الدِّين والفُلكُلور

عبدالرحيم طايع

كاتب مصري

قال لي صديق نابه في أثناء جلسة ثقافية عامرة في نهايات العام الماضي: خلال عشرين عامًا من الآن، وربما أقل، سوف يصبح الدِّين فلكلورًا لا أكثر!

لم يصدمني معنى العبارة في الحقيقة على خطورته؛ فقد كنت على الدوام واحدًا ممن يستشرفون المستقبل، وما صدمني حقًّا -وقتئذ- شعوري الأكيد بأن الأمر يوشك أن يبدأ فعليًّا، لكن كأنني كنت غافلًا عن مثل هذا حتى نبهني هذا الصديق للأمر، وجعلني أتوقع شكل الآتي محاولًا رسم خريطة واقعية له في ضوء الحقيقة الجديدة: الدِّين الفُلكُلوري!

الدِّين لغةً: ما يتديَّن به الإنسان، أي ما يتَّخذه دِينًا (فقهية) والجمع أديان.

الفُلكُلور لغةً: تراثٌ شعبيٌّ؛ مجموع التقاليد الشعبيَّة والعادات الخاصَّة بثقافة بلدٍ ما وحضارته.. فُلْكلور شعبيّ/ تراثيّ/ غنائيّ. باختصار هو مرآة عادات الشُّعوب.

حاصل التعريفين أن الدِّين لا يكون فُلكُلورا بتَّة، والفلكلور لا يكون دينًا بالمرَّة. فكيف نطق الصديق إذن بما نطق به؟! وكيف استوعبته أنا مباشرة وحيَّرتني تفاصيله فحسب؟!

في الواقع هذا هو حاصل التعريفين ظاهريًّا، لكن في العمق يبرز معنى اتصالهما بروزًا هائلًا؛ ففي الدِّين شيء كثير من روح الفُلكُور، وفي الفُلكُلور شيء كثير من روح الدِّين، وكلاهما موروثان، والناس يؤمنون بالدِّين أو يكفرون به وكذلك بالفُلكُلور، ويعتمدون طريقة الحكي في عرضهما، ونتيجة الحكي واحدة في الحالين، إمَّا سماعٌ تليه عِظَةٌ، وإمَّا سماعُ مستهتر لا يتَّعظ صاحبه بما يقال له.

من حقِّ المتوجِّس شرًّا أن يسأل هنا بارتياب: هل ينقص البُعْد الفُلكُلوريُّ من مهابة الدِّين ويناقض أخرويته أيضًا؟ هل يجعله أرضيًّا وهو السَّماويُّ؟ هل يدنِّس قدسيته؟ وهل يدفع النَّاس إلى إهدار بعضه أو تخطيئه أو ما شابه، معاذ الله، كما يعاملون آثار الأجداد أحيانًا؟

أقول: إن العبقرية الحقيقية للدِّين تكمن في مناسبته للأحوال البشرية، وقد نزل من السَّماء إلى الأرض نزولًا فعليًّا قديمًا، تم التعبير عنه بهذا اللفظ بالذات “نزول”، وهو ما يعني انفصاله عن عليائه واتصاله بالواقع التحتي المعاش؛ ليرتب فوضى الأرض ويحلُّ عقدها ويناقش أزماتها، على مقاس الأفهام الإنسانية، ولا يعني الانفصال المشار إليه تحلُّله من قداسته أو تدنِّيه، لا سمح الله، لكن يعني قدرته على التفاعل في جوٍّ ليس نقيًّا ولا طهورًا، أي خلاف الجوِّ الذي كانت القدرة الإلهية أنتجته فيه أصلًا. لدينا مقولات سائدة بشأن الدِّين، أساسها صلاحيته لكلِّ زمان ومكان، لكن لدينا قراءات مغايرة ممتازة لا تعترف بهذه المقولات على علَّاتها، إنَّما تقف منها موقفًا فاحصًا ناقدًا يثبت، بمنطق آخر جديد، تهافت الآراء فيها وعدم صمودها أمام المتغيرات الحادثة في الأكوان، وفي الوقت نفسه لا ينفي أصحاب هذه المواقف عظمة الدِّين ولا أهميّة الإيمان بفيوضاته، بل كأنهم يلفتون الأنظار إلى جانب خفيٍّ مهمٍّ يجب ألا تغفل عنه الأعين، ويفلسفون المسألة القلبية، ويضيئون الطريق المظلم الذي يعتمد عليه الناس في استدلالاتهم ويمنحونه قوَّةً وغنًى؛ لأنه ضعيفٌ وفقير الأدوات. في الإسلام، مثلا، النبي الكريم نفسه -صلى الله عليه وسلم- قال: أنتم أعلم بشئون دنياكم. وفي الحديث ما فيه من الانتصار لحرية الخلق في إدارة شئونهم الأرضية بما ينفعهم ويعزِّز علاقاتهم ويخدم مصالحهم، برعاية الدِّين طبعًا، لكن بعيدًا عن الإحساس بسلطويته الزائدة ورقابته الصارمة التي تسقط معها الإرادة الإنسانية سقوطًا يجرِّد الاختبار الإلهي نفسه من الرحمة والمدد. وقد كان البشري الموحى إليه من ربِّه -صلى الله عليه وسلم- محضوضًا على أن يأمر بالعُرْف: “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ”، والعُرْف أي المعروف (خلاف المُنْكَر)، لكن يهمُّني المعنى في الاصطلاح الفقهي بالذَّات: عادةُ جمهورِ قومٍ في قولٍ أو عمل. وأظنُّ الفُلكُلور أجلى عادات الأقوال والأعمال بين الناس (جمع عُرْف: عَرُوف وأَعْرَف وعَرْفَاء وأَعْرَاف).

أما الصحابيُّ الجبار الباهر “عمر بن الخطاب” -رضي الله عنه وأرضاه- فضرب مثلًا عظيمًا في الخضوع للشريعة مع إعمال للعقل، وليس الخضوع المنسحق المعاب، فعطَّل حدَّ السرقة في عام الرَّمادة في زمن خلافته، غير خائف من الملامة ولا هيَّاب لما قد يقوله متعصِّبٌ أو مجنونٌ، وقبل ذلك أبى الامتثال للحجر الأسود في الحجِّ إلَّا أن يخاطب جمادية الحجر، بشموخٍ المتخلِّص من الوثنية والشِّرك، كمن يستنطقه الأسرار، معلنًا صوته العقليَّ الخاصَّ الخالص وحيوية رتبته الآدميَّة أمام صمت الحجر وجموده، قائلًا: والله إنِّي لأعلمُ أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أنِّي رأيت رسولَ اللهِ يقبِّلُك ما قبَّلْتُك!.

أيضًا لا يعني أن يصير الدِّين فُلكُلورًا أنه سيصير قصصًا جوفاء، قد يخطر مثل هذا الخاطر المزعج لكثيرين من الناس، ويستقرُّ في بالهم، مسبِّبًا لهم قلقًا وشعورًا بتأنيب الضمائر، فالفُلكُلور أصلًا ليس قصصًا جوفاء، إنَّما يعني الأمر، في أدق تفاصيله، أن تتخلَّص المجاميع الحاشدة المتديِّنة بدِينٍ، أيًّا كان، من هالةِ رعبٍ تحيط بفكرة الدِّين، أعني من ضغط الرِّفعة الدينية بكل جمالها وجلالها عليهم، فتتجه هذه المجاميع نحو الدَّعَة والسَّلاسة في عرض القضايا المرتبطة بالقيم الدينية، أي مثلما يقرءون حكمةً من الحكم الموروثة ومثلًا من الأمثال المنقولة عبر الأجيال، ولعمري إن هذا تخفيفٌ لا استهانة، وفعلٌ رشيدٌ لو تمَّ تطبيقه بصورة الحرص على الدِّين لا إزاحته، وكما لو كان توفيقًا ألمعيًّا محمودًا بين السُّموِّ الدِّينيِّ والتطلعات البشرية التي غالبًا ما تعجز عن أن تتَّسم بالسُّموِّ نفسه، في سعيها إلى بلوغ الأهداف، فيحدث الارتباك المشين!

الدِّين بالأساس أنزله الله تعالى بسيطًا على قلوب أنبيائه وأوليائه، ومع الوقت لم يعد كذلك، ظل الفُلكُلور بسيطًا، لكن الدِّين عقَّدته المصالح وتصورات الأتباع وتطوُّرات الأحداث وتغيُّراتها، وجعله غامضًا ربطُهُ الصَّارم بالغيوب، وصيَّره بعيدَ المنالِ سموقُهُ العظيم شاسعُ المسافات، ونحن نرى عيانًا بيانًا أن حباله جرّتَ ألوفًا ناحية التَّشدُّد المقيت والتفاسير العسيرة، وجرَّت آخرين ناحية التفريط المهين، وأما من بقوا على هيئة الاستقامة والاعتدال، بفِطَرٍ سليمة، بين النقيضين، وهم الأكثرية بحمد الله تعالى، فهم الأقرب لفكرة امتزاج الدِّين بالفُلكُلور وإرشاد الأرواح بخليطهما الفذِّ مستقبلا.

أخيرًا، أرجو ألا يَقَرَّ في النفوس أنَّ معنى هذا تعليبُ الدِّين، إنَّما بالعكس معناه تحريره!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram