ثقافة وفن

“أو كما تكلّمت الشمس”.. عن الرمز والتأويل في ديوان سفيان البالي

«الواقع أن علاقة الشِّاعر بالفكر لا تنبع من إدراكه لبعض القضايا الفكرية؛ بل من اتخاذه من هذه القضايا موقفًا سلوكيًّا وحياتيًّا، بحيث يتمثل هذا الموقف بشكل عفوي فيما يكتبه»، كما يقول صلاح عبد الصبور في كتابه «حياتي في الشعر».

لكن هل يمكن أن يكون الموقف ههنا موقفًا يقينيًّا وتامًّا؟ لا أعتقد ذلك. وإذا قلنا إن الشعر هو رؤية للذات في العالم، ورؤية للعالم في الذات، فهل يخلُص إدراكنا لذواتنا من لحظات التشكك والتساؤل؛ حول إذا كانت القصيدة -في ذاتها- هي سؤال وجودي ينبعُ بصورة ما من جدليَّة الذات والعالم، وإعادة هدم وبناء هذه الجدليَّة مرات عدة، تمثل القصيدة فيها حالة من الشبق الوجودي، من اللَّذة، ثم عودة ذلك الموقف الوجودي ليمثلَ مصحوبًا دومًا بحالة من التشكك والتساؤل؟

أظن أنه بهذه العين يمكننا قراءة ديوان «أو كما تكلمت الشمس» للشاعر المغربي سفيان البالي، الصادر حديثًا عن دار النهضة العربية ببيروت.

الأزمة الوجودية.. من الخاص إلى العام

الشَّاعر المغربي، في متنه المذكور، بقدر ما يتمثَّل أزمته الوجودية الخاصة، يعبِّر من خلالها عن ذواتنا جميعًا، عن تشككنا الأبدي، وعن الوعي الخاص بذلك التشكك، بدءًا من توطئة الكتاب، إذ يطرح ذلك في استعارته من «المشاطرة الشكليَّة» لرينيه شار، قوله: «سَاحرُ الشَّك، لَيسَ لَدى الشَّاعرِ سِوى القَناعَةُ المُتَبَنَّاةُ. رمادٌ غَيرُ مُنجَزٍ دَائمًا».

تمثل القصيدة ذروتها الحميمية، لحظة الخلق التام، حيث يمكن لها امتلاك حياتها الخاصة لدى الشاعر، ومن ثم تبدأ دورة حياتها الخاصة لدى القرَّاء

كما يطرحه أيضًا عبرَ لغته الخاصَّة والمتفردة، التي تمثِّلُ خصوصية سفيان البالي، كما في قناعاته الشخصية، وعن إيمانه بالنظرية وحركة التغيير بالمجتمع، التي يعلنها بوضوح قائلًا:

«مَاريَان، حَلقةٌ

مُفرغَةٌ. والتَّاريخُ يُلملِمُ

ضَحكةً سَاخِرَة:

لا وجُودَ لحرَكةٍ

دُونَ نَظريَّةٍ».

هذا التشكك والتساؤل الوجودي لدى الشعراء غالبًا ما يكون أكثر عمقًا، وحده من ذلك الشعور الإنساني العابر هو يشكل جوهر القصيدة وذروتها، بل وانزوائها أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: نَفَسٌ طويل

هنا دورة حياة القصيدة هي دورة حياة شاعرها، أو بتعبير أكثر رومانتيكية: تمثل القصيدة ذروتها الحميمية، لحظة الخلق التام، حيث يمكن لها أن تمتلك حياتها الخاصة لدى الشاعر، ومن ثم تبدأ دورة حياتها الخاصة لدى القرَّاء، من خلال عملية إبداع موازية هي بإعادة تفسير الرَّمز، وتمثل رؤية المتلقي لما هو مشترك مع شاعرها، فتترك القصيدة محلها من حيث ما هي «واردٌ»، بالمعنى الصوفي أو الرَّمزي، إلى كونها جسدًا حيًّا. يعبِّرُ سفيان عن ذلك ببراعة، ومثالية أيضًا، حين يدفع بأن الكلمة وحدها تصنع الفرقَ لديه:

«وَحدَهَا هَذِه الكَلمَاتُ تَقعُ

وَحدَها الكَلمَاتُ تُحدِثُ الفَرقَ»

خَلاص الرَّمز وغواية التأويل

سفيان البالي في «أو كما تكلمت الشمس» نبيٌ من أنبياء المدن ومن أنبياء الكلمة، بالمعنى الرومانسي للعبارة، يدرك ذلك كما يتمثله في قصائده، فيقول في معرض رثائه لوالدته:

«صرخَاتُ النُّبوَّةِ

الجَنينيَّةِ، أسَمعتِها؟

قَبلَ أن يَصِلَ المُلوكُ الثَّلاثَةُ

كان السَّرطانُ قد تَحالَفَ بِموتٍ

بِيروقرَاطيِّ

ولم تَرينِي بعدَها

مُعلَّقًا

عَلى صَليبِ القَصِيدَة»

يلبس عباءة الأسطورة الدينية هنا؛ كأن الدنيا تبشر الأم بمقدم شاعرِ، المخلِّص بشكلٍ ما. لكن هل يؤمن سفيان بدور المخلِّص حقًّا؟ دورٌ ربما يعيد تجسيده عدة مرات داخل المجموعة الشِّعريَّة، وفي قصائد متنوعة يؤكدُ ذلك المعنى. لكن يأتي النبي والمخلص هنا امتدادًا لحالة الميلودراما الإغريقية. وبالرغم من المقاطع العديدة التي تنظر للشاعر كنبي ومخلِّص، هو يقدم ذلك بوصفه عبثًا قدريًّا تمامًا، مثل قوله:

«لَحمِي رَغيفٌ لَكم

ودَمي نبيذٌ لَكم

هَكذا تَكلَّمتِ الشَّمسُ

رَأسِي جَوزَةٌ يَكسِرُها القَلقُ

أَمدُّ يَدي إِلى المِطرَقةِ القَدِيمَةِ…

ها هو المينوتور قد غادر النَّفق»

ثم يعود ليقولَ:

«أَدينُ بِقَلبِي لهَيكَلِ مَدينَةٍ،

مُكعَّبُ إِسمَنتٍ،

أَجوفُ».

تلك المدينة ذاتها التي يرى الشاعر أنه نبيها، وأن المدينة الحداثية تلك تمثل الناصرة، والشاعر ما هو إلا مسيحها ومخلِّصها، ولا يتم ذلك الخلاص إلا بالتطهُّرِ التام، فيقول:

«أَنتزعُ الشِّعرَ لُبدةَ صُوفٍ

عَن سِدرةِ المُنتهَى

أُغازِلُ رَغبتِي في الغِناءِ

أُكفكِفُ دَمعَ المَدينةِ الثَّكلَى

وأَمسحُ النَّدَى عَن جَبينِ السَّماءِ»

ويُحيل الشاعر بعدها نظره إلى هؤلاء المساكين الفقراء من لا يملكون الكلمة، ولا شجاعة أن يكون لهم صوتهم الخاص، فـ«بجلِّلُهم باللَّونِ الأَصفرِ، أُولئِكَ الذين يُعارِضونَ القَصيدَةَ، ولَا يَملِكونَ صَوتًا واحدًا لسَدِّ الرَّمق».

بالتالي يُصبح طبيعيًا أن تتحول القصيدة عنده إلى غواية، وخلاص، وصليب يحمله الشاعر فوق ظهره موصومًا ومجللًا به في النهاية؛ لكن هل الكلمة نفسها التي يحمل عبئها الشاعر كافية؟

«أَطبقوا العِناقَ على الأرضِ

دَاهموا القَصيدَة بحثًا عن ظلِّكَ

لَم يجدوكَ!

جَسدًا أبيضَ

مُلتفًّا بِنشيدِه الشَّاملِ.

والصَّليبُ مِحراثٌ

حَيثُمَا أنتَ

يَتامى يَفلحونَ

بالجَدلِ المَاديِّ جِراحهُم.

وشُعراءٌ يَفلحونَ القَصيدَة».

سفيان البالي
الشاعر المغربي سفيان البالي

يعود سفيان نفسه رافضًا تلك الفقرة، نافيًا فيها أن الشعر بذاته لا يمكن أن يمثل خلاصًا حقيقيًّا، إنه غواية بالأحرى، أو ربما، كما أشرنا هنا، يعاود الشاعر سؤاله الوجودي بصورة أخرى، عن جدوى القصيدة أو محدودية تأثيرها، ربما يمكن أيضًا تشبيه هذه الحالة بتلك الوجودية لبطل مسرحية صلاح عبد الصبور «ليلي والمجنون»، الذي كان (أي بطلها) الشاعر يؤمن بنبوة الشاعر، وفي الوقت نفسه بعدم جدوى تلك النبوة، فيقول عبد الصبور:

«لا أملك أن أتكلم

فلتتكلم عني الريح

لا يمسكها إلا جدرانُ الكون

لا أملكُ أن أتكلم

فليتكلم عني موجُ البحر

لا يمسكه إلا الموتُ على حبات الرمل

لا أملكُ أن أتكلم

فلتتكلم عني قمم الأشجار

لا يحني هامتَها إلا ميلادُ الأثمار

لا أملك أن أتكلم

فليتكلم عني صمتي المفهم».

في المقابل يقول سفيان:

«المُفرَداتُ تجرحُ المَعنَى، كَأن تَنطِقَ

الضَّحيَّةُ: نَفسِي والقَضيَّةُ

خَفقَةُ جَناحَي فَراشَةٍ

تُصارِعُ الله على حُدودِ المَدَى».

فبينما يلجأ نبيّ صلاح عبد الصبور للصَّمت، يظل مأزق سفيان أكثر رُعبًا وهو يتحدث عن اللفظ وكأنه خيانة للمعنى. ربما ذلك مفهوم، كون اللغة ليست بريئة ولا محايدة بالضرورة، وما أقصى ما يمتلكه الرمز عن الفكرة المجردة، هنا تأتي غاوية التأويل وتكمل المفارقة.

كما أن ذلك التأويل هو ما يجعل من قراءة الشعر عملية متجددة، ويمنح النص الأدبيَّ وجوده المستقل عن وجود الشاعر؛ يموت الشاعر وتبقى القصيدة، والموت هنا هو الغياب المؤقت المتوالي الذي يمنح الحياة صيرورتها:

«هذه البِلادُ التي لا أَملِكُ، هذا القَبرُ الذي أَتبادَلُ

وإيَّاهُ الأدوارَ/الأماكِنَ. لُعبَةُ الوجُودِ الطُّفوليَّةٌ،

مُنحنَيانِ صَاعِدانِ/نَازِلانِ: بَشرِيٌّ يَنقَرِضُ

وطُحلبٌ يُمارِسُ عاَدتهُ السِّريَّةَ؛

إعادَةَ إنتَاجِ ظُروفِ الإنتَاجِ»، كما يقول.

إن البنية الشعرية لدى سفيان البالي لوحة فسيفساء؛ حيث يتم تشكيل الرمز عبر مجموعة من الصور، قد تبدو للوهلة الأولى متفرقة، بينما هي تشكل تجربة شعورية؛ بحيث تجد نفسك أحيانًا بحاجة الي إعادة قراءة النص داخل سياقه، حتى يمكنك أن ترى تلك الصورة الكاملة، أو تصنع تأويلك الخاص.

البنية الشعرية لدى البالي لوحة فسيفساء؛ حيث يُشكيل الرمز عبر مجموعة من الصور، قد تبدو للوهلة الأولى متفرقة، بينما هي تشكل تجربة شعورية

هي قصيدة عصيَّة إذن حتى على شاعرها، حتى وإن حملت الغواية، ربما يمكنه هو تفسير ذلك، أو لا، في النهاية التلقي هو جزء من العملية الإبداعية ذاتها، وسفيان يعدك بأن عبور النص هنا لن يكون عبورًا آمنًا تمامًا:

«أَطردُ إِغرَاءَ الشِّعرِ عن المَدينَةِ

وأَكتُمُ السَّببَ عن قَارئٍ يَعبرُ القَصيدَةَ

مِساحَةَ لُغزٍ، حَقلَ ألغامٍ»

مشروع اللُّغة في «أو كما تكلَّمت الشمس»

أؤمن بشكل كبير بأن العملية الإبداعية إن اتسمت بالقصدية أصبحت ذات نزعة خطابية جوفاء، أو في أحسن أحوالها تصبح دربًا من دروب استعراض المهارة لدى الشاعر؛ لكن في المقابل العمل على إنتاج متن كامل من مجموعة قصائد، هو عملية بنائية يقصد بها نقل حال عامة أو مشروع لدى كاتبه. وإن لم يتحقَّق ذلك، تصبح مجموعة الأشعار تلك أقرب لقصائد الطفولة منها إلى النضج الشعري.

وربما هنا تجب الإشارة أن سفيان تمكَّن بشكل كبير من تلك البنائية، فالمتن يشكل مشروعًا شعريًّا بدءًا من اختيار الاسم: «أو كما تكلَّمت الشمس»، والذي لا يخفى اشتقاقه من «هكذا تكلَّم زرادشت»، وتأثر الشاعر، بشكل ما، بنيتشه، يبدو واضحًا. لكن الشاعر ينتصر لنفسه في النهاية، فيقول:

«ويَموتُ نِيتشَه، كمَا الله،

في نِهايةِ الأسطورَةِ».

وهنا يبقي ملمحان أساسيان آخران داخل «أو كما تكلَّمت الشمس»:

الأول، والذي سبقت الإشارة إليه، هو فسيفساء النص، بحيث إنه كثيرًا ما يمكنك النظر إلى المقاطع الصغيرة التي تشكل النص الأساسي بوصفها قصائد مستقلة، تشبه في بنيتها قصائد «الهايكو» الياباني، وإن اختلفت من حيث نظرتها؛ فالهايكو النابع من فلسفة الزن اليابانية، والذي ينظر للأشياء بشكل مجرد، لا يناسب قصيدة سفيان التي تسقط الأشكال في البحث عما هو خلفها. ربما هنا يمكن أن نقول إن القصائد ذات نزعة سريالية واضحة.

اقرأ/ي أيضًا: أشياءُ تقع

الثاني، هو التجربة الحسية وحضور الجسد. لكنه يبدو أيضًا حضورًا قلقًا، محكومًا بتلك التجربة الشعورية المباشرة، بأن هذا الحسي ربما يمثل مساحة للاكتشاف أو الفرار من العالم بصورته المادية المفرطة، كما في قوله:

«الأنثَى تَجربَةٌ،

من سَاديَّةِ أوغُست كُونت،

إلى الحَتميَّةِ الثَّائرةِ.

الأنثَى تَجرِبةٌ»

ورغم تلك التجربة فإنها نابعة من محاولة الانتصار على فكرة القداسة التي تجلِّل الجسد في الثقافة المجتمعية، فيصرٍّح الشاعر برأيه:

«الحَميميَّةُ ليسَت إلا لُعبَة

من بَينِ الألعابِ

برَّاقة، طُفوليَّة

ها هو ذا العُريُ يَقبرُ الكَلمةَ

والجَسدُ المُثلَّثُ يَفقِدُ قَداستَهُ»

أو ربما التجربة الشعورية وحدها لا يمكن أن تصمد في وجه تلك التجربة الحسية، حتى وإن كانت مدفوعة بتسليع الجسد ذاته، فربما في عصر الرأسمالية كل شيء هو سلعة بصورة ما:

«فِيكتُوريَا وَحدَها تَعرِفُ

السِّر:

لا حُبَّ خَارِج حُدودِ

مُخمَل السِّروالِ القَصِيرِ»

في النِّهاية يمكن الإيجاز بأن الديوان بشكل عام هو حالة متكاملة، مبنية بشكل أساسي ليس فقط على موهبة شعرية، بل أيضًا على ذلك الإدراك العميق لمفهوم الشعر بوصفه مشروع لغة. يحضر هذا المشروع في متن سفيان البالي بملامح بنائية قوية جدًّا، ورغبة في التجديد هي الأخرى مبنية على ذلك الفهم:

«هَكذَا يُولدُ الشِّعرُ؛ لَقيطًا

لأمٍّ هِي اللُّغةُ وأَبٍ هو مِئاتُ الشُّعراءِ».

محمد رجب

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنظر أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى