وجهات نظر

الساحة السعودية مسرح لمغامرات الجهاديين؟

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

 

تعايش الدولة السعودية في السنوات الأخيرة جملة من التحولات السياسية والمجتمعية التي أضحت مثار نقاش داخل المملكة وخارجها، في حين امتدت أثارها لتثير جدلاً واسعًا في دوائر صنع القرار الغربي الذي اعتبرها إعلان إنهاء لهيمنة الإسلام المحافظ على الرؤى المتنوعة للدولة السعودية، وخاصة السياسية والمجتمعية، ذلك بعد أن لفظت وهابيتها -لقديمة- وعملت على تدشين مشهد على النقيض من سالفه، أكثر ليبرالية وتحررية في آن معًا.

يمكن التأريخ لهذا التحول مع صعود نجم الأمير الشاب محمد بن سلمان، الذي نجح لحد بعيد في دفع الشباب إلى صدارة المشهد الإصلاحي بالمملكة، بعد أن قدم حزمة من الإصلاحات المهمة على كل المستويات وخاصة في المجالين الديني والمجتمعي، نحو ما أسماه الإسلام المعتدل، بعد أن رزح تحت وطأة الإسلام شديد المحافظة -حسب وصفه- ردحًا من الزمن، كان على رأس تلك الإصلاحات إعطاء المرأة السعودية الفرصة لممارسات حُرِمت منها على مدار عقود كالسماح لها بقيادة السيارة، وغيرها من الأمور التي تعكس حجم التحولات التي تعيشها المملكة.

القاعدة والماضي القريب

شهد مطلع الألفية الثانية الذي عايش ذروة صعود تنظيم القاعدة -تحت إمرة أسامة بن لادن قبيل مقتله- ضغطًا جهاديًّا قاعديًّا على المملكة، وبين العامين 2003 و2007، نفّذ التنظيم مجموعة من العمليات الجهادية ما بين تفجير وخطف وإطلاق نار في أرجاء المملكة بذريعة تحالفها الأمني والسياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية.

القاعديون غالبهم في تلك الفترة كانوا قد تلقوا تدريبات عسكرية، وشاركوا في القتال في أكثر من صعيد جغرافي انطلاقًا من أفغانستان وباكستان ثم العراق، وتحت لافتة مواجهة الصليبيين في أرض الحرمين كان استهداف الوجود الأمريكي في المملكة على رأس أهداف التنظيم، ومن بين أبرز الاستهدافات كان تفجير المجمع السكني لشركة فينيل الأمريكية عام 2003، في حين سارعت الدولة السعودية في إحكام قبضتها الأمنية وتشديد الإجراءات على القادمين من الخارج، خاصة القادمين من أماكن النزاع أو الجهاد كما تعرفها أدبيات التنظيمات الجهادية، وخاصة العراق وشنت حملة من الاعتقالات حتى باتت السجون السعودية بحلول عام 2011 أي مع بداية اندلاع الثورات العربية تضم آلاف المعتقلين.

في خضم هذا الضغط والتضييق انتقلت القاعدة نحو تأسيس فرع لها في اليمن تحت مسمى “القاعدة في جزيرة العرب” في بداية عام 2009 وحاولت اغتيال ولي ولي العهد السعودي آنذاك محمد بن نايف، عندما كان مساعد وزير الداخلية، إلى أن نجحت في التوغل داخل المملكة عام 2011، وتسديد بعض الضربات بالداخل.

داعش: الخطر الصاعد

من رحم التنظيمات الجهادية، وتحديدًا القاعدة، خرج تنظيم الدولة الإسلامية داعش، الذي يعد أحد تجليات الأطوار التكوينية للجهادية الإسلامية خلال العقود الأربعة الأخيرة، في حين نظرت المملكة العربية السعودية إلى الانتصارات التي أحرزها التنظيم، خاصة بعد تموضعه العسكري والمجتمعي في جغرافية كل من العراق وسوريا وتحديدًا في مدينتي الرقة والموصل عام 2014، على كونه يمثل خطرًا كبيرًا عليها، في ظل الحديث عن سفر ما يزيد على 2000 سعودي للانضمام إلى الجماعات الجهادية هناك، وتحديدًا تنظيم الدولة وجبهة النصرة -قبيل تحولها إلى هيئة تحرير الشام- ما دفع المملكة للمسارعة بالانضمام إلى التحالف الدولي للقضاء على تنظيم “داعش”.

وبالتزامن مع ذلك بدأت تأثيرات صعود التنظيم تجذب قطاعات لم يسعفها السفر إلى ميادين القتال في العراق وسوريا، وركزوا عملياتهم في الداخل السعودي، وبالفعل ومع حلول عام 2014 بدأ اكتشاف سلسلة من الشبكات التي باتت تتشكل لإعلان الولاء للتنظيم ومبايعة الخليفة أبو بكر البغدادي –أمير التنظيم السابق قبيل مقتله– ومن ثم زُجَّ بهم إلى السجون والمعتقلات التي صارت تضم تنظيمات جهادية تتأرجح بين القاعدة وداعش ورموز إسلامية سلفية أخرى وأنصارهما، وقد هدد التنظيم في أكثر من مرة بتدمير السجون السعودية وتحرير أسراه الدواعش، خاصة بعد سلسلة الاعتقالات المتصاعدة لأنصاره والمتعاطفين معه، ومن ثم إعدام الكثير منهم.. وكانت الحادثة الأبرز لتنظيم الدولة في الداخل السعودي خلال السنوات الخمس الماضية، الاعتداء على مجموعة من المصلين الشيعة في محافظة الإحساء شرق المملكة، وقد أعلن التنظيم مسؤوليته عنها في بيان أعقب الحادثة.

حادثة جدة وإعادة تموضع داعش

جاء إعلان تنظيم داعش عن استهداف تجمع لعدد من قناصل الدول الأوروبية في إحدى المقابر وسط مدينة جدة، على هامش حدث أقامته سفارة فرنسا بالمملكة، بعد أن نفذته مفرزة أمنية تابعة للتنظيم، وفق ما ورد في بيان رسمي نشرته وكالة أعماق التابعة لداعش، لتضع الدولة السعودية على أعتاب مرحلة جديدة في سياق المواجهة بينها وبين تنظيم داعش في الداخل السعودي، بعد أن فقد التنظيم في السنوات الأخيرة أهم حواضره في الموصل والرقة عقب خسارته وتراجعاته الجغرافية والعسكرية “الميدانية”، وصار غير قادر على الاشتباك المباشر مع النقاط الأكثر حساسية وشائكية في الداخل السعودي، خاصة التجمعات الأجنبية.

في الواقع كان تنظيم الدولة إلى وقت قريب وعلى عكس تنظيم القاعدة يفتقر لوجود شبكة تنظيمية حقيقية تجمع أعضاءه داخل المملكة، في حين اتسمت المحاولات بكونها تفتقر إلى العمل الجماعي المنظم، وكانت بالأساس تخضع للعمل الفردي أو يقوم بها في الغالب من يطلق عليهم “الذئاب المنفردة”.

حاول التنظيم خلال الأعوام الأخيرة ابتكار وسائل جديدة للوصول إلى شرائح مختلفة من الشارع السعودي، وجذب قطاعات واسعة منه، وكانت من أهم تلك الوسائل البارزة والأكثر فاعلية وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدًا Twitter الذي يعد الوسيلة الأكثر انتشارًا في الداخل السعودي، حيث يعد السعوديون أكثر مستخدمي تويتر نشاطًا في العالم العربي بـ4.8 مليون مستخدم، حتى شكل المستخدمون 40 بالمئة من إجمالي التغريدات في العالم العربي وفق إحصاءات بيانية لعام 2019.

اعتمد التنظيم في مواده التفاعلية على منصة “تويتر” خلال الاشتباك مع التحولات التي تعايشها الدولة السعودية في السنوات الأخيرة، منذ تبنى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نهجه الإصلاحي، وبدأ في توظيف المنصة لصالحه معتبرًا الإصلاحات محاولات لطمس الهوية الإسلامية للمملكة، وتحت لافتات عدة أبرزها “القضاء على جذوة التوحيد في بلاد الحرمين، محاربة دين الله، جعل البلاد رهن إشارة الصليبيين، التخلي عن المظاهر الدينية، موالاة اليهود والنصارى…” وغيرها. هذه الإدعاءات مثلت متكأً لخلق سياق فعال يسهم في تجنيد وتوظيف عناصر التنظيم داخل المملكة، والذي كانت حادثة جدة الأخيرة بلا شك إحدى تمثلاته، خاصة وأن التنظيم أعلن أن مفرزة أمنية تابعة له تولت تنفيذ هذه المهمة الأكثر صعوبة.

ويعني ذلك أن ثمة تطورًا لحق بشبكة التنظيم -التي أخذت طورًا مغايرًا أكثر دقة من سابقه– يزيد من خطورته ويعطي رسالة مهمة مفادها أن داعش انتقل إلى مرحلة التأسيس الفعلي لكينونتها في الداخل السعودي، معتمدة على سياق سياسي ومجتمعي وديني ينزع عنه ثياب الإسلام المحافظ ليرتدي ثوبًا آخر ينزع نحو التمدن والليبرالية، وهو ما لا يعجب بلا شك الكثير من الدوائر المحافظة في البلاد، ما يمثل حاضنة رئيسة لنمو التشدد والتطرف في ظل نمو السخط حيال تحولات الإصلاح الجارية على قدم وساق في الداخل السعودي، على اعتبارها –من وجهة نظر رجعية- لا تتسق والبنية المجتمعية السعودية الخليجية المحافظة.

مهمة الجهاديين الجديدة

في الوقت الذي يشهد سجالاً بين كل من تنظيمي القاعدة وداعش على الأصعدة العسكرية والسياسية والفكرية كافة، نجد تقاربًا كبيرًا في المواقف العدائية تجاه المملكة العربية السعودية.

ولقد ركزت الأدبيات الداعشية في الآونة الأخيرة وخطابات قادة التنظيم في الدعوة على استهداف الدولة السعودية مباشرة، ما يؤكد على ضرورة الانتباه لمثل هذه التهديدات، فرغم حالة الإرباك التي تشهدها القاعدة في ظل حديث عن مرض ثم وفاة الأمير الحالي للتنظيم الطبيب المصري أيمن الظواهري، لا تزال تمثل خطرًا لا يمكن القفز عليه أو التهوين من قدرته على شن الضربات، ففي ظله تصير الأرض السعودية مسرحًا جديدًا للتنظيم تزداد عليه حدة التنافسية، في محاولة كل طرف منهما إثبات قدرته على التموضع مجددًا وبنحو أقوى في الداخل السعودي.

 

 

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى