ثقافة وفن

الدين على الشاشة الكبيرة..من السينما الأخلاقية إلى التوظيف السياسي

 

هذا الرجل قد يصبح متبرعًا شعبيًّا سِريًّا بالخلايا المنوية للنساء، أو يحبسهن في خيالاته الجنسية، وقد يكون نصابًا مزورًا، ويمكنه ارتكاب مذابح ويتعافى من تطرفه، وقد يعمل لصالح السلطة وضدها أو يقف في موقف المتفرج السلبي. هناك خيوط واهية تربط بين هذه التنويعات السينمائية لصورة المتدين ورجل الدين بتطورات المجتمع وصناعة السينما.

مرحلة الاكتشافات المثالية

لم يستغرق رواد صناعة السينما في مصر فترة طويلة للتعرف على خطوط التماس الدينية الساخنة، ربما كان أولها وأشهرها في عام 1926 عندما وقف الأزهر أمام مشروع فيلم “حب الأمير” من بطولة يوسف وهبي وإخراج وداد عرفي وإنتاج شركة “ماركوس وستيجر” الفرنسية، لتَضمُّنِه تجسيدًا لشخص الرسول الكريم محمد (ص).

مرة أخرى عام 1929 كتب شيخ الأزهر إلى وزير الداخلية (حين كانت الرقابة على السينما تتبع الوزارة) يلفت النظر إلى فيلم سينمائي سيُعرض قريبًا في دار سينما بالقاهرة، يتعارض مع الدين الإسلامي لتعرضه لحياة الرسول. وفي نفس العام نشرت جريدة “لاريفورم” عن اعتراض الجالية اليهودية على فيلم عُرِض في دار سينما بالإسكندرية واستجابت الرقابة وأوقفت عرضه.

ضريبة اختراق الخطوط

بوستر فيلم ليلى

هكذا تعلّم السينمائيون تكلفة اختراق الخطوط الدينية قبل حتى أن تنطق أفلامهم، لكن المكون الأجنبي في الصناعة الناشئة كان يدعو المحافظين للتشكك، وفي بعض الأحيان يبدو أن هذه الشكوك أصابت محلها، مثل حالة فيلم “ليلى” (عنوان أوّلي “نداء الله”) الذي يعتبره الناقد أحمد الحضري أول فيلم مصري روائي طويل.

وفي كتابه “موسوعة السينما في مصر” يحكي الحضري عن النسخة الأولى للفيلم على يد المخرج والممثل التركي وداد عرفي، وأدى عدم نجاح هذه النسخة لتراشق بين فريق العمل، كشف خلاله الممثل أحمد جلال عن وقوع المخرج في أخطاء فادحة خلال تصوير الطقوس الدينية، مثل أنه جعل المصلين يصلون والمؤذن واقف بينهم يؤذن، أو فتاة بدوية تسجد أمام تمثال أبو الهول وتناجيه. وفي 3 مواضع بكتابه، يذكر الحضري أن وداد عرفي أخفى ديانته اليهودية خلال إنتاج الفيلم وبعده لمدة 3 سنوات.

تدريجيًّا، تعلم السينمائيون أنه لا مدخل لتناول الدين دون تناول سليم لطقوسه. وليس غريبًا أن يكون الفيلم المرجعي في هذا هو “العزيمة” (1939) الذي يُعتبر بداية تيار الواقعية في الأفلام المصرية، وكان يحمل اسم “في الحارة” بالنسخة الأولى للسيناريو.

يبدأ الفيلم بصوت الأذان في الحارة ثم أهلها وهم يغادرون المسجد إلى أشغالهم اليومية. ولهذا لم يكن غريبًا الصراع الذي دار في كواليس الفيلم بين مخرجه كمال سليم، والمخرج الألماني فريتز كرامب، المدير الفني لـ”ستوديو مصر” الذي أوصى برفض مشروع الفيلم منذ البداية مع توجسه لرياح التغيير في الصناعة، إلا أن الفيلم حقق نجاحًا كبيرًا على المستويين النقدي والتجاري.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُقدم بها الأذان في الأفلام المصرية، سبقها ظهور الأذان كاملاً بصوت كارم محمود في فيلم “ياقوت” (1934) ولمدة تقارب الدقيقتين يعرض الفيلم التفاعل التقليدي لأشخاص الحارة وترديدهم للأذان، بمن فيهم بطل الفيلم الممثل نجيب الريحاني، مسيحي الديانة.

مشهد الأذان من فيلم "ياقوت"

 

تمكن الإشارة إلى بدء توظيف معالم التدين دراميًّا في أدوار رئيسة بفيلم “سلّامة” (1945) للمخرج توجو مزراحي، وفيه يحيى شاهين بدور التقي الورع “عبد الرحمن الجَسّ” الذي يأتي مشهده التقديمي من داخل المسجد كقيادة اجتماعية تتمتع بالتبجيل، لكن يدفعه حبه للجارية سلّامة (أم كلثوم) إلى التطوع في الجيش الأموي، ثم يموت دون الوصول إلى حبيبته، في نهاية تراجيدية ملحمية تحافظ على طهر نموذج الشخصية الأقرب للرهبنة (أم كلثوم كعامل إغواء مربك).

الموت نتيجة حتمية بين أحضان الحبيبة في "سلّامة"

 

يظل أبرع استخدام درامي لسمات المتدين بتلك الفترة، هو الظهور الوجيز للشيخ الذي يتطوع بلوم “غبريال أفندي” على شراء ورقة اللوتارية “الملعونة” على حد وصفه، وهو التدخل الذي يوفر نهاية سعيدة إضافية لفيلم “أبو حلموس” (1947)، حيث يعيد “غبريال” ورقة اللوترية إلى شحاتة أفندي (نجيب الريحاني) دون أن يدري أنها رابحة، رغم محاولات الأخير إخباره، ليلعب الشيخ هنا دورًا مركبًا يحمل مفارقة كإحدى طرق الله الغامضة في توزيع أرزاقه.

قد تؤدي نصيحة الشيخ الصادقة إلى الفقر (أبوحلموس)

أختي لويزا

لم تكن الحدود الدينية تحمل نفس الخشونة لغير المسلمين، أو هكذا غامر حسين صدقي بفيلمه “ليلة القدر” (تغير العنوان إلى “الشيخ حسن”). وقد أثار الفيلم غضب المسيحيين المصريين قبل عرضه، لكنه عُرض بالفعل لمدة 3 أيام في مارس/آذار 1952، ثم منعت الرقابة عرضه لأنه “يثير الفتن بين أبناء الشعب المصري”، وخاض صدقي صراعًا قضائيًّا لعرض الفيلم، ليمنعه الرئيس محمد نجيب بنفسه حرصًا على الشعور العام، وبناءً على شكوى المركز الكاثوليكي المصري، وفي النهاية عُرض الفيلم في 1954 بعد تعديلات.

يمكن التوصل إلى خلاصة الاعتراضات المسيحية على الفيلم في عدم توازنه، ففيه قدم صدقي نموذجًا لرجل الدين الجنتلمان الأزهري المثقف، ومرة أخرى يدفع الحب أحد الأتقياء خارج مساره المستقيم، فهو يحب “لويزا” (ليلى فوزي) التي تنتمي إلى عائلة مسيحية ثرية، ويتزوج بها رغمًا عن عائلتها، ليشتعل صراع ينتهي بوفاتها هي هذه المرة، وهي دراما أشبه بقضايا “أختي كاميليا” المعاصرة.

أيضًا وضع الفيلم ثقلاً كبيرًا بكفة الشيخ في مقابلات اجتماعية عديدة؛ صلابة إيمانه أمام تهتك عائلة “لويزا”، مرجعيته الشعبية وأصولهم الأوروبية الواضحة، سماحته وتعصبهم.

الجنتلمان الأزهري في اللقاء الأول مع لويزا

مرحلة الاشتباك الاجتماعي

ما زلنا مع حسين صدقي الذي تمتع بميزة تفضيلية مع مشروعه لتقديم سينما أخلاقية متوافقة مع مبادئ الإسلام، ولهذا كان له السبق في محاولات تقديم نماذج عصرية لرجل الدين، ومنها فيلم “معركة الحياة” (1950) الذي يبدو فيه رجل الدين صاحب مواقف اجتماعية كمحامٍ متدين مدافع عن حقوق العمال.

وفي عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، تأثرت السينما المصرية كغيرها بموجات الأفكار الاجتماعية، وهو ما ظهر في الأفلام الأولى ليوسف شاهين التي وُظِّف فيها المتدين كإحدى قوى التهدئة والإنقاذ في مواجهة الحداثة وتوحش الرأسمالية.

وهو تصوير كلاسيكي أنتجته هوليوود التي تأثر بها شاهين بشدة في بداياته. في فيلمه “ابن النيل” (1951) يعاود يحيى شاهين الظهور بدور المتدين، هذه المرة يخوض رحلته لإنقاذ شقيقه الذي اختطفته أضواء المدينة وهضمته في أمعائها الفاسدة (كنشاط جانبي يمكن البدء في عد أدوار يحيى الدينية، خاصة أنه سيقدم أيضًا دور البطولة في “بلال مؤذن الرسول”).

ثم في فيلم “صراع في الوادي” (1953) يقدم المخرج شخصية أكثر تركيبًا للمتدين، من خلال ناظر الزراعة الذي يقوم بدوره عبد الوارث عسر، وهو متدين ساذج يبذل محاولات إصلاحية بين الفلاحين كقوة إنتاجية صاعدة، وبين الباشا الإقطاعي. وعلى امتداد خط درامي موازٍ، كانت هذه الشخصية لتصبح كوميدية أو منحازة أكثر إلى الشر التقليدي.

ولكن في عالم شاهين “الهوليوودي” الجذاب، يحيك الباشا مؤامرة لاتهام ناظر الزراعة بقتل كبير إحدى عائلات الفلاحين، بل إن سرقة سلاح الجريمة الخاص به تحدث خلال استعداده لصلاة المغرب، ليتصاعد الصراع بمنحى شخصي رومانسي بين ابنه (عمر الشريف) وابنة الباشا (فاتن حمامة)، فيُعدم ناظر الزراعة، ليصبح سابقة أولى ونادرة في إعدام بريء.

بريء السينما المصرية في خدمة الباشا

الشيخ “باراسيتامول”

المتغير التالي كان محليًّا يتبع التوجهات الاجتماعية للسلطة الجديدة بعد 1952، والتي كان الدين مكونًا رسميًّا احتكرته لنفسها. ومجددًا يبرز يحيى شاهين دور رجل الدين كعامل تهدئة اجتماعية في “جعلوني مجرمًا” (1954) وهو كما ذكرت دعايته مأخوذ عن قصة حقيقية، يناقش عبرها دور البيئة في إعادة إنتاج السلوك الإجرامي.

يقدم فريد شوقي دور “سلطان” خريج إصلاحية الأحداث، والذي يسعى للتوبة، لكن تحاصره الظروف السيئة في حين يحاول صديقه الشيخ الأزهري حسن أن ينقذه.

مشهد النهاية يأتي بعد اندفاع “سلطان” لارتكاب أول جريمة قتل، فيحاول الاختباء في المسجد، وبينما تحاصره الشرطة، يتكفل الشيخ بتهدئته وإقناعه بالاستسلام.

المتدين كمعالج موضعي ضد الالتهابات الاجتماعية

 

تمتلئ أفلام الخمسينات والستينات بنماذج مشابهة للمتدين العضوي الذي لا تتخطى قدراته الكلام العاجز، فهو أداة درامية عابرة في أفلام “توبة” (1958) و”رنة الخلخال” (1955) و”اللص والكلاب” (1962) و”شيء من الخوف” (1969)، ولم يحدث أن تقاطعت أنشطته مع النظام العام، ولم يظهر عليه أي انتماء سياسي رغم مرور 3 موجات تصادم مع جماعة الإخوان المسلمين حتى هزيمة 1967.

خلال تلك الفترة بدأ في التخمر نموذج جديد للمتدين العاجز والمنعزل، مثل حارس عوامة ملذات “ثرثرة فوق النيل” (1971) الذي يقضي وقته في الصلاة متعمدًا تجاهل زوار العوامة، ثم يقرر فك حبال العوامة ليتركها لمصيرها في عمق النهر بالنهاية.

وربما كان هذا مصدرًا مبكرًا للقطات هامشية متكررة في أفلام المخرج عاطف الطيب، خلال الثمانينات والتسعينات؛ أن يظهر المتدينون السلفيون بمظهرهم المميز في خلفية المشهد، أو بلقطة عابرة وهم يراقبون أزمات الأبطال في أثناء تصادمهم مع المجتمع والسلطة.

قد يكون غرض الطيب هو إشارات تحذيرية مستمرة من خطر السلفيين، كما اعتادت السينما التي عاصرها، لكن المخرج المعروف بتحريضه الاجتماعي ربما أيضًا كان يشير إلى طاقة الدين المهدرة على الشكليات. يتفق هذا مع تقديم الطيب شخصية المتدين الحداثي في فيلم “أبناء وقتلة” (1987) ومقتله في النهاية بلا ذنب نتيجة صراعات تاريخية شخصية .

إلى ماذا ينظر المشاهد السلفي؟

مرحلة التفكيك الهجومي

لا توجد فواصل حادة لتطورات الأفكار، لهذا نجد بوادر التفكيك في قصة السقوط المحتم للمتدين الريفي “إمام” (شكري سرحان) أمام سطوة الإغراء الجنسي للمعلمة “شفاعات” (تحية كاريوكا) في فيلم “شباب امرأة” (1956).

المخرج نفسه، صلاح أبو سيف، قدم في “الزوجة الثانية” (1967) شخصية المتدين المسوّغ لسلطة العمدة خلال استيلائه على امرأة الفلاح الأجير، وبنفس المشهد تظهر السلطة وهي تقهر المأذون ممثل الدين الرسمي لتنفيذ المخطط، ثم عاد لتقديم المتدين الساذج كضحية للجهل في “البداية” (1986).

وأولي الأمر منكم

 

يحيى شاهين متدين آخر يتعرض لأزمة أعمق في فيلم “الأرض” (1970) عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي. “الشيخ حسونة” هو أزهري صلب تتطلع إليه القرية لمساعدتها في مواجهة مخطط إقطاعي لشق طريق يلتهم أراضيهم، ومع احتدام المواجهة يُضطر إلى التراجع منقذًا أرضه وتاركًا الفلاحين لمصيرهم.

سعد عرفة.. سَبَقَ عصرَه

في السبعينات كان السينمائيون منشغلين أكثر بمراجعة الإرث الناصري ومواكبة التيارات السينمائية العالمية، لهذا كان المخرج سعد عرفة سبّاقًا في اشتباكه الهجومي مع شخصية المتطرف بفيلم “غرباء” (1973).

ويعبر الفيلم عن حيرة الشابة “نادية” (سعاد حسني) بين 3 رجال يعبرون عن قيم العقل والغريزة والدين، أو ربما هكذا كان سيناريو الفيلم الذي كتبه رأفت الميهي، لكن الصورة النهائية للفيلم ركزت على صراع البطلة مع القيمة الثالثة: شكري سرحان الذي يعود بعد 17 سنة لتقديم نفس دور سقوط المتدين في إغواء جارته (عزيزة راشد).

لكنه هنا متشدد يحاصر شقيقته نادية. رحلة سقوطه كانت نتيجة ومفاجأة متوقعة منذ المشهد الأول، ومعالم التناقض والتعصب في شخصيته ستصبح هي الصورة الرسمية والسطحية للمتطرف خلال العقود التالية.

صعود المتطرف إلى هاوية الجنس

 

ويقدم الفيلم نموذجًا مقابلاً للمتدين الوسطي، وهو الشيخ الصوفي الغامض الذي يبرز دائمًا في اللحظة المناسبة لإنقاذ المتطرف. رغم هذه المعادلة، ومع كون الفيلم من إنتاج “المؤسسة العامة للسينما”، مُنِع الفيلم من العرض في مصر تحت مبرر أنه “يدور في نطاق فلسفي قد يؤدي إلى إلحاد بعض من ليس لديهم إيمان قوي بالله”.

ولا تمكن مغادرة أفلام عرفة من دون المرور على فيلم أقل شهرة، وهو “الملائكة لا تسكن الأرض” (1987) وفيه قدم ممدوح عبد العليم دور شاب يتمزق بين الرغبة في ممارسة حياته الطبيعية (علاقة حب غير حسية مع بوسي) والقواعد المتشددة التي يضعها له والده القاسي الذي يعيش حياة سرية ماجنة، وشيخه السلفي المتعصب.

مرة أخرى يسبق عرفة عصره بكسر أسطورة سطوة رجل الدين، فعندما يتصاعد تشدد الشيخ ويصفع البطل وهو يقرّعه بسبب اعترافه بمعصية تافهة، بكل بساطة، يرد البطل الصفعة ويهينه، وبنهاية الفيلم يحاول الشيخ تكفير الشاب والانتقام منه، فتتدخل الشرطة، وهو الحل السحري الذي سيتجاوزه معظم الأفلام التالية خلال رحلة التماهي مع السلطة.

الحل السحري لمعالجة الشيخ المتطرف

 

النموذج الأخير في مرحلة التفكيك، هو الشيخ الشعبي في الأجواء القروية، والذي عبر عنه محمود عبد العزيز في “الحدق يفهم” (1986) عندما ينتحل قاطع الطريق دور شيخ ليمارس دوره كزعامة روحية شعبية، وتلمح له نساء القرية إلى أنه بإمكانه مساعدتهن على الحمل والإنجاب بوسائله الخاصة، ويُفهم من الحوار أن هذا دور معتاد له (الحدق يفهم حرفيًّا).

ما تعرفه نساء القرية ولا يعرفه الشيخ المزيف عن طرق الحمل

مرحلة الانحياز السياسي

فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، شهدت ذروة الصراع بين الدولة والتنظيمات الإرهابية؛ جيل السينمائيين المعاصر شهد بنفسه مواجهات عنيفة مع المتطرفين في الجامعات خلال السبعينات، وحمل معه هذه المرارة إلى الأفلام.

لم تخرج صور المتدينين التالية عن النموذج الذي وضعه سعد عرفة في “الملائكة”، وتتلخص معالمه في الشهوانية والتناقض، ولا توجد رحلة لاكتشاف المتطرف لنفسه، فهو غالبًا يدرك عمق فساده من البداية ويديره لمصلحته.

في فيلم “الإرهابي” (1994) يخوض عادل إمام رحلة تطهرية من الإرهاب للتسامح، بعد فترة عاش فيها بمنزل عائلة ليبرالية، وبفضل المؤلف، لينين الرملي، تأتي لحظة تحوله الكبرى عندما يجد نفسه في أحضان الجار المسيحي، بعد إحراز حسام حسن لهدفه الثاني في مبارة المنتخب المصري ضد زيمبابوي.

هدف حسام حسن في مرمى زمبابوي والتطرف

كان وحيد حامد هو المؤلف الأبرز بهذه المرحلة، لكن له أيضًا تجربة تشريح لأصول شخصية الإرهابي “ريشة” في فيلم “دم الغزال” (2005)، وهو الذي دفعه التهميش الاجتماعي إلى السعي للانضمام إلى جماعة إرهابية، ويندفع لفرض الأحكام العرفية الدينية على أهل منطقته، وينتقم من غريمه القديم في حب بنت الحارة، وعندما يعجز عن الوصول إليها يعود بتلقائية لإفراغ غضبه وشهوته في صديقته القديمة: الراقصة التي منعها بسلطته الدينية من العمل.

الحارة تنام من المغرب بأمر الشيخ ريشة

نماذج جديدة معاصرة

مرت المياه تحت الجسور بذات الاتجاه وعكسه. انحسر إرهاب التسعينات، غاص المتطرفون في أعماق الريف وعشوائيات المدن، ظهرت نماذج أقل حدة للإسلام السياسي، وصل الإسلاميون للحكم بعد الثورة ونُزع منهم المُلك، عاد الإرهاب على نحو أكثر خطورة، ونشطت السينما في استكشاف نماذج حديثة معاصرة.

في “شيخ جاكسون” (2017) للمخرج عمرو سلامة، عبر أحمد الفيشاوي عن حنين شاب سلفي إلى حب المراهقة، وولعه القديم بموسيقى مايكل جاكسون.

تميز الفيلم بجرأته في تقديم السلفي دون أحكام مسبقة، مع ما في عالمه من غرائب بالنسبة إلى المشاهدين، ومعالجة موجات الحيرة والخيالات التي كانت تصيبه حتى في وقت الصلاة. كان من المتوقع أن ينال الفيلم هجوم المتشددين دينيًّا وخصومهم بعد أنسنة الشخصية السلفية، لكن هذا لم يحدث لأنه لم يعتنق مواقف أي من الطرفين، مفضلاً الدقة في تقديم تفاصيل وطقوس الشخصية.

الشيطان دكر ولا نتاية؟

وجبة إبراهيم عيسى

مع الانكماش المتوالي في الإنتاج السينمائي، وتبني القائمين على صناعة الترفيه والإعلام خطابًا دينيًّا مضادًّا للمتطرفين، أصبح تناول شخصية المتدين مخاطرة غير مضمونة العواقب، خاصة أيضًا مع احتقان مشاعر الجمهور نفسه تجاه المشهد كله، لهذا نجح الكاتب إبراهيم عيسى في المرور بفيلمين قدم فيهما رؤية مركّبة لشخصية المتدين.

في “مولانا” (2017) المأخوذ عن رواية لعيسى بسيناريو المخرج مجدي أحمد علي، اقتبس عيسى جزءًا من صوته هو شخصيًّا، كحكّاء شعبي، وزرعه في شخصية رجل الدين الأزهري نجم القنوات، الذي يخوض لعبة خطرة مع رأس المال المتطرف، وإغواء الأجهزة الأمنية، والتبشير والتشيع والتسلف خلال الفترة المباركية.

شاهد مولانا في خدمة المعلنين وربما الدين

 

في الفيلم الثاني “الضيف” (2019)، تكفل الممثل خالد الصاوي بترجمة ملامح إبراهيم عيسى نفسه على الشاشة، بشخصية مثقف أشبه بفرج فودة أو نصر حامد أبو زيد، يواجه التطرف الشعبي والرسمي على حد سواء، ثم بلقائه مع نموذج المتطرف بحقبة ما بعد الثورة، وهو شاب من طبقة عليا تلقى تعليمًا ممتازًا، يتسلل إلى بيت المثقف كعريس مرتقب لابنته، ويخطط لقتله.

على موائد العشاء والشاي، يكتظ الفيلم بمحاورات دينية معقدة، مقصود بها تفكيك خطاب الشاب المتطرف. ويمر المثقف بمأزق حواري وحيد بكشف انتمائه السابق إلى جماعة متطرفة، ثم تعاونه مع الأجهزة الأمنية الذي أدى إلى كشف أحد رفاقه السابقين الخطرين وصولاً إلى قتله.

أنا الدكتور إبراهيم عيسى

من يمتلك دين السينما؟

انتبه الجمهور مؤخرًا إلى ما في داخل صناعة السينما، حيث صار الجمهور يفهم جيدًا أن شخصيات المتدين ورجال الدين في السينما غالبًا لا تعبر عن الحقيقة، وأن هناك تطورات اجتماعية يمكن ربطها بتصورات السينمائيين عن الدين وظواهره، من مواقعهم كمتأملين في المجال الشعبي العام، أكثر من ممارسة الحياة فيه يوميًّا.

لهذا يدور الحوار في الأوساط المهتمة بموضوع الدين في السينما، إلى ملكية الأفلام، فبينما يظن الجمهور أنه هو المالك الحقيقي للفيلم، فإن ملكية الفيلم المادية تكون للمنتِج، ومعنويًّا للمخرج، وبمشاركة المؤلف أحيانًا.

يتداخل الجمهور مع هذه الحقيقة الصادمة عندما تتحول الأفلام إلى كلاسيكيات فولكلورية،  مثلما يحدث الآن في تطوير الميمات لحظيًّا في وسائط التواصل الاجتماعي. وهناك وسيلة واحدة للتأثير في عملية إنتاج الفيلم، وهي أن يكون الجمهور فاعلاً في شباك التذاكر، بقدر يجبر الصناع على وضعه دائمًا في المعادلة.

وتمكن ملاحظة مدى حرص صناع الأفلام على مشاعر الجمهور في العصر الذهبي للسينما المصرية، بعد الحرب العالمية الثانية وحتى 1954.

لكن في بداية الستينات، دخلت الدولة في مجال صناعة السينما وسيطرت عليه، فأصبح السينمائيون أكثر جرأة وتجريبًا وأقل اكتراثًا برأي الجمهور، ثم اضطر السينمائيون إلى استعادة الجمهور بصيغة “السينما النظيفة” ضمن عملية إدماج ضخمة للجمهور في أسواق العالم العربي، لكن في الآونة الأخيرة أصبح الأمر يدور في النهاية وفقًا لمبدأ كل ما يحدث على الشاشة هو مجرد فيلم ضمن معادلة “دعني أخدعك.. دعني أنخدع”.

 

 

محمد حسين

باحث في صناعة السينما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى