة اجتذابهم من خلال مختلف المنابر الدينية والإعلامية، ومن أهمها إمامة الصلوات في المساجد، وإلقاء خطب الجمعة، ونشر الفكر السلفي من خلال القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية.

ثانياً: المشاركة البرلمانية والحكومية

من المتوقع أن تحافظ الدعوة السلفية -مُمثلةً في حزب النور- على وجودها الرمزي غير المؤثر على الساحة السياسية المصرية، وأغلب الظن أن الدعوة ستقنع بهذا الوجود دون أن تمارس جهوداً حقيقية للمعارضة أو ممارسة الضغوط للانخراط في التشكيلات الحكومية المستقبلية.

صورة أرشيفية لكتلة حزب النور في البرلمان
صورة أرشيفية لكتلة حزب النور في البرلمان

لفهم هذا التوقع، ينبغي الرجوع إلى المدونات الفقهية القديمة، والتي تتفق الأغلبية الغالبة منها على أن الشورى مُعلِمة وليست مُلزِمة، فبحسب ما يذكر أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى 430ه) في كتابه “تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة”: “إنما الشورى عند الاشتباه، وأمّا عند الإيضاح والبيان فلا معنى للشورى”، الأمر الذي أكد عليه ابن تيمية في “منهاج السنة” في قوله: “وإن تبيَّنَ لأحدٍ من الرعية دون الإمام بيَّنَهُ له. وإن اختلف الاجتهاد فالإمام هو المُتَّبع في اجتهاده، إذ لا بد من الترجيح، والعكس ممتنع”.

معنى ذلك أن الرؤية السلفية التقليدية تتمثل في القول بالحكم المطلق لولي الأمر، دونما اعتبار لمبادئ الديمقراطية التي تقوم عليها الأنظمة السياسية الحديثة، على سبيل المثال، يذكر المهندس “عبد المنعم الشحات” –وهو المتحدث الرسمي للدعوة السلفية بالإسكندرية- في مقال له نُشر عام 2013، تحت عنوان “الإسلام والديمقراطية مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف”:

“حرصتْ الدعوة على التبرؤ من فلسفة الديمقراطية نظرية السيادة للشعب، والتي يعبر عنها د. محمد عمارة بأنها تقرر أن الله له الخلق دون الأمر، وحتى الآليات فلم ندعِ أنها موافقة للشرع تمامًا، ولكن القبول بهذه الآليات حينئذٍ يكون من باب أدنى المفسدتين كما أفتى الشيخ الألباني جبهةَ الإنقاذ في الجزائر بالدخول في الانتخابات من باب ارتكاب أدنى المفسدتين”.

هذه الرؤية تتزامن مع التراجع الكبير في شعبية وجماهيرية الدعوة السلفية بين المصريين بسبب الأحداث السياسية المتلاحقة منذ ثورة يناير 2011 وحتى اللحظة الراهنة، الأمر الذي تُدلِّل عليه أعداد المرشحين الفائزين من حزب النور في الانتخابات النيابية السابقة، ففي حين شهدت انتخابات 2011 فوز 108 مرشح من الحزب، فإن 11 مرشح فقط فازوا في انتخابات 2015، أمّا في 2020 فلم يفز الحزب ذو المرجعية السلفية إلا بسبعة مقاعد فقط من بين مقاعد البرلمان المصري.

ياسر برهامي وقيادات حزب النور
ياسر برهامي وقيادات حزب النور

ثالثاً: العلاقة بالأحزاب السياسية والتيارات الدينية

من المتوقع أن تبقى الدعوة السلفية على حالة العزلة السياسية التي وقعت فيها بعد مشاركتها تظاهرات يونيو 2013، إذ سيبقى سلفيو الإسكندرية بعيداً عن القوى المدنية الحزبية المتواجدة على الساحة السياسية، في الوقت الذي سيبتعدون فيه عن التيارات الدينية-السياسية، مثل السلفية المدخلية وجماعة الإخوان المسلمين والقوى الصوفية.

فيما يخص القوى المدنية، فالاتجاه السلفي التقليدي يعتقد بانحراف أغلبية الأيديولوجيات المطروحة في الساحة الفكرية عن الخط الإسلامي القويم. على سبيل المثال، يذكر الشيخ السلفي “علاء بكر” في مقال له عن العلمانية وتعارضها مع مبادئ الدين الإسلامي:

“ولقد تبنت العلمانية مبادئ الفكر المادي، وعليه قامت معتقدات العلمانية، ومنها: الإيمان المطلق بالمادة، وبما يحس ويشاهد، وإنكار ما وراء الطبيعة من أمور غيبية، وتقديس العلم التجريبي كمصدر للمعرفة والتعرف على الحقائق، ومعاداة الدين أو على الأقل إبعاده عن مجالات الحياة المختلفة، فمن العلمانيين من ينكر وجود الله، ومنهم من يؤمن بوجوده، ولكنهم يعتقدون أنه لا علاقة بين وجود الله وبين حياة الإنسان على الأرض، لذا فهم يقيمون الحياة على فصل الدين على الدولة، ويرفضون التحاكم إلى شرع الله تعالى”.

أما فيما يخص القومية، فإن الشيخ نفسه قد كتب منتقداً لها:

“وقد انتقلت عدوى الدعوة إلى القومية إلى الأمة الإسلامية فقسَّمتها وفرَّقتها… وتحولت الأمة إلى دويلات تفصلها حدود سياسية، وتتحكم فيها دول الغرب الاستعمارية. فهل آن لنا أن يجمعنا الإسلام من جديد ويُألف بيننا؟”.

هذا في الوقت الذي كتب فيه الشيخ السلفي “شحاته محمد صقر” مُهاجماً الليبرالية في كتاب بعنوان “الإسلام والليبرالية نقيضان لا يجتمعان”.

من هنا يمكن القول إن الدعوة السلفية تنكر جميع الأيديولوجيات السياسية المطروحة على الساحة وتراها مخالفةً للإسلام. على الجهة المقابلة، فإن الأغلبية الغالبة من التيارات العلمانية والقومية، قد دأبت على اتهام الدعوة السلفية وحزب النور بالخيانة، وبأن شيوخ السلفية يعتقدون بنفس الأفكار المتطرفة التي تؤمن بها جماعة الإخوان المسلمين، وإن عملت السلفية على إخفائها وعدم المجاهرة بها من باب التقية. الأمر الذي أعاق تحقيق أي تنسيق حقيقي مشترك بين الدعوة من جهة والقوى السياسية والفكرية من جهة أخرى، وفَرَض نوعاً من أنواع العزلة السياسية على حزب النور.

أمّا لو بحثنا في النظرة السلفية للتيارات الدينية، فسنجدها -في معظمها- تميل للإقصاء والتهميش والخلاف، الأمر الذي يحول دون إقامة أي علاقات وطيدة بين الجانبين في المستقبل القريب.

محمد سعيد رسلان، القيادي المدخلي
محمد سعيد رسلان، القيادي المدخلي

فيما يخص السلفية المدخلية، وهو ذلك التيار السلفي الذي يرفض التحزب والقطبية والخروج على الحاكم، كما إنه لا يُجيِز المشاركة السياسية بسبب صعوبة التوفيق فيما بينها وبين الضوابط الشرعية، ولا يعترفون بالانتخابات البرلمانية أو الرئاسية وما شابهها من الإجراءات الديموقراطية المُتعارف عليها في العالم المعاصر؛ فإن الخلافات بين الجانبين -الدعوة السلفية والمداخلة- قد بدأت مع تسعينيات القرن المنصرم، وبعد اندلاع ثورة يناير ٢٠١١، تبادل الجانبان، الكثير من الاتهامات، فبينما وصف المداخلة شيوخ الدعوة بأنهم خوارج يريدون الفتنة، فإن شيوخ الدعوة قد وصفوا المداخلة بأنهم عملاء للنظام  السابق وموظفين من قبل جهاز أمن الدولة.

أمّا فيما يخص جماعة الإخوان المسلمين، فعلى الرغم من العلاقات الجيدة بين الدعوة السلفية وجماعة الإخوان المسلمين في الفترة التي أعقبت ثورة يناير مباشرةً، إلا أن موقف الدعوة المُطالِب بضرورة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وبعدها المشاركة في بيان الثالث من يوليو 2013 مع القوى الثورية المدنية، قد تسبّب في إشعال الصراع بين الفصيلين، مما حدا بجماعة الإخوان لوصف قيادات الدعوة بالانبطاح وخيانة المشروع الإسلامي.

أخيراً، بالنسبة للعلاقة بين الدعوة السلفية والطرق الصوفية، فإن الخلاف العقائدي الحاد القائم بين السلفية والصوفية، والذي ترجع جذوره التاريخية لتكفير الشيخ محمد بن عبد الوهاب للصوفيين في الحجاز ووصفهم بالقبوريين والوثنيين، قد تسبَّب في حرمان الدعوة السلفية وحزب النور من تأييد ملايين الأصوات السلفية ذات الحضور القوي في المجتمع المصري، الأمر الذي يُرجَّح أن يبقى على حاله في المستقبل.

رابعاً: المشاركة السياسية للمرأة

من المتوقع أن تبقي الدعوة السلفية بالإسكندرية على سياستها المُهمِّشة لدور المرأة في الحياة السياسية، ومن المُرجَّح أن تمارس الدعوة نوعاً من أنواع المعارضة الإعلامية الرافضة لأي قوانين إصلاحية تهدف لتمكين المرأة أو مساواتها بالرجل في المستقبل القريب.

لفهم هذا التوقع ينبغي الرجوع للمدونات الحديثية والفقهية التراثية، والتي ذكرت الحديث المنسوب للرسول “لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة”. القول الذي فهم منه الفقهاء والأصوليون أن المرأة -وبسبب ما يطرأ عليها من المتاعب البيولوجية كالحيض، والحمل، والنفاس- لا يمكنها تولي المناصب القيادية أو الولاية. الأمر الذي نصّ عليه ابن قدامة المقدسي (المتوفى 620ه) في كتابه “المغني” فقال:

“ولا تَصلُحُ -يقصد المرأة- للإمامةِ العظمى ولا لتوليةِ البلدانِ؛ ولهذا لم يُوَلِّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا أحَدٌ من خُلَفائِه ولا مَن بَعْدَهم امرأةً قَضاءً ولا وِلايةَ بلدٍ، فيما بلَغَنا…”.

موقف الدعوة السلفية بالإسكندرية من قضية ولاية المرأة، وانتخابها في المجالس النيابية شهد اختلافاً كبيراً بحسب الظروف السياسية، ففي حين أفتى الدكتور ياسر برهامي في 2010، بعدم جواز ترشح النساء للبرلمان، وكان مما قاله وقتها:

“ونقل الجويني -رحمه الله- في الغياث الإجماع على أن الذكورة من شروط أهل الحل والعقد، فضلاً عن العلم؛ فأين النساء العالمات لو قلنا بالجواز -ونحن لا نقول به-؟!…”

ولكن مشايخ الدعوة قد تراجعوا عن هذا الرأي بعد اندلاع ثورة يناير، فأجازوا مشاركة المرأة في انتخابات ٢٠١١ بعدما تم الاتفاق على ضرورة تمثيل المرأة في أي قائمة مُرشَحة، وكان مما روّج له شيوخ الدعوة وقتها “أن مفسدة ترشيح المرأة، أقل من مفسدة ترك حزب النور المشاركة في العملية الانتخابية”.

الملاحظة المهمة هنا، أن حزب النور السلفي قد استبدل صور المرشحات اللاتي خُضن الانتخابات البرلمانية على قوائمه في انتخابات 2011 بصور “ورود” في ملصقات الدعاية الانتخابية، وقد تكرر الأمر نفسه في انتخابات 2015، مما يشي بصعوبة تغير وجهة نظر الدعوة للدور السياسي للمرأة في المستقبل القريب.

خامساً: السياسة الخارجية

من المتوقع أن تحافظ الدعوة السلفية بالإسكندرية، على الأطر العامة الحاكمة لرؤيتها التقليدية فيما يخص السياسة الخارجية، إذ ستبقي الدعوة على معارضتها الصريحة للنظام الإيراني المُؤسَّس على مبدأ ولاية الفقيه الشيعي، فيما ستحافظ الدعوة على علاقتها الوطيدة بالمملكة العربية السعودية، وإن ستُصاب ببعض الفتور، تزامناً مع إضعاف دور رجال الدين والإصلاحات المدنية التي تجري الآن في المملكة.

لفهم هذا التوقع ينبغي الرجوع لتاريخ العلاقة بين السلفية والتشيع. ذلك أن الحنابلة كانوا أكثر المذاهب السنية التي دخلت في صراع مع الشيعة الإمامية عبر التاريخ، ويشهد على ذلك ما ورد في المصادر التاريخية التي أسهبت في وصف العداء المستحكم بين الفريقين في بغداد في عصر الخلافة العباسية.

صورة مقربة لابن تيمية
صورة مقربة لابن تيمية

ابن تيمية، كان واحداً من أهم علماء السنة الذين انتقدوا الشيعة في عصره، ويكفي أنه كتب كتاباً كاملاً في مهاجمتهم، وهو المعروف باسم “منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية”.

جهود ابن تيمية لم تقتصر على الجانب النظري العلمي، بل تخطت ذلك لتصل إلى الجانب العملي التطبيقي، إذ رفع شيخ الإسلام راية الكفاح ضد المغول الإيلخانيين المتمذهبين بالمذهب الشيعي الإمامي الاثنا عشري، فشجع سلاطين المماليك السنّة على حربهم، وفي الوقت ذاته حرّض على شن الحملات المتوالية على الشيعة النصيرية في جبال كسروان بلبنان في بدايات القرن الثامن الهجري.

الخلاف السلفي-الشيعي، تزايد في فترة الصراع بين العثمانيين السنّة والصفويين الشيعة، حتى صار كره الشيعة أحد ثوابت الجماعات السلفية بمختلف توجهاتها، الأمر الذي يظهر فيما ذكره الشيخ ياسر برهامي على موقع “أنا السلفي”:

“عداوة الشيعة لأهل السنّة وكراهيتهم لهم نابعة عن عقيدة لم تتغير عبر التاريخ؛ فهم يُكفِّرون أهل السنة حتى إن تكلموا بخلاف ذلك، فمنهجهم في بعض الأحيان وسلوكهم في كل المرات التي تعرّض فيها المسلمون لبلاء عبر القرون كان إعانة الغازي أيام الصليبيين والتتار، كذلك العصر الحديث في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها”.

شيوخ الدعوة السلفية أعلنوا منذ فترة مبكرة عن رفضهم للثورة الخمينية في إيران في 1979، ورفضوا تسميتها بالإسلامية، وأخرجوا العديد من الكتب التي هاجموا فيها آية الله الخميني واتهموه مراراً بتحريف الإسلام والحيود عن أصوله وثوابته.

هذا العداء اتضح في الموقف السلفي المتشدد الذي قلّل من أهمية المعارك التي شنها حزب الله المدعوم من النظام الإيراني في 2006 ضد الكيان الصهيوني، كما اتضح أيضاً في 2013 عندما وجّه علماء الدعوة السلفية سهام نقدهم لجماعة الإخوان المسلمين بسبب زيارة الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد لمصر.

على الجهة المقابلة، فإن المملكة العربية السعودية تحظى بمقام كريم ومكانة معتبرة في الذهنية السلفية التقليدية، إذ تواترت الأحاديث والروايات التي تؤكد على أفضلية العرب، الأمر الذي عَلَّق عليه ابن تيمية في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم”، فقال:

“وسبب هذا الفضل -والله أعلم- ما اختُّصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم…”.

هذا الاحتفاء التراثي بالعنصر العربي، سيتم تعميقه في العصر الحديث بسبب ارتباط الفكر السلفي المعاصر بشيوخ المملكة العربية السعودية، ولا سيما محمد بن عبد الوهاب التميمي (المتوفى 1206ه).

الدولة السعودية الحديثة، التي قامت على أساس التحالف المنعقد بين أمراء البيت السعودي الحاكم والعلماء المنحدرين من أسرة محمد بن عبد الوهاب، كانت هي الحليف الأول للسلفيين المصريين عموماً، وسلفيو الدعوة بالإسكندرية على وجه الخصوص، بسبب اتفاق المذهب والعقيدة، ومن ثَمَّ لم يكن من الغريب أن يتلقّى شيوخ الدعوة السلفية دروسهم المبكرة على يد علماء السعودية البارزين من أمثال “ابن باز”، و”ابن عثيمين”، وغيرهم من كبار علماء السلفية المعاصرين.

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى