ثقافة وفنمختارات

الزار الحبشي.. الرقص مع الآلهة الكوشية!

 

تَتَساقط حُبيبات العرق من على جباه الراقصين وهي تَغسلُ غُبار الحزن والشقاء، تُرَمِّم الجسد وتشحنه بحيوية وبساطة، تدور كؤوس “الطج”(1) (خمر محلاة، مصنوعة من العسل) تروي ظمأ أرواح الأسلاف. الآن تعم البهجة وتلقي بظلالها على الفضاء المعبق بطيوب البخور، فتنطلق النسوة من تكبيل العادات نحو عالم فسيح بالغرائب والمسرّات.

سُلْطانة الزَار

تختلف عملية استِحْضار الأرواح من منطقة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر على حسب المسميات والطقوس المكونة للمكان، كما أن هذا الاختلاف نابع من الخلفية التاريخية التي تستمد كل منطقة منها ما يشبه ذلك العالم الغريب الذي يُستدعى من الأسلاف والأسيَاد والأولِيَاء، ومن أشهرهم:  السُلطانة “مَارِيَّ”، “أباي مِدجِي)”، “هَظَيّ مِنِليك”، “أباي بُرُوه”، “أباي بَلُوم”.

عند الأحباش، عادة ما ترتبط هذه المسميات بقدسية المسمي. فـ”أباي” تعني العظيم، ومن هنا نجدها كلها مسبوقة بهذا الاسم كدلالة على عظمته. كما أن تلبية طلباتهم تكون بتقمص المرضى لأرواحهم، الأمر يؤدي إلى الشفاء بطرد الأرواح الشريرة.

أسطورة متوارثة

تحكي الأسطورة  في هضبة الحبشة  أن “آدم وحواء أنجبا 30 طفلاً، وقد شرعت حواء لحماية أجملهم من الحسد الإلهي، بإخفاء 15 منهم في جنة عدن، فغضب الله عليها، وكان جزاء ذلك أنهم سيبقون غير مرئيين إلى الأبد، فأصبحوا أسلافًا للأرواح الغاضبة التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها.

كما يَظهرُ الخمسة عشر الباقون من الأسلاف الخيرين للبشرية، من خلال أدوراهم في جلسات الزار بهدف طرد الشر”.

تُرجِّح الكثير من الروايات أن الزار طقس احتفالي موروث من الحضارة الكوشية، وإليها يعود أصل الكلمة جار “Djar” التي تعني “الإله”، وهي مستخدمة حتى  يومنا هذا في عمق إرتريا وإثيوبيا بلغة (الأقو) و(البلين) اللتين تعودان إلى اللغات الكوشية القديمة على أرض إثيوبيا منذ عهود ضاربة في القِدم.

أعراض الزار

الأعراض الفسيولوجية الأكثر شيوعًا التي تبدو على المؤدين للزار تتمثل في الصداع والخمول، وعدم المقدرة على النطق، والعجز عن الحركة، علاوة على نوبات انفصامية تشمل الصراخ والضحك والغناء والبكاء!

شكل الأداء

يشكل “الأمهرا” غالب الكهنة، وهم الركن الأساسي في أداء الزار، لخبرتهم بكيفية التعامل مع الأرواح الشريرة واللغة المحددة للطقس.

يتعَرِف الكاهن عبر خطوات متعددة تعقُب سَقي الملبوس ماء الورد. بعدها تعم المكان أبخرة متنوعة حتى تتم عملية الاستحضار، ثم تُحَدَد هُوِية السيَّد لتبدأ المراسم بتقديم القربان، وانتهاءً بالإيحاء للمريض برضا الأسياد.

تتضمن الطقوس قربانًا يحدده الكاهن  في جوٍ معبق بأنواع من البخور تشمل: الجاوي، العدني، الكركاوين، الأردل. ومن ثم يبدأ الغناء والضرب على الدفوف والطبول، فتدور مجموعات من الحضورالمشاركين حول الملبوسة لتبدأ الرقصات ببطء وتناغم ثم تصل متدرجة إلى الاهتزاز الشديد، كما أن أجسادهن تنفلت متحررة.

يستمر هذا الطقس حتى تسقط الملبوسة وتبدأ بالصراخ، ومن ثم يبدأ الكاهن الحوارالروحاني وهو يستدعي الأسلاف ليحددوا طلباتهم.

في هذا الطقس تُحدَّد أنواع الطعام والموسيقى والأغاني والعطور والملابس، وهي شروط واجب تنفيذها إرضاءً للأرواح.


أسِحْر هو؟

يختلف الزار عن السِحر والمَس، وذلك لأن الأرواح  هي التي تختار محظيتها وتمس الفَرَسَ.  في الغالب تتوارثها الأحفاد، عندما تتواءم المحظية -الفرس- وتنفذ طلبات السيد، فتصبح روحه معبرة عنها لتتواصل مع بقية الأرواح العلوية، ما يُمكّنها من الكشف على المرضى والمسحورين وعلاجهم.

هجرة الزار

الموطن الأصلي للزارهو إثيوبيا، ومنها انتشر في السودان ومصر وبعض البلدان العربية في فترات مختلفة.

وتختلف الطقوس من مكان لآخر في معظم  أنحاء القارة الإفريقية التي ينتشر فيها الزار بكثافة، وتشكل النساء الغالبية الأعم على الرغم من أن هذه المناطق تشترك في بعض أوجه التشابه الثقافي.

وتتكون دائرة الزار من أركان أساسية وهي: الرئيسة في أداء الطقوس، ولها نائبة تتولى مراقبة الحفل وضبطه، والحفاظ على نيران البخور مشتعلة، وتوجيه المساعدين.

يرتبط الزار عمومًا بمجتمعات ثقافية محلية تتوارثها من البيئة الحياتية التي تختلف من مجتمع محلى إلى آخر فمناطق الغرب: بني شنقول مرتبطة بالسودان وبالإرث الصوفي الإسلامي والتي لها امتداد الى النوبة والصعيد في جنوب مصر، وهناك تنتشر تسمية شيخ أو شيخة زار، أما في مناطق الوسط والشمال فيرتبط الزار بالقساوسة والكنيسة الأرثوذكسية المعالجين الذين يُعرَفون بدبترا (قسيس يعالج بممارسة الطقوس السحرية).

وتتشابه طقوس الزار المنتشرة في مصر والسودان وإثيوبيا وإريتريا، خاصة في ما يتعلق بطرق الرقصات، والإيقاعات المتقاربة، إضافة إلى الاعتقاد السَائِد بِطَرد الأرواح الشِريرة، وهو العامل الرئيس في طقوس الزار.

ولا يزال يشكل الزار في إثيوبيا واحدة من الطقوس السائدة إلى يومنا هذا، ويحظي باهتمام الكثيرين منهم.

 

حسن إدريس الطويل

صحفي أريتري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى