ثقافة وفن

شب جديد.. فلسطينيون بالقضية ومن غيرها

“إننا بحاجة إلى استراحة من كل شيء، وليس الاحتلال فقط… نحن بحاجة إلى حرية التعبير، وحرية الرقص بالطريقة التي نريد أن نرقص بها.. الحرية في أن نكون نحن فقط”

شب موري- المدير الإبداعي لبلانتم- من مقال لصحيفة الجارديان

في حوار إذاعي عام 2019 مع مغني الراب الفلسطيني “شب جديد” والناظر، سرد الأخير رحلة بداية شركة “بلانتم” كمؤسسة إنتاجية صغيرة، بدأت بفردين، ونمت حتى بلغ عدد الفريق 8، إلى أن حققت نجاحًا مُرضيًا.

وقت إجراء اللقاء كانت “بلانتم” تنتج أغنيات “شب جديد” على فترات متقطعة حتى أنتجت أول ألبوم غنائي كامل له تحت عنوان “سندباد الورد“.

طبيعة تكوين الشركة تبيّن وجهتها الأساسية في الحفاظ على صوت المجموعة المستقل، بداية من تقدير أصالة الأفكار، والإصرار على الخروج عن سياقات الإنتاج الكبرى، حتى الحفاظ على حرية “البذاءة”.

“بلانتم”.. مقاومة مغايرة

في حوار للثلاثي “شب جديد” و”الناظر” و”شب موري” مع الجارديان، ظهر تعمد فريق “بلانتم” الخروج عن “الدبلوماسية الفنية”، ورفضهم الخضوع لمتطلبات الانتشار الدولي.

فحين سُئل “شب جديد” مثلًا عن طبيعة المحتوى السياسي الذي يقدمونه في أغنياتهم، خاصة أغنية “كحل وعتمة” التي يوثق فيها روتين الاحتجاز اليومي والعطلة المتعمّدة والتعسف من قبل جيش الاحتلال، رد على السؤال بسؤال مقابل: “كيف تشعر أنت بالعيش تحت الاحتلال؟”

يعلق معد المقال على ذلك قائلًا:

من الواضح أن كلمات شب جديد مستوحاة من الصراع بين البلدين: إحدى الأغاني تعبر عن غضبه بسبب احتجازه لساعات عند نقطة تفتيش عسكرية.. ومع ذلك، عندما أسأل في الاستوديو عن السياسة، كان يتخذ انطباعا عدائيًا.

نظرة عابرة إلى طبيعة الندية التي يمارسها شب جديد، تجاه صحفي تابع لصحيفة بريطانية، تدرك الأثر الحي للقضية الفلسطينية على أغاني شب جديد، ومعنى العيش تحت قبضة الاحتلال.

يكمل شب جديد، بسخرية مباشرة وحس صدامي يتقاطع مع طبيعة أغنياته:

“لقد ولدت هنا.. تعودنا على ذلك.. يمكن للجنود الإسرائيليين القدوم هنا، والبدء في إطلاق النار، ولن نوقف المقابلة حتى.. الأمر مثل حركة مرور مكدّسة في لندن.. الأمر مزعج للغاية، لكننا لا نسأل: ما شعورك عندما تعيش في حركة مرور مكدّسة؟

المحتوى الإبداعي الفلسطيني عادةً يظهر إلى الوجود لصيقًا بسياقات القضية الفلسطينية، وهو ما يجعله يحصد انطباعًا سائدًا بأن مجرد حضور القضية فيه يمده بجودة تتجاوز أي نظر نقدي.

على عكس ذلك، يقدم فريق “بلانتم” نفسه على أنهم فلسطينيون بالقضية ومن غيرها، الأمر طبعًا، لا يقلل من مركزية قبضة الاحتلال، وصراع الهوية والحفاظ على الأرض، لكنه يوسع الرؤية إلى أمور أخرى، الإصرار على الحق في العيش، والمشكلات الذاتية والمجتمعية، الأرق الوجودي الفرداني، وبيان بأن هذه الأشياء يمكن أن تشكّل فنّا أيضًا، ويمكن أن تنتج محتوى يستحق الانتشار.

الرابر والقضية الفلسطينية وغزة

قد يكون هناك ارتباط بين الاحتلال وبعض أغنياتنا، لكنها مستوحاة أيضًا من الحياة اليومية، والسوق، والطاقة في وسط مدينة رام الله..

شب موري- المدير الإبداعي لبلانتم

الطريقة التي تتبنّاها “بلانتم” في رفض الاحتلال ترفض الخطاب النضالي أيضًا، وترفض الأسلوب المعتاد للتباكي على ضياع فلسطين، تقاوم بما تجيده، أن تعبّر عن نفسها من خلال محتوى فنّي مرن.

بمعنى آخر، تعيد إنتاج تعريفات جديدة لطبيعة أو كيفية أن يقاوم الفرد الفلسطيني طمس هويته، هنا تصبح السردية اليومية مقاومة، ويصبح الهم شخصيا وسؤالا كونيا عن مغزى وجود فرد هنا في هذه المساحة الجغرافية وفي ذلك الظرف التاريخي، ذلك السؤال يحيل إلى تعريف مغاير للمقاومة.

تتبنى “بلانتم” حتى الآن، نشاطا مستقلا يقوم على التحضير وتسجيل الأغنيات خلال عمل تعاوني بين المجموعة، بعيدًا عن سياقات الإنتاج المؤسسي، حتى لا تشترط مؤسسة أو جهة عليهم أن تقول شيئًا بعينه، أو تملي عليهم طريقة مناسبة للتعبير عن أنفسهم.

في خضم الحياة اليومية

كانت بلدة “كفر عقب”، شمال القدس المحتلة، مقر إقامة “عدي عبّاس/شب جديد”، وموقعه الرسمي المحدد على حساب ساوند كلاود، إحدى المناطق المليئة بالبنايات الجيرية الجميلة محلّية التصميم، ومساحات واسعة مزروعة بالزيتون.

عقب الانتفاضة الثانية في أول الألفينات، أقامت دولة الاحتلال حاجزًا يمنع سكّان البلدة عن التحرك خارجها، وبالتالي بدأت البلدة في الانعزال جزئيا، كانت الانتفاضة فرصة مناسبة لدولة الاحتلال لإتمام عملية تطهير المدن المركزية في فلسطين من سكّانها المحليين.

منذ انزواء “كفر عقب” وراء الجدار العازل، بدأت البلدة تتحول إلى منطقة نصف نظامية ونصف عشوائية، ومعقل مناسب للطبقة المتوسطة وللزيجات الجديدة بسبب انخفاض قيمة العقارات.

تحولات المدينة التدريجية تزامنت مع مراهقة وانفتاح عين “شب جديد” على الحياة.. مراهق يجيد حفظ الأغنيات، يرى مكان إقامته المُفقَر عن عمد، ليس ثمة مراكز صحية كافية، لا فرص وظيفية، وتسيد الطابع العشوائي للمكان.

بسبب هشاشة السلطات المحلّية، التي لا تستطيع إقامة أي بنى تحتية للمنطقة، إلا بإذن وإشراف من سلطات الاحتلال، بدأ سكّان البلدة يدبّرون أمورهم بأنفسهم، وبالتالي تحولت المنطقة إلى بنايات عشوائية غير مرخّصة، وأصبحت الشوارع رهينة للزحام الدائم، سيارات يتم ركنها كيفما اتفق، ومصارف صرف صحي تطفح في الشوارع.

كفر عقب من وراء الجدار
كفر عقب من وراء الجدار

نشأ “شب جديد” إذن في مجتمع محليّ معزول، يدير جزءًا كبيرًا من مسار حياته اليومية بنفسه، يفتقر إلى أي أساس تحتيّ للمعيشة.

طبيعة الانعزال والقمع المُسلط على سكّان “كفر عقب” أحالت القضية الفلسطينية، كمحاولة دؤوبة للتمسك بأي صور ولو جزئية للهوية المسلوبة، إلى قضية في خلفية المشهد لتحل محلها أزمات المعيشة.

لذا فالاستغراق في تفاصيل الحياة اليومية جعل أهل منطقة “كفر عقب”، ومن بينهم “شب جديد”، يشتبكون مع عموم المشكلات المعتادة لمجتمعات الطبقة المتوسطة في العالم العربي، بعيدا عن تكرار أزمة الاحتلال وفقدان الأرض.

الظروف المحيطة بطبيعة المكان، الذي نشأ فيه “شب جديد”، تجعلنا نعيد النظر في طبيعة أغنياته التي تنتقل بين القضية الفلسطينية كأساس عام، وبين العرض الذاتي لحالةٍ ذات خصوصية عالية، معنيّة أساسًا بالتجربة الحياتية، تجربة تهرب من حيّز الانتماء إلى القضية، بالمعايير المحددة مسبقًا، وتلتزم بانتماء أكثر شخصانية.

الصلة بين الشب وبين القضية الكبرى التي تجمعه بسكّان فلسطين كافة، هي الكراهية الموروثة للمستوطِن الذي سطا على الأرض، وبالتالي ليس لدى “شب جديد” رد أنسب من سبّه مباشرة في أغنية ذاتية، ومن ثم ينتقل إلى أفكار أخرى.

ذاتية “شب جديد” الحاضرة في معظم نتاجاته، تعتبر بشكل ما دفاعًا مباشرًا واعتراضًا حادًا على نزع الأحقية عن الفلسطيني في أن يقول شيئًا دون حشر القضية فيه.

“وقت الانتفاضة كنت ولد، وقت الاجتياح كنت ولد، ولد، وما شوفتش قصص حربيات وحاجات.. يعني أهل غزة مثلا يقدروا يضلوا يغنوا عن الحرب وهيك لأنهم واكلين خرا.. بس إحنا سكّان رام الله.. القدس بنقدر نغني عن البع*صات اليومية”

شب جديد من لقائه مع معازف

الإبداع كفعل عفوي

يشرب عادةً ويسكر قبل كتابة الأغنيات، يطلب تسجيل “beat” حسب حالته المزاجية قبل أن ينظر هل يتناسب “البيت” مع طبيعة الكلمات أولا أم لا.

يسجل أغنية ويكسب نقودًا كافية للراحة في المنزل فيعود ويعيش يومه كيفما اتفق حتى تنتهي، فيتحول في لحظة الإفلاس هذه إلى “رابر جامد”.

حينما يكون طريقه سالكا في البلدة، ويتجاوز الحاجز الإسرائيلي في وقت قصير ولا تعترضه سلطات الاحتلال وتجعله ينتظر في الشارع لساعتين أو أكثر، في هذه الحالة يذهب ويكتب كلامًا سخيفًا، أمّا حينما يتم احتجازه دون داع على “المعابر”، ينمو غضبه، وقتها يكتب كلمات “شايطة”، ويندفع إلى إنتاج تراك مميّز جديد.. هكذا يتعامل شب جديد مع نشاطه الفنّي كرابر.

الحالة المزاجية التي يقيم عليها حياته تظهر في طبيعة أغنياته، محتوى متغير لا يكرر نفسه، يهرب من القضايا الكبرى لكنه يتأثر بها، يكتب عن نفسه أولا كشاهد عليها، كحالة تمثل رد الفعل المقهور، يكتب عن المحيطين به.

يعطي لنفسه الحق في الزهو والتعالي، كتيمة أساسية في كلمات أي أغنية لأي رابر عربي معاصر، لكن الميزة الكبرى لكلمات أغنيات “شب جديد” هي أنها دائمًا تحاكي طبيعة التقديم المعاصر والتي تتنوع بين الاستدعاء الحر والتوثيق التقليدي بعين حادة.

وتنتقل بين أساليب عدة، تقتل أحادية العرض، لذلك ليس لـ”شب جديد” أسلوب بعينه، أسلوبه مرتبط أكثر بحضوره هو نفسه، وليس بشكل معيّن أو تيمات متكررة مشتركة في معظم أغانيه.

كحل وعتمة.. ميلودراما يومية

أغنية “كحل وعتمة” هي واحدة من أغنيات “شب جديد” المشهورة، وتشغل حيزًا أساسيًا في خريطة أغنياته، وأصبحت مشتركة في السماع لدى معظم جمهوره.

هذه الأغنية كُتبت خلال “انتفاضة السكاكين”، التي بدأت حين أطلقت قوات الاحتلال الرصاص على المسالمين ثم وضعت بجوار كل قتيل سكّينًا كدليل إدانة.

يعرض “شب جديد” أفكارًا مركبة في الأغنية، يوثّق الرحلة اليومية لعبور حاجز “رام الله” إلى القدس، لأن المساحة التي يعيش فيها تعاني البطالة وقلة موارد العيش، تمر دفعات كبيرة من الناس يوميًا عبر الحاجز استجابة لضرورات العمل اليومي.

تقديم الأغنية يبدو تقليديًا.. التوثيق العمومي اليومي حالة تشغل مساحة كبيرة من مطربي الراب على اختلاف المدارس والأساليب، ما يميز “شب جديد” هو قدرته على تكثيف المحتوى.. لسان سليط حينما يعجز عن المواجهة المباشرة يلجأ إلى السخرية، إن لم تكن سخرية في الكلمات، فإنها سخرية تستمد حضورها من طبيعة الأداء ونبرة الصوت.

“عبط سكينة بعد ما طخني وانا قاعد انزف وانا اخ يا بطني”

الوصف المشهدي للرحلة اليومية يبدأ من عبور الحاجز صباحا والمرور والعمل حتى انتظار الصباح التالي الذي يأتي ومعه الصعب القادم، ومن ثمّ يقدم “شب جديد” عرضًا بانوراميًا لتكوينات الشارع المحيطة به، محيط مكدّس بـ”الفزافز”، وهي مفردة خصوصية اخترعها ليسخر بها من أفراد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين الذين يحيطون به.

يتمادى “شب جديد” في استقطاب الحضور الفلسطيني المغامر، الذي يضع مسيرته اليومية كمجازفة حياتية فارقة، مستعينًا بطابع الحكي المحلي، والاستناد الأولي على لغة الحكي الدارجة “يا خال لو عمري بإيدي أنا مش حزجّف”.

“كحل وعتمة”، كنموذج للأغاني السياسية التي يقدمها “شب جديد”، تهرب بحرفية من الحس النضالي، تحتمي بالسخرية أحيانًا، وبرمزية الكلام أحيانًا، لكنها لا تستجيب لتضخيم الحكي السياسي، كأنه يحاول أن يضع كل شيء في موضعه المناسب، فهذه ليست أكثر من أغنية، وبعيدًا عن احتماليات مداها وقدرتها على إحداث أي تغيير فإن طريقتها الأنسب هي الطريقة التي تناسبه شخصيًا وطبيعة حياته، كشخص لا يتعرّض لأي قضية كبرى ويضخّمها، بل يسخر من كل شيء، في نبرة صوته وكلماته وأدائه.

تراك كحل وعتمة

مدرسة.. وجع القلب والراس

تراك “مدرسة”، أحد تراكات شب جديد، الذي لم يأخذ حقّه في الانتشار، لكنه يعتبر فارقًا بالنسبة لطبيعة ما يقدمه.. تبدأ الأغنية بتحوّل “شب جديد” إلى مدرسة عسكرية: نظام صارم وإقحام مباشر للرقابة في دورة الحياة الروتينية، فقدان الذات يومًا بعد آخر.

“كنت غاد بس ناسي.. صادق إحساسي.. ياما اتوجع هذا القلب.. وياما وجّع راسي”..

يتعرض “شب جديد” في هذه الأغنية لنفسه بصورة مباشرة، يعبر عن كراهيته لذاته كأمر بديهي لا يحتاج فيه إلى مواساة:

“باكره حالي وبعرف مش بحاجة تكعد تواسي فيّا”..

الرابر والقضية الفلسطينية 2

يتصاعد مستوى الاعتراف بالفشل، الذي يوجهه شب جديد لنفسه، ومن ثمّ ينعكس على المستمع، باعتبارهم شبابا يتعرضون لذات التخبّط الهوياتي، ولـ”جلد الذات” أيضًا.

“بقع.. كل ما بحفر جوا المخ..

بدي أطخ حالي.. براسي عشان أرتاح”

هذه الأغنية أصدرها شب جديد في أول العام الحالي، أي بعد تحققه الفني واعتباره من أكثر الرابرز تميّزًا وحضورًا في الراب سين العربي كله، ولهذا دلالة هامة في هذا السياق:

فالتراكات الذاتية، المشابهة لتراك “مدرسة”، تعتبر نقطة انطلاق الرابر العربي عموما، كفنانين يقدمون محتوى مستقلا، لكن مع تصاعد فرص الانتشار والدخول في تروس نظم الإنتاج والاستهلاك، وتوارد عقود الحفلات والإعلانات الجديدة، يختبئ ذلك الصوت الصادق الذي ينطلق دائمًا من النبش في المساحات الموغلة في الذاتية التي لا يعنيها النجاح التجاري، بقدر ما يعنيها استعادة الذات المسلوبة من المنظومة القاهرة.

فمثلا، حينما نضع الرابرز المصريين في مقارنة مع “شب جديد”، سنجد أن أغنيات معظم الرابرز المصريين تنقسم إلى جزئين:

أول، يتعلق بالبداية، وثان عقب الانتشار والعمل داخل المنظومة.

وعادة لا يتعرف جمهورهم الكبير/الجديد على الجزء الأول من رحلتهم إلا بعد الوصول إلى الجزء الثاني، حين يحققون شهرة ساحقة فيبدأ الناس في البحث عن إنتاجهم المبكر.

يتلاشى الصوت الأول بالتوازي مع الدخول في منظومة الإنتاج، ويحضر الصوت الثاني، لذلك نرى “ويجز” ومروان موسى وأبيوسف في إعلانات شركات خطوط الموبايل، ونسمع أغنياتهم الأخيرة، التي تتصارع على إثبات الفحولة الخطابية، ومَنْ أكثر جدارة أن “يحط” على الثاني، مَن أكثر أحقية بالصدارة؟

بالنسبة لـ”شب جديد”، المسألة بسيطة: تقديم أغنية جديدة بالنسبة له حالة مزاجية، هكذا بدأت ولا تزال على شكلها، طبيعة الأغنية تفرض نفسها، وليس النظرة العقلانية إلى مستوى النجومية، وهل تتناسب هذه الكلمات مع “النجم الجامد” أم لا؟ لا وجود للمرحلتين السابق ذكرهما في مسيرة “شب جديد” الفنية.

تراك مدرسة

تراك شوفني

شوفني.. مُحبط وحيران

في تراك “شوفني”، بالتعاون مع “الناظر” منتج شركة “بلانتم”، يتعرض “شب جديد” في كلمات التراك إلى قضايا عمومية، تتجاوز كونه فلسطينيًا أو حتى عربيًا، كلمات تنطلق من السؤال الكوني، سؤال تحقيق الذات.

” اعتقلوني احبسوني اشبحوني..

بعرفش اشي بعرف اشي بعرفش إشي..

اربطوني ضل لبكرة اسألوني..

بعرفش إشي بعرفش إشي بعرفش إشي”

يتماس التراك هنا مع التساؤلات الأساسية، التي تشغل أذهان الجيل الحالي: كيف نحقق ذواتنا؟ وكيف نحصل على نقود كافية للدخول في دائرة تجريب الحياة والحصول على فرص آدمية؟

تقديم حالة التيه في التراك تعتبر واحدة من أسس تكوين شخصية “شب جديد”:

“إذا حدا فيكم مفكر إنه فاهم إشي..

يبقى غلطان.. كله م*يكة”..

تتابُع الطابع الوجودي في الأغنية يؤدي بـ”شب جديد” إلى التسفيه من فكرة الوجود بحد ذاتها:

“شنصت معي بدل قرد.. طلعت بشر”..

تراكيب الجمل المكتوبة، خاصة في أغنية “شوفني”، تتجاوز فكرة وحدة الموضوع، الأسلوب يعتبر سردية حكائية معاصرة تختلف عن فكرة العرض التقليدي في “كحل وعتمة”.

الحضور الذاتي في مثل هذه الأغنية، يفرض تنوع الأفكار وعشوائيتها أيضا، ويمنع تطويع كل هذه الأفكار والتساؤلات في إطار سردي يمكن أن يُحكى بصورة خطّية.

كتابة تراك “شوفني” تتشكك في ثبوتية نظام الأغنية، فلا تحمل موضوعًا واحدًا، أو فكرة واحدة تحوم حولها مقطوعاتها، بل يمكن أن تتحد المقطوعات بوحدة أكبر، وحدة الاستدعاء الحر لأفكار غير مترابطة أو متشابهة، يجمعها شيء واحد، أنها تدور في دماغ واحدة تفكر!

الرابر ودعم القضية الفلسطينية

يبتدئ “شب جديد” التراك بكلمات تنبئ بعدم معرفة أي شيء، ثم ينتقل إلى أسئلة ذاتية عن الإيمان والكفر وصيام رمضان، ثم أصل وجودنا العبثي في الحياة، كل هذه التشابكات تنتهي بفكرة بعيدة عن كل ما يسبقها، يقفل التراك بتيمته المفضّلة عن الصداقة والجدعنة:

“والصديق هو اللي كان صديق جد أيام زمان..

والباقي كله طرافة”..

نجومية من منازلهم

يظل الحضور الخاص لـ”شب جديد” عائدا إلى استقلاليته وأصالته، رغم موارده البدائية، شركة صغيرة، “بلانتم”، لدى أصحابها 3 استوديوهات موزعة على منازلهم، أثناء التسجيل تتشارك المجموعة تبادل أجهزة الموسيقى وأدوات تسجيل التراكات.

يكتب وهو “سكران”، ومن ثم تصبح هناك أغنية وجمهور يسمع.. يلتزم “شب جديد” في معظم لقاءاته الصحفية القليلة بتحديد جمهوره، يجيب عن سؤال “لمن يغني” بأنه يغنّي لشباب الورد، الشباب الذين لم يذهبوا إلى الجامعة ولم يجربوا طعم الرفاهية.

ذات مرة أشار إلى هيئته: “سويتر أديداس وكاب”، وقال: أغني للناس إللى زيي كده!

"شب جديد" مع شب موري والناظر
“شب جديد” مع شب موري والناظر

هناك تخوف كبير لدى متابعي “شب جديد”، خاصة بعد مشاركة “بلانتم” في إعلان شركة الأزياء البريطانية “BURBERRY”، حول قدرة “شب جديد” على الاستمرار في الإنتاج المستقل، وانطلاقه من الحالة المزاجية.

فبالنظر إلى طبيعة الإنتاج المؤسسي الحالي ونشاطات التسويق بديهي أنه يقف عند عتبة الدخول في منظومة إنتاجية تتبنّاه، ومن ثم يخفت صوته شيئًا فشيئا، تقل أغنياته ذات الطابع العشوائي والمفكك في الكتابة ويتلاشى طابعها الذاتي، ويصعد صوت آخر، لا ينتمي لشباب الورد ولا الضائعين في أدغال الرأسمالية، بل تصبح أغنياته الجديدة بصمة للديناميكيات التي تطحن جمهوره السابق.

إعلان بلانتم مع BURBERRY

لا أبطال في هذه المجموعة

ضبور مع عصير الجدعنة- صناعة أولاد القدس
ضبور مع عصير الجدعنة- صناعة أولاد القدس

خلال التحضيرات الأخيرة لكتابة هذا المقال، أصدرت “بلانتم” تراكًا جديدًا لرابر صاعد: “ضبّور” مع شب جديد، صدر التراك خلال بوادر الاشتباك بين جيش الاحتلال وأهالي منطقة الشيخ جراح في أوائل مايو الحالي.

خلال الإعلان التشويقي لتراك “إن أن” توقّع الجمهور مشاركة جديدة لـ”شب جديد”.. فاجأت “بلانتم” الجمهور برابر صاعد، تنتمي الأغنية لحضوره أكثر من “شب جديد”، ظهر الأخير ظهورًا شرفيًا بمشاركة جانبية ليس أكثر.

“ضبور”، من حي الطور في القدس، عمره 20 عامًا، ينضم لـ”بلانتم” بعد تراك وحيد “لتر بلاك” لم يحظ بانتشار واسع.

تتقاطع بداية ضبور مع الشب، ومع طبيعة التراكات التي تنتجها “بلانتم”، في حدة اللسان والنزوع الصدامي، إعلان مباشر منذ أول الأغنية بالندية، صدام دون تراجع ودون وضع السياقات المحافظة في الحسبان.

اللافت أن أفراد المجموعة جميعًا ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، التي تحكمها الحيثيات الأخلاقية للقضية الفلسطينية، حيث تتصدر مفردات الحكي والسرديات الكبرى المحافظة في أي خطابٍ فني.. يضرب ضبّور، بحماس البدايات وحداثة العمر، كل هذه القواعد عرض الحائط.

ضبور وشب جديد- كواليس تصوير "إن أن"
ضبور وشب جديد- كواليس تصوير “إن أن”

عقب تراك “إن أن” مباشرة أصدرت “بلانتم” تراكين لضبور، ثم أتبعتهما بإصدار تراكه الأخير “الشيخ جراح”.

منذ ظهور “بلانتم” و”شب جديد” نجمها الأول، بل كان الصيت الذي حققته يعود لـ”شب جديد” بالأساس، وبالتالي يكون من المنطقي طبعًا أن يتم وضع النجم في الصدارة خلال الأوقات الحاسمة التي تمر بها فلسطين حاليًا، لكن الطابع الجماعي للفريق تجاوز تراتبية الأهمية في الظهور أمام الشاشة أو العمل خلفها، مما أتاح إمكانية البحث عن وجوه جديدة، وعن تجديد مستدام لدماء المحتوى.

الأمر، مثلما يقول “شب موري”، أنهم يحاولون خلق مؤسسة، لها اسم وتستحق أن تأخذ عمرًا أطول من ضربة لحظية لأجل تراك “صايع” يختفي بعده كل شيء.

اقرأ أيضًا: هل تعزل إسرائيل “بايدن” داخل أمريكا؟

اقرأ أيضًا: خاص| رئيس “الاستقلال الفلسطيني”: اتفاقات “التطبيع” لا تعوق ترتيب علاقاتنا العربية

إسلام العزازي

كاتب مصري

أحمد سالم

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى