زوايامختارات

الرئيس المنتخب والإرهاب في الشرق الأوسط: “بايدن” أمام فرصة نادرة لتجاوز أخطاء الماضي!

 

يقول وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت جيتس عن الرئيس المنتخب جو بايدن، نائب أوباما حينذاك، في مذكراته المعروف بـ“واجب Duty” إن “بايدن رجل فاضل، لكنه كان مخطئًا في كل قضايا السياسة الخارجية التـي عمل عليها”.

يشير جيتس إلى سلسلة من الأخطاء التـي كان الشرق الأوسط مسرحها وعلى رأسها تأييد بايدن في 2002 إلى جانب 76 سيناتورًا آخر لقانون تحرير العراق الذي استغلته إدارة بوش الابن لغزو البلد العربي في العام التالي وتدميره وإغراقه في حرب أهلية ممتدة؛ ثم تولى بايدن ملف إخراج القوات الأمريكية من العراق بعد تولي إدارة أوباما، وقد أدى هذا الانسحاب إلى حالة فراغ عززت من قوة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها “الدولة الإسلامية في العراق”؛ ثم دور بايدن في تشكيل سياسة أوباما تجاه الحربين الأهلية في سوريا. وهي سلسلة من الأخطاء أدت إلى ظهور تنظيم داعش. هذا فضلاً عن التدخل الكارثي في ليبيا الذي أفضـى إلى الفوضـى التي تضرب في جنبات البلاد.

وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت جيتس (الشروق)

على العكس من ترامب، القادم من عالم المال والذي كان معروفًا بمعارضته للمغامرات العسكرية الأمريكية خاصة في العراق وأفغانستان، يبدو بايدن مطاردًا بعبء هذه الأخطاء المتكررة، خاصة حرب العراق. لذا فالسؤال الملح حاليًّا: هل سيتمكن بايدن من تجنب تكرار هذه الأخطاء خاصة في ما يتعلق بمحاربة الإرهاب في الشرق الأوسط، الذي ولا شك كان له دور في توفير الأرض الخصبة له؟

الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن

من أوباما لترامب: سياسة ممتدة

يمكن فهم مستقبل السياسة الأمريكية تجاه قضايا الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط من خلال التحول العام في إستراتيجية واشنطن تجاه المنطقة، وهو التحول الذي بدأ مع فترة أوباما إن لم يكن قبلها. ويدور هذا التحول على أساس إعادة ترتيب علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة وارتكازها على الأمن المباشر الذي تهدده الجماعات الراديكالية المتطرفة وعلى رأسها داعش والقاعدة، بالإضافة إلى إيران ووكلائها إلى المنطقة، واستمرارية العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتعامل البراجماتي مع الحلفاء العرب، خاصة في الخليج.

الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما

لم تتغير هذه السياسة كثيرًا في عهد ترامب، الذي كان أكثر صراحة في التأكيد على رفض الولايات المتحدة لاتكال الحلفاء العرب على قدرتها على قيادة المنطقة. ومع اتخاذه سياسة أكثر تشددًا مع إيران ودعمًا لليمين الإسرائيلي الذي يقوده نتانياهو، استمر ترامب في إدارة السياسة الأمنية في المنطقة من خلال الاستمرار في ضرب الحركات الإرهابية خاصة تنظيم داعش والذي انسحب من آخر معاقله في العراق في 2017 وفي سوريا في 2019. إلا أن هذه السياسة لم تحسن من وضع واشنطن في المنطقة بل أدت إلى مزيد من التعقيد بإفادة أطراف دولية وإقليمية مثل روسيا وتركيا وإيران من هذه السياسة المختزلة.

صورة أرشيفية للبيت الأبيض- واشنطن

ولتنفيذ وعوده الانتخابية، أمر ترامب في أكتوبر 2019 بسحب القوات الأمريكية، البالغ عددها 2000 جندي، من سوريا. وهو القرار الذي انتقده بايدن الذي كان يسعى حينذاك للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي لسباق الرئاسة. اعتبر بايدن أن هذا الانسحاب غير المخطط سيمنح تنظيم داعش فرصًا لإعادة بناء نفسه في العراق وسوريا. كما قرأ القرار على أنه تخل عن حلفاء واشنطن المحليين في الحرب على الإرهاب، خاصة الأكراد ممثلين في قوات سوريا الديمقراطية والتي سيؤدي ضعفها إلى المخاطرة بتحرير نحو 9000 من مقاتلي داعش، ومن بينهم 2000 من المقاتلين الأجانب.

مكافحة الإرهاب في أجندة بايدن

لم يكن لمكافحة الإرهاب الأولوية في حملة بايدن الانتخابية. كذلك لم تصدر الحملة أية بيانات خاصة بهذه القضية، في ما عدا بعض إشارات مرتبطة بالأمن القومي الأمريكي. لم يكن هذا تغاضيًا عن أخطاء الماضـي، بل تأكيدًا على تحول أولويات السياسة الأمريكية للداخل حيث اشتداد أزمة كورونا الوبائية، وتفاقم التوتر العرقي، والانقسام السياسـي الناتج عن سياسات ترامب في الأربع سنوات الماضية. وربما يؤشر على طغيان قضايا الداخل على البرامج الانتخابية، والتركيز الواضح من جانب الديمقراطيين على ضرورة مجابهة العنف المحتمل خاصة في صفوف اليمين الأبيض العنصري.

بالمقارنة مع منحنـى السياسات التـي اتخذتها واشنطن في عهد ترامب، يتضح أن بايدن أكثر اتجاهًا للتركيز على استمرار مجابهة التنافس الصينـي والعودة إلى اتفاقية المناخ التـي انسحبت منها إدارة ترامب في 2017، والتأكيد على الرابطة العبر-أطلسية ومحاولة ترميم الانشقاقات الداخلية في حلف الناتو. لذا لن يكون للشرق الأوسط وقضاياه وعلى رأسها مجابهة الإرهاب على رأس هذه الأجندة. وبالتالي، فالأرجح أن تستمر سياسة بايدن تجاه مكافحة الإرهاب في المنطقة على نفس المنوال الذي اتخذته واشنطن منذ عهد أوباما.

ملامح أولية لسياسة بايدن تجاه الإرهاب

على الرغم من موقفه الرافض لقرار ترامب سابق الذكر حول سحب القوات الأمريكية من سوريا، إلا أن بايدن صرح في أثناء حملته بضرورة إنهاء حروب الولايات المتحدة “الأبدية” Forever Wars؛ والتـي يرى أن حملات “مكافحة الإرهاب” كانت السبب الرئيس وراءها. وهو الموقف نفسه الذي اتخذه ترامب. لذا، فعلى الأرجح، سيعمل بايدن على استكمال التفاوض الذي بدأه ترامب مع حركة طالبان للتوصل إلى اتفاقية سلام تنهي الحرب الأطول في تاريخ الولايات المتحدة. وكان بايدن قد حاول مرارًا دون نجاح إقناع أوباما بخفض الوجود الأمريكي في أفغانستان، وقصر المهام القوات الموجودة على عمليات مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار.

من ناحية أخرى، وعلى الجانب الإستراتيجي، يرى بايدن أن القوات التـي ستوجد على الجبهات الثلاث في العراق وأفغانستان وسوريا، وسيصل عددها إلى 2000 جندي، ستقوم فقط بمهام “العمليات الخاصة” التـي تستهدف أوكار الشبكات الإرهابية في البلدان الثلاثة، وتضطلع بمهام تدريب القوات المحلية لمكافحة الإرهاب، كما ستشكل طلائع استخباراتية لجمع المعلومات، واستكمال الصورة التـي تشكلها أجهزة الاستخبارات الإشارية والرقمية. والغاية من هذا الوجود هو منع تكرار “العمى الإستراتيجي” الذي حدث بين سحب القوات الأمريكية من العراق في 2011 وسيطرة “داعش” على مساحات واسعة من العراق وسوريا في صيف 2014.

يرى بايدن أن الخطر الأكبر الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة لن يكون في عودة التنظيمات الإرهابية للسيطرة على الأرض، بل في الخلايا النائمة التـي تهدد الداخل الأمريكي والعواصم الغربية أو المصالح الغربية في المنطقة. لذا، فعلى الأرجح أن واشنطن في عهده ستستمر في “حرب الطائرات المسيرة”، أحد العلامات المميزة لحرب أوباما على الإرهاب. تثير هذه الحرب العمليات الاستخباراتية التـي تستهدف عناصر “إرهابية” في بلدان ليست في حرب رسمية مع الولايات المتحدة مثل اليمن وباكستان والصومال وغيرها، مُخلفة جدلاً واسعًا حول حدود صلاحيات الرئيس، ومدى قانونية الهجمات، وعواقب الهجمات التـي تستهدف المدنيين عمدًا أو بالخطأ على صورة الولايات المتحدة في هذه البلدان.

من المؤكد أن هذه الممارسات ستستمر على اعتبارها “حربًا ضرورية” وبديلة عن التدخل في نقاط الأزمات.

نجاح غير مضمون

إذا كان الهدف من هذه الإستراتيجية الأولية، والمتناثرة في تصريحات وتحليلات معينة، القضاء على الإرهاب، فغنـي عن القول إن الاستمرار في نفس السياسات السابقة لن يضمن النجاح. لذا، قد تساهم سياسات بايدن المرتقبة في القضاء على إرهابيين معينين أو الكشف عن خلايا معينة أو قطع خطوط تواصلهم وإمدادهم إلا أنها لن تقضـي على هذه الحركات. في المقابل، سيكون على حلفاء واشنطن في المنطقة التعامل مع هذا الخطر المستمر بأنفسهم.

من ناحية أخرى، تغض هذه السياسة النظر عن العودة الممكنة للتنظيمات المتطرفة، ربما بمسميات وهياكل تنظيمية جديدة، لأن استمرار خطرها مقرون بعمق أزمات المنطقة وتحولها لأدوات لخدمة أهداف قوى المنطقة المختلفة وعلى رأسها إيران وتركيا. وقد تشهد سوريا والعراق وأفغانستان حالة تهدئة بعد هذه السلسة من الحروب الطويلة، إلا أن المسرحين الليبـي واليمنـي لا يزالان يشهدان نشاطات لجماعات راديكالية مختلفة. ويؤثر استمرار الأزمة في كلا البلدين على أمن المنطقة في المجمل.

وفي كل الأحوال، ليس من المتوقع، في ظل احتدام أزمات الداخل الأمريكي أن تبتكر إدارة بايدن إستراتيجية جديدة للتعامل مع هذا الملف. بل ستلجأ إلى نفس السياسات السابقة؛ تسليح وتمويل الحلفاء، وعقد التحالفات الأمنية، على غرار تحالف مكافحة داعش. إلا أن بايدن ستكون لديه فرصة كبيرة لتصحيح الخطأ الكبير الذي شارك في اقترافه، وذلك بدعم الحكومة العراقية الحالية التـي تحاول جاهدة الخروج من مأزق الصراع الطائفي العميق الذي زج فيه العراق. وهو ما يعنـي تجاوز خطاب التعاون الأمني بل دعم الانتقال السياسـي وإعادة الإعمار.

 

محمد العربي

باحث في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى