الذين أتوا متأخرين في "100 وش"

جئنا ناضجين وجيل "الفيسبوك" أنصفنا

قبل ثلاثة عشر عامًا كان “شريف دسوقي” يجلس على مقهى بالإسكندرية برفقة زملائه وتلاميذه من الممثلين بمسارح الثقافة الجماهيرية، بعضهم ينعي حظه في تأخر بزوغ نجمه والبعض الآخر يأمل بفرجِ قريب، وبطريقة فطرية تمامًا وواثقة جدًا انحاز شريف للفريق المتفاءل.

سألهم شريف: “ما رأيكم في فيسبوك؟” فأجابوا: “ما هو إلا علامة على الشتات وبُعد الأقران وفقدان التواصل”، فما كان منه إلا أن ردَّ بتحدٍ طويل، عندما كتب منشورًا على صفحته التي لم يتجاوز عدد متابعيها مئة وخمسين متابعًا: “من الآن سأفتح صفحتي لكل الفنانين صغارًا وكبارًا، مشتغلين بالوسط ومتابعين للعاملين به، وسيصبح هؤلاء جميعًا جيشي الذي أحتمي به، ويعيد لموهبتي الاعتبار”.

لم تكن إعادة الاعتبار لموهبة نوعية مثل موهبة شريف مسألة يحسمها منشور على “فيسبوك”، بل كانت بالأحرى مسيرة طويلة المدى من العمل الدؤوب، الذي تُوّج بشهرة جماهيرية مستحقة، في تماثل آخّاذ مع مسيرة فنانين آخرين جربوا الجماهيرية المتأخرة مثل “سيد رجب”، و”صبري فواز”، وإن كان للمتابعين على فيسبوك دورًا كبيرًا في الشهرة الأخيرة التي حصدها “شريف دسوقي”.

شريف الدسوقي
نضج أم نجاح تأخر استحقاقه؟

دسوقي لم يكن وحده ممن اكتشفه الجمهور متأخرًا من نجوم “100 وش” بل قاسمه الوصول المتأخر كلِّ من “دنيا ماهر” و”أسامه أبو العطا”، وهم الثلاثي الذين طرح عليهم “ذات مصر” سؤالًا: “هل الشهرة بعد الأربعين نضج أم نجاح تأخر استحقاقه؟”، فجاءت إجاباتهم موحدة: “لسنا مظلومين، وحالة التفاعل الإيجابي التي نحظى بها حاليًّا دليل على أن اختيارنا من البداية كان صحيحًا” متابعين: “قدّم ما يُمتع الناس مهما قلّت مساحة الدور، واترك الشهادة بالإجادة تأتي في وقتها”.

“أسامة أبو العطا” النجم الذي شاطر شريف دسوقي الجماهيرية المتأخرة يقول لـ”ذات مصر”: مسيرتي كممثل لم تتجاوز الخمسة عشر عملًا؛ لكني حاولت جاهدًا في جميعها أن يترك ما أعمله، مهما قلّت مساحته، أثرًا في نفس المتلقي، فمثلًا مشهدي مع الفنان عادل إمام في فيلم (السفارة في العمارة) ما زال الناس يذكرون جملة “الحب في زمن الكوليرا” إلى الآن.

فيما ترى “دنيا ماهر” أنه من دواعي سرورها أنها حين تمر بأحد الشوارع لا ينهال عليها المعجبين، قائلةً: عدم الجماهيرية الضخمة لا تسبب لي أي مشكلة، بل أشعر بأنها نعمة، ولعل السبب في عدم تعرف الجمهور عليّ بسهولة، هو تغير شكلي من عمل إلى آخر، أما المتابع المهتم بما أقدمه، فهو من يسعى للبحث عني على مواقع التواصل الاجتماعي، وإبداء إعجابه بي في رسالة أو تعليق.

ويتفق “شريف دسوقي” مع زميليه في “بـ100 وش”، بتأكيده أن حالة المواساة التي يتلقاها من المحيطين به، بقولهم: “معلش يا شريف جت متأخرة”، بها الكثير من المغالطة، مضيفًا: لو آمنت بتلك المقولة، سأكون شخص ناقم على قضاء ربي، ففي أيام عملي بمسرح الثقافة الجماهيرية بالإسكندرية كان يشبعني احتفاء الجمهور بي في وقت لم أكن أكلت فيه ما يقيم صلبي.

جيل فيسبوك أكثر اطلاعًا وعينه مُنصفة

“دنيا ماهر” التي لاقت قدرًا كبيرًا من التفاعل الإيجابي على دورها في “100 وش” التي جسدت فيه شخصية “نجلاء” الفتاة الريفية التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها ضمن تشكيل عصابي، لكن طريقة تجسيدها وجُملها الحوارية انتشرت على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وصنع منها المتخصصون في “الكوميكس” عددًا من “الميمز”.

تقول “دنيا” عن هذا التفاعل: هذا الجيل عينه أكثر اتساعًا وعقله منفتح على ما يُنتجه العالم؛ لذلك تلقيه للعمل الجيد في مصر به قدر كبير من الإنصاف لكل العاملين في ذلك المُنتَج.

وتضيف لـ”ذات مصر”: هذا لا يعني أن هناك تقصير من قِبل الصحفيين والعاملين بالتلفزيون، فبعضهم يبحث عني منذ أول ظهور لي قبل سنوات، وقبل نجاحي في المسلسل الأخير، أما ما يميز رواد فيسبوك هو التواصل اللحظي، كما كان يحدث في السابق في جيل الخمسينيات والستينيات، الذين كانوا يتلقون خطابات مكتوبة من جمهورهم تعبيرًا عن الإعجاب بأعمالهم.

وعن هذا الجيل يقول أسامة أبو العطا: “هذا جيل مختلف كثيرًا عما سبقه، لأنه يشاهد الأعمال العالمية أولًا بأول، ويُميز جيدًا بين الجيد والرديء، ومن ثم أصبحت ذائقته أكثر رقيًّا ممن سبقه، مضيفًا هذا الكم من الاطلاع على الأعمال العالمية أصبح ركيزة يتكئ عليها الجيل الحالي، ومن ثّم بات خداعه بعمل رديء مستحيلًا.

أسامة أبو العطا
مخرجو هذا الزمن بدّلوا معايير النجومية

يُؤمن “شريف دسوقي” أن الجيل الحالي من المخرجين، كان أكثر إيمانًا بموهبته من جيله هو، مضيفًا: ما فعله معي مخرجو السينما المستقلة/ البديلة، الذين برزوا في أواخر العقد الأول من القرن العشرين مع موجة من الأفلام غير التجارية، مثل “أحمد عبدالله”، و”إبراهيم البطوط”، و”شريف البنداري”، أكبر دليل على انفتاح عقلية الجيل الحالي من المخرجين، فقد كسروا تابوهات تربينا عليها كثيرًا وعانينا منها أيما عناء، في إشارة إلى التقاليد الراسخة لاختيار النجم السينمائي.

وسادت انطباعات من قِبل بعض النقاد وبعض الجمهور عن الفنانين العاملين في الأفلام غير التجارية  بأنهم منبوذون، أو منسيون على أقل تقدير، ولا تُعرض عليهم أعمال تجارية، وهو ما نفاه “أسامة أبو العطا”، مؤكدًا أن السينما المستقلة لا تُفرق عن الجماهيرية، وما يهمني هو الدور الذي أجسده، والمخرج الذي أرتاح له، ولم يُعرض عليّ أبدًا دورًا ورفضته، وأحيانًا أذهب بنفسي للدور الجيد، وهو ما حدث في فيلمي “هرج ومرج”، و”علي معزة وإبراهيم”، بحكم عملي كمساعد مخرج في كليهما.

دنيا ماهر

وتتفق “دنيا ماهر” مع ما سرده “أبو العطا” من أن مصطلح “السينما المستقلة”، ليس دقيقًا بالقدر الكافي، فالجمهور يعي جيدًا قيمة الدور والعمل الفني ككل، وما يهم الممثل هو تجسيد شخصيته على النحو الذي يرضيه كممثل، ويُعجب به المخرج.

أما “شريف دسوقي” فاعتبر أن عمله في البدايات مع مخرجين منتسبون للسينما البديلة أفاده كثيرًا، خاصةً أنه أدخله وسط كوكبة من النجوم الذين قدروا كم المجهود الذي بذله ليقف أمامهم حاليًّا ويُبرز موهبته وسطهم، ولولا هذه الأعمال ما كان سيُختار ضمن فريق بـ”100 وش”، مع مخرجة بحجم ومكانة “كاملة أبو ذكري”.

ويستشهد “دسوقي” بدوره في فيلم “ليل خارجي” الذي كان مرشحًا له اسمين كبيرين في الوسط الفني، لكن المخرج “إبراهيم البطوط”، أحد مستشاري الشركة المنتجة للفيلم دعم ترشيحه للدور، بل أخبر الجهة المنتجة والمخرج أن بعد سنوات سيكون “أنتوني كوين العرب”، على حد وصفه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد الزلباني

صحفي مصري

مشاركة

غُلاف رئيسي

رسوم

Start typing and press Enter to search