دراسات وتحليلات

“الذئاب المنفردة”.. كيف يتجه العسكريون في الولايات المتحدة إلى الإرهاب؟

كوابيس مستمرة وقلق لا زال يلاحق العالم على يد “الإرهابيين المنفردين” أو “الذئاب المنفردة” كما يُطلق عليهم، فقد صاروا يتجولون بين الجميع كالقنابل الموقوتة لا يعلم أحد متى ستظهر ومتى ستنفجر ومنْ ستستهدف، لتعيد بذلك إحياء الأمل في نفوس التنظيمات الإرهابية وتمنحها قبلة الحياة مُجددًا، بعد أن أصبح الفرد الواحد قادرًا على شن عمليات يتطلب تنفيذها فريقًا كاملًا وتُحدِث أثرًا يُعادل كثيرًا من تأثيرات الجماعات المنظمة، لتحوِّل الكل إلى متهم ومُستهدف في الوقت ذاته بنيرانهم.

في مواجهة تلك الذئاب، تطلب الأمر البحث في مسارهم منذ البداية حتى النهاية، وهو ما خاضه بالفعل عدد من الباحثين في مجال الإرهاب عبر دراستهم: “تحليل نوعي للذئاب المنفردة الجهادية بين العسكريين والمدنيين”، المنشورة بمجلة Studies in Conflict & Terrorism، محاولين سبر رحلة هؤلاء الإرهابين، والتمييز بين العناصر الإرهابية المدنية وتلك ذات الخلفية العسكرية، الأمر الذي لم يتطرق له إلا القليل من الدراسات في مجال مكافحة الارهاب.

الذئاب المنفردة: التهديد الأكبر للأمن الأمريكي

على مدار سنوات طويلة، شهدت الولايات المتحدة هجمات إرهابية عدة، ارتبط بعضها بتنظيمات وجماعات إرهابية، والبعض الآخر بإرهابيين منفردين أو (الذئاب المنفردة) التي تأثرت بأفكار ودعايات التنظيمات المتطرفة دون أن تنخرط تحت لوائها.

استمرت عمليات الذئاب المنفردة في التصاعد حول العالم عامةً، والولايات المتحدة خاصةً، حيث وقع على أراضيها 57% من الهجمات الإرهابية التي تم توثيقها في الفترة من 1968 حتى 2010، بواقع 113 هجومًا إرهابيًا من أصل 198.

ورغم أن العمليات الإرهابية الجهادية أو التي اُرتكبت تحت دعوى الجهاد، لم تُشكِّل سوى 10٪ فقط من هذه العمليات بإجمالي 26 من أصل 262 هجومًا إرهابيًا، إلا أنها كانت الأكثر فتكًا حيث بلغ ضحاياها نحو 78٪ من إجمالي ضحايا الهجمات الارهابية.

بالنظر لتلك العمليات الجهادية، نجد أن الأغلبية ارتكبها إرهابيون منفردون أيضًا، بواقع 22 من أصل 26 هجومًا في الفترة من 2001 و2015، وبما يُشكِّل نحو 85% من إجمالي الهجمات الإرهابية بالداخل الأمريكي عن تلك الفترة.

تشير هذه النسبة إلى مدى الخطر الذي يمثله الذئاب المنفردة، وهو الخطر الذي أدركته واشنطن منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، وأولته إدارة الرئيس الأسبق “باراك أوباما” اهتمامًا خاصًا، حينما صرّحت بمدى خطورة هذا النوع من الإرهابيين على الأمن القومي الأمريكي، على لسان “روبرت مولر” مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، الذي أكد أن:

“التهديد الخطير والمستمر للأمن القومي يمثله إرهابيون منفردون متعاطفون مع المنظمات الجهادية مثل القاعدة”

لم يكن هذا التصريح ومثيله تصريحًا عابرًا، بل مؤشر لعزم واشنطن على مواجهة خطر الذئاب المنفردة، وبالفعل على مدار 14 عامًا بعد هجمات 11 سبتمبر، أولت أجهزة مكافحة الإرهاب الأمريكية اهتمامًا خاصًا لهذا النوع من الإرهاب، ونجحت في إحباط العديد من العمليات الإرهابية الجهادية.

والواقع أن عمليات مكافحة الإرهاب، لم تمر مرور الكرام، بل كشفت عن العديد من الاختلافات بين الإرهابيين المنفردين والمنضمين لجماعات إرهابية، بدايةً من دوافع الإرهاب، ووصولًا إلى آليات التخطيط والتنفيذ للهجمات الإرهابية.

فنجد مثلًا أن الذئاب المنفردة عادةً ما يرتبط التطرف لديها بتجارب سابقة من المرض العقلي أو الانعزال عن الآخر أو حتى تجارب عسكرية سابقة، أمّا العناصر المنتمية للتنظيمات الإرهابية، فليس ضروريًا أن تكون مرّت بتلك التجارب.

كذلك توجد اختلافات عدة في الطريقة التي يُنفِّذ بها كلا النوعين هجماته الإرهابية، فالعناصر المنتمية للجماعات الجهادية عادةً ما تعتمد على القنابل بشكل أكبر من الأسلحة النارية، أمّا الذئاب المنفردة فغالبًا ما تعتمد على السكاكين والأسلحة النارية بنسب متساوية تقريبًا.

وعلى عكس المنضمين للتنظيمات الإرهابية، نادرًا ما ينخرط الإرهابيون المنفردون في عمليات تدريبية لاكتساب المهارات العسكرية.

بين الإرهابيين العسكريين والمدنيين

تؤكد هذه الاختلافات الطبيعة غير المتجانسة للعناصر الإرهابية، وضرورة أن تراعي تدابير مكافحة الإرهاب تلك الفروقات.

والواقع أن هذه الاختلافات لا توجد بين الإرهابيين المنفردين والمرتبطين بجماعات وتنظيمات فقط، بل تمتد إلى داخل الإرهابيين المنفردين، حيث يُمكننا التمييز بين الإرهابيين المنفردين المدنيين، والإرهابين المنفردين العسكريين (ذوي التجارب العسكرية).

فقد أثبتت الدراسات الخاصة بمكافحة الإرهاب، وجود العديد من العوامل أو الأسباب التي تدفع هذين النوعين نحو التطرف، حيث يأتي في مقدمتها: العمل والحماس الديني والشعور بالظلم وتنامي النزعة الجهادية.

هذه العوامل وإن كانت منتشرة بشكل كبير بين العناصر الإرهابية، لكن تأثيراتها تتفاوت بين العناصر المدنية والعسكرية، ما يعني أن استراتيجيات مكافحة الإرهاب التي تشمل هذه العناصر، يجب أن تُراعِي التفاوت في انتشار وتأثير تلك العوامل.

لتوضيح الصورة يمكننا الاقتراب أكثر من عالم الذئاب المنفردة بشقيها العسكري والمدني، ولتكن تلك العوامل الأربعة محددًا رئيسيًا للاختلافات بين النوعين:

  1. العمل:

قد تُشكِّل مهنة “الذئب المنفرد” عاملا دافعا نحو التطرف والإرهاب، وينطبق هذا بدرجة أكبر على العناصر الإرهابية ذات الخلفية العسكرية، حيث كشفت الاستخبارات الأمريكية عن الأمر خلال عملها على كشف العناصر الإرهابية بالجيش الأمريكي، موضحة أن الكثير من العسكريين السابقين بالجيش الأمريكي الذين تحوّلوا فيما بعد لعناصر إرهابية وذئاب منفردة، كان عملهم العسكري دافعًا أساسيًا نحو التطرف.

ظهر ذلك –على سبيل المثال- في مراسلات أحد القادة العسكريين المتحولين إلى الإرهاب مع عملاء فيدراليين سريين تنكروا بأنهم عناصر من تنظيم القاعدة، حيث تحدث المسؤول السابق بالجيش الأمريكي عن رغبته في الهروب من الجيش، والانضمام إلى القاعدة وتدريب أفرادها وتنفيذ عمليات جهادية.

لم يتوقف تأثير العمل عند حد كونه أحد أسباب التطرف فقط، لكن امتد أيضًا إلى التأثير على خيارات وتوجهات العناصر الإرهابية المنفردة، حيث أثبتت عمليات مكافحة الإرهاب أن الإرهابيين المدنيين عادة ما يكونوا أكثر رغبة في السفر خارج الولايات المتحدة، لحضور معسكرات تدريب وتعزيز مهاراتهم العسكرية، خلافًا للعسكريين الذين لا يرغبون في السفر للخارج بحكم عملهم وامتلاكهم المهارات اللازمة للجهاد، فضلًا عن صعوبة سفرهم بسبب القيود المرتبطة بطبيعة عملهم العسكري.

  1. الحماس الديني:

خلافًا لمجال العمل، يبدو أن الحماس الديني، أكثر انتشارًا بين الإرهابيين المدنيين وعاملًا رئيسيًا في اتجاههم نحو التطرف، وأقل انتشارًا بين العناصر الإرهابية ذات الخلفية العسكرية، فهذه العناصر عادةً ما تستخدمها كمبرر لتصرفاتها لا دافعًا لها.

تجلى ذلك في حديث الإرهابيين المدنيين عن الارتباط بـ”الأمة الإسلامية”، واستخدامهم كلمات مثل: (التوحيد، والآخرة) لتبرير أعمال العنف، بخلاف الإرهابيين العسكريين، الذين عادةً لا يوجد لديهم الارتباط بالمجتمع الإسلامي أو المسلمين بصفة عامة.

  1. المظلومية:

يشير هذا العامل إلى الشعور بالظلم، وغالبًا ما يكون أكثر انتشارًا بين الإرهابيين العسكريين، مقارنةً بالمدنيين، إذ يشعر العسكريون المسلمون بالتهميش الديني داخل مؤسساتهم وعدم تقدير مجهوداتهم على مدار سنوات عملهم بالجيش الأمريكي، وقد برز ذلك على سبيل المثال في تحقيقات الشرطة مع أحد العسكريين الذي برّر ارتكابه لهجومًا إرهابيًا بأنه نتيجة لعدم تقدير دورهم في أفغانستان.

على الجانب الآخر، نجد أن الظلم الذي يشعر به الإرهابيون المدنيون، عادةً ما يكون نتيجة لنشاطهم الديني وارتباطهم بالمسلمين بصفة عامة، ولا ينبع في معظم الأحيان من ظلم شخصي تعرّضوا له، بل يمكن أن يكون ظلما تعرض له المسلمون بأي مكان، كما هو الحال في الاستيلاء على أراضي المسلمين أو تعرضهم للقتل على أيدي القوات التابعة للدول الغربية.

ترتبط هذه الأحداث بمفهومي المسلم الحقيقي والمسلم الزائف لدى العناصر الإرهابية المدنية، حيث يرون أن المسلم الحقيقي لا يتخذ موقفًا سلبيًا تجاه ما يحيط به من أحداث، بل عليه السعي لتغييرها عبر الجهاد.

  1. تنامي النزعة الجهادية:

ينتج “تنامي النزعة الجهادية” لدى الذئاب المنفردة من التعاليم الراديكالية والمتطرفة بالأساس، وكان الأمر أكثر انتشارًا لدى العسكريين خلافًا للمدنيين، وربما يرجع ذلك إلى ارتفاع نسب التحول للإسلام داخل الطبقة العسكرية، وما يترتب عليه من عدم الإلمام بتعاليم الدين الإسلامي الصحيح.

من أجل تعزيز فهمهم للدين الجديد أجرى العسكريون أبحاثهم الخاصة عن الدين دون الرجوع لأهل الاختصاص، ما جعلهم عُرضة لأفكار المتطرفين البارزين مثل: “أنور العولقي”، القيادي بتنظيم القاعدة، بل والتواصل معهم من أجل فهم طبيعة الدين الجديد.

اختلاف استراتيجيات عمل العسكريين والمدنيين

يبدو واضحًا أن مهنة الشخص وشعوره بالمظلومية وتنامي النزعة الجهادية لديه، هي عوامل أكثر ارتباطًا وانتشارًا بين العسكريين، أمّا الحماس الديني فعادةً ما يرتبط بالإرهابيين المدنيين، فهو بالنسبة لهم دافع رئيسي للجهاد، وليس مجرد مبرر كما هو الحال بين العسكريين.

فالعسكريون بحكم طبيعة عملهم لا يملكون الفرصة لرفض مهمة عسكرية أو الدخول في حرب ما، حتى لو اعتبروها ظالمة أو ليست أخلاقية، وكثيرًا ما يشعرون بالتهميش الديني أثناء خدمتهم العسكرية، ما يعزز مشاعر العزلة والإقصاء لديهم، ويجعلهم يفقدون الشعور بالانتماء إلى المؤسسة العسكرية، ما يدفعهم لتبني أفكار متطرفة، وتبرير العنف بالدين.

كذلك ينعكس هذا العمل على استراتيجيات الإرهابين العسكريين، فنجد مثلًا أن نشاطهم على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يتركز بشكل أكبر على زيادة معرفتهم وفهمهم للإسلام والجهاد، على العكس من الإرهابيين المدنيين الناشطين على وسائل التواصل، حيث يستخدمونها ليس فقط في التعبير عن أفكارهم علنًا، ولكن أيضًا لجذب المؤيدين والتابعين وتكوين شبكة واسعة من الأفراد ذوي التفكير المماثل.

تشير هذه الاختلافات إلى أن الذئاب المنفردة من العسكريين لا يتحدثون عن معتقداتهم أو أفكارهم علنيا على الإنترنت، وبالتالي من غير المحتمل أن تكون اتصالاتهم مع أصحاب الفكر المماثل عبر الإنترنت، على عكس العناصر المدنية التي تكون أكثر نشاطًا ولا تعاني من القيود التي تفرضها المؤسسات العسكرية.

تشير هذه العوامل أيضًا إلى مدى الدور الذي يلعبه الشعور بالظلم في دفع الأفراد نحو التطرف وخاصةً العسكريين، ما يعني ضرورة معالجة حالات التهميش أو الظلم داخل المؤسسات العسكرية. فالعناصر المنفردة ذات الخلفية العسكرية غالبًا ما تُبرِّر العنف بأنه نتيجة لما تعرّضت له من مظالم خلال عملها.

ختامًا، إذا كانت العوامل الأربعة أسبابًا رئيسية للتطرف بين العسكريين والمدنيين، فالواقع يشير إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار دوافع العمل الإرهابي داخل العناصر المنتمية للمهن العسكرية، وما إذا كانت مواجهتها تتطلب استراتيجيات وقائية مُتخصِّصة.

المصدر: (اضغط هنا)

دينا حلمي

باحثة سياسية متخصصة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى