الساحل الإفريقي موعدنا

أنقرة- باريس في لعبة "كِشّ ملك"

قبل أيام، صادق البرلمان التركي على مذكرة رئاسية بشأن تمديد سلطة الحكومة لإرسال الجيش في مهام أممية إلى مالي وإفريقيا الوسطى، وهو القرار الذي أعاد طرح تساؤلات قديمة متجددة تستهدف الوقوف على أبعاد الاهتمام التركي بمنطقة الساحل والصحراء الإفريقية، والمقاربة التركية إزاء هذا الإقليم المهم، وموقع هذه التحركات والمساعي التركية في إطار ما يعرف بفكرة “العثمانية الجديدة”، وما يتربط بها من رؤى وسياسات خارجية.

عزز هذه التساؤلات كون القرار قد جاء بعد فترة من قرار البرلمان التركي إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، إثر توقيع مذكرتي التفاهم بين تركيا وحكومة فايز السراج في العاصمة الليبية طرابلس، للتعاون الأمني والعسكري بين الطرفين، ولتحديد مناطق النفوذ البحري في البحر المتوسط وفقًا لما جاء في المذكرتين، والاتفاقية العسكرية التي وقعت مع النيجر في يوليو/تموز المنصرم، وكذلك الجولة الأخيرة لوزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” لدول توجو وغينيا الاستوائية والنيجر.

وهي الزيارة التي أعلن خلالها عن افتتاح سفارة لبلاده في كل من غينيا الاستوائية وتوجو، موضحًا أن عدد سفارات تركيا في إفريقيا بلغ 43 سفارة، ثم الزيارة الثانية التي تلتها لدول مالي وغينيا بيساو والسنغال في سبتمبر/أيلول الماضي.

الساحل الإفريقي
سياق مضطرب

ووفقًا للمذكرة، فقد جرى تمديد فترة التفويض لمدة عام واحد اعتبارًا من 31 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، كما أُشِيرَ إلى أن تركيا “تلقت دعوة من الأمم المتحدة لمواصلة المشاركة في بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد، لتحقيق الاستقرار في مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى”.

وكان البرلمان التركي قد منح الحكومة في أغسطس/آب 2016 الصلاحية للمشاركة في مهمات هذه البعثة بحيث يكون التجديد سنويًّا.

يأتي قرار التمديد في ظل حالة العزلة التي تعيشها تركيا، وذلك في ظل السياسة الخارجية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي تحولت بتركيا من “صفر مشكلات” إلى “صفر أصدقاء”، فقد أوقعت هذه السياسة التصادمية تركيا في العديد من الأزمات وفتحت عليها جبهات عديدة، حيث توجد خلافات عميقة مع الإدارة الأمريكية الحالية، كما أن العلاقات مع موسكو تشهد ضبابية وغموضًا شديدين مع تصاعد الخلافات في وجهات النظر إزاء العديد من الملفات المشتركة.

أضف إلى ذلك الصدام مع حلف الناتو، والسياسة التصدامية في شرق المتوسط، وبطبيعة الحال الصدام مع دول عربية ودولية من جراء سياسات تركيا في ليبيا والعراق وسوريا، وصولاً إلى التداعيات السلبية والخسائر الكبيرة المتوقعة جراء التدخل الفج في الأزمة بين أرمينيا وأذربيجان، حيث الدعم التركي لأذربيجان على حساب أرمينا وإرسال مقاتلين وإشعال الصراع.

أردوغان

 وأخيرًا جاء قرار تركيا إعادة فتح ساحل مدينة فاروشا في جزيرة قبرص المتنازع عليها، وهي الخطوة التي من المتوقع أن تثير جدلاً وصراعًا كبيرين.

وبالتالي يأتي قرار البرلمان التركي بالمصادقة على المذكرة الرئاسية بشأن تمديد سلطة الحكومة في إرسال الجيش في مهام أممية إلى مالي وإفريقيا الوسطى، في سياق دولي مضطرب بالنسبة إلى تركيا، فضلاً عن السياق المحلي المرتبط بأزمة كورونا، والأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، بجانب الأزمات السياسية الأخرى المرتبطة بسياسات النظام الداخلية والتي تنتهج القمع وتكميم الأفواه.

ولا يمكن فصل قرار البرلمان التركي عن التحركات التركية في ما يتعلق بالملف الليبي، خصوصًا منذ توقيع اتفاقيات التعاون الأمني مع حكومة السراج، إذ ترى أنقرة في ليبيا مدخلاً مهمًا يسهم في تعزيز حضورها في منطقة الساحل والصحراء، وهي المساعي التي تقف خلفها مجموعة من الدوافع، وترتبط هذه التحركات ببعد أيديولوجي، وهو المتصل بفكرة “العثمانية الجديدة” وتأثيره في صياغة السياسة الخارجية التركية في عهد أردوغان.

أردوغان والسراج

والسعي في ضوء ذلك إلى التحرك في ضوء إرث الإمبراطورية العثمانية وتعبيرًا عنه، واستهداف لعب دور أكبر في النظام الدولي، وتوسيع مساحات التحرك والنفوذ.

وتعتبر منطقة الساحل والصحراء مهمة بالنسبة إلى تركيا لكونها ورقة ضغط على العديد من خصومها، كما هي الحال بالنسبة إلى مصر وفرنسا على سبيل المثال، حيث السعي للعب أدوار أكبر في ملفات ليبيا والمتوسط والساحل والصحراء، ومزاحمة هذه الأطراف في مساحات حضورهم بما يضمن ضغطها على هذه الأطراف التي تشكل التحالفات المضادة لتركيا وسياساتها العدوانية في هذه الملفات، وبالتالي مساومتهم بعد ذلك من خلال أوراق الضغط هذه.

وهذا هو ما تجسد من خلال مساعي أنقرة للحضور القوي في ليبيا خصوصا في منطقة الغرب الليبي، والتحالف مع حكومة الوفاق والسيطرة عليها (ما يمثل تهديدًا لمصر). وفي ذات السياق يأتي سعي أنقرة لفتح آفاق تواصل وتعاون مع النظام المالي الجديد، الذي يسيطر عليه مناوئون للرئيس المخلوع المدعوم من باريس، التي دخلت في خلافات حادة مع أنقرة.

وبالتالي بدأت أنقرة في نقل معركتها مع فرنسا من ليبيا وشرق المتوسط إلى منطقة الساحل والصحراء.

أيضًا تستهدف تركيا من مساعيها وتحركاتها في إطار منطقة الساحل والصحراء، فتح وتوسيع آفاق تعاونها مع دول هذه المنطقة والدول الإفريقية ككل، فضلاً عن توسيع التعاون مع الاتحاد الإفريقي، وهي الأمور التي ترى فيها تركيا أنها تضفي شرعية على حضورها وتحركاتها.

أردوغان بالزي العسكري

وبطبيعة الحال لا يمكن فصل هذه التحركات عن مساعي أنقرة تأمين مصالحها الاقتصادية في إفريقيا، فضلاً عن تشكيل مصالح اقتصادية جديدة تعزز حضورها وتثبت أركانه.

كل هذه الأمور تخدم السياسة الخارجية التوسعية لأنقرة وتظهرها بمظهر القوة الإقليمية والدولية الفاعلة.

توسع مُموّه

تنتهج تركيا مقاربة تقوم على آليات عديدة تعزز حضورها في منطقة الساحل، منها استغلال حاجة دول الإقليم والظروف السيئة التي تعيشها هذه البلدان، وهي الظروف التي تتفاقم بفعل موجات الإرهاب والجريمة المنظمة.

وتعبر عن هذه الآلية أنشطة وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) والتي نفذت وتنفذ العديد من المشروعات في دول المنطقة مثل تشاد والنيجر وغيرهما.

وتُتهم الوكالة بأنها “تشكل ستارًا للعمل الاستخباراتي وللتجنيد وتمويل التنظيمات الإرهابية”، كذلك يوجد عدد من المنظمات التركية الفاعلة في الإقليم كالهلال الأحمر التركي، واتحاد الجمعيات الإنسانية التركية.

وتركز المقاربة التركية في الإقليم وفي القارة السمراء ككل على البعد الديني والثقافي، حيث يستغل الطرف التركي حالة السخط التي تشهدها هذه المجتمعات، خصوصًا تلك التي توجد بها غالبية مسلمة، نتيجة للظروف التي يعيشونها وفي ظل صعود ثقافة “المؤامرة على الإسلام” كآلية لتفسير هذه الأوضاع.

وينعكس هذا على النظرة للقوى الغربية والفاعلة في المنطقة، فتتبنى تركيا خطابًا يعزز هذه الحالة ويعادي الممارسات والسياسات الغربية ويؤجج مشاعر المسلمين، أضف إلى ذلك نشاط مؤسسة المعارف التركية التي تملك 23 فرعا في إفريقيا، وهي المؤسسة التي تُتهم بأنها تمثل الأداة التسويقية للنظام التركي من خلال تقديم الخدمات والإستراتيجيات التعليمية.

ماكرون وأردوغان
استثمار في الأزمات

تتبنى تركيا مقاربة تقوم على عدد من الآليات تجاه منطقة الساحل الإفريقي، وتقوم هذه المقاربة بالأساس على أفكار “استثمار الأزمات”، وهو ما تجسد في توطيد أنقرة علاقاتها بدول مثل النيجر، وتشاد، ومالي، وبوركينا فاسو وموريتانيا، وهي دول تواجه أزمات عدة على غرار انتشار الجماعات الإرهابية فيها، وتفشي الفقر والمجاعة، والصراعات القبلية والعرقية والإثنية، وغياب التنمية وفساد الأنظمة.

وتتبنى تركيا كذلك إستراتيجية “تصفية الحسابات” مع خصومها الرئيسين والذهاب لمناطق حضورهم ونفوذهم ومزاحمتهم فيها، خصوصًا فرنسا، التي تعتبر منطقة الساحل منطقة نفوذ بالنسبة إليها، وهو ما يمكن اعتباره رد فعل من أنقرة تجاه باريس بعد الخلافات الحادة في عدد من الملفات كملف الانضمام للاتحاد الأوروبي، وكذلك الموقف في الأزمة الليبية، وملف شرق المتوسط، وبالتالي تستهدف تركيا نقل الصراع مع فرنسا إلى منطقة الساحل الإفريقي.

في هذا السياق، تزيد فرضية حدوث صدام تركي – فرنسي، وهو سياق في كل الحالات يرتب تداعيات كارثية على شعوب ودول منطقة الساحل التي تعاني بطبيعة الحال من ظروف وأوضاع كارثية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تحليل

محمد فوزي

باحث في الشؤون السياسية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search