الست والمليجي ومارادونا.. تأملات في تنفيذ المستحيل

مصطفى علي

كاتب مصري

من وحْي الست..

في إحدى حلقات برنامجه الإذاعي “غواص في بحر النغم” كان الموسيقار عمار الشريعي يحلل أغنية “فاكر لما كنت جنبي” لـ”أم كلثوم”، وتحدث “عمار” عن الإعجاز في صوت الست ولجأ إلى شرح مبسط حول الكيفية التي يعمل بها العقل البشري وبرر لماذا نحكم على صوت بأنه صاحب إمكانيات وعلى آخر بالضعف، وقال إن الأمر الذي يصدر من المخ لعضلات الحنجرة والأحبال الصوتية وتجاويف الجهاز الصوتي يكتمل تنفيذه مع الأصوات المعجزة فورًا في زمن يكاد ينعدم عند أم كلثوم مثلاً، أي إن إمكانيات جهازها الصوتي لا تحتاج إلى وقت لتلقي الأمر ومن ثم تنفيذه ليصير في حيز الوجود المسموع متخطيًا حيز كونه أمرًا برمجيًّا أصدره المخ، فالعملية هنا لا تتعامل مع الزمن، بل مع انعدامه، لذا تحدث المعجزات التي نسمعها من الست، والتي تحيّر فيها كل مستمعيها ومحللي صوتها الفذ.   

إلى وحْي أبو سويلم..

خلال تصوير فيلم “الأرض” طلب المخرج يوسف شاهين من الممثل محمود المليجي دمعتين مُعلّقتين على عينيه، فضلاً عن شعور لا يوصف بالهوان والذل على وجهه، فاستدعى “المليجي” اللحظة دون جهد أو وقت إعداد، كان أسرع الممثلين استحضارًا للشخصية.. “أبو سويلم” العائد من مهانة حلق شاربه، صار مشهده ذاك من علامات فن التمثيل العربي على مر العصور، صامدًا أمام أكثر مشاهد السينما العالمية خلودًا.. ليس بسبب القدرات التمثيلية فقط، وإنما بفضل السرعة التي يستدعي بها الممثل طاقته العالية تلك في ما يشبه اللا لحظة.. الآن.. نعم الآن.

وعن هذا المشهد قال المخرج يوسف شاهين: “المليجي عمل اللقطة من أول تيك، بس اضطريت أعيدها 7 مرات بسبب عيوب أخرى، وكانت دهشتي أن المليجى فى السبع إعادات كان يضبط إحساسه تمامًا، حتى اللحظة التي تتعلق فيها الدمعتان”. 

وصولاً إلى المستطيل الأخضر..

في المكسك عام 1986، حيث أقيمت بطولة كأس العالم لكرة القدم، وسُميت الكأس حينها باسم المعجزة مارادونا، الذي كان في هذه البطولة أشبه بمرور أسطورة على قوم جلوس حولهم ماء.. 

مارادونا، القادم من أحياء الأرجنتين الفقيرة، تعلم اللعبة في “البوتريروس”، وهي ساحات خالية قاسية الأرضية، خشنة، وكانت ممارسة الكرة فيها تدور حول التعامل مع الشوارع والقوة والمهارة الفنية والدهاء.. هنا وُلد تكنيك مارادونا لهزيمة المكر والقوة بالسحر والمهارة الخاطفة.. لكنه حين قدم إلى الدوري الإيطالي، اضطر، حسب قوله، إلى تغيير تقنيته غير المفهومة للاعبين ذوي القوة -التسارع بالكرة- بمزج سرعته مع توافق حركة المدافعين الطليان، كي يتمكن من التغلب عليهم، لأن طريقة الدفاع الإيطالي كانت ولا تزال مميزة جدًّا في الجانب البدني والفني.

وإذا تأملنا الطريقة التي كان يمر بها مارادونا من اللاعبين الإنجليز وهو في مساره المتعرج من قبل منتصف الملعب لإحراز هدفه الأشهر في كأس العالم 1986 -وهدف اللعبة الأشهر عمومًا- لرأينا تطبيقًا عمليًّا على فكرة الإفلات من الزمن بالمهارات البشرية الخارقة، فـ”دييجو” لم يكن يمر بقدميه وجسمه المراوغ، بل بسحر المواجهين له، فيجعلهم كأنهم بخار، مع العلم أن هؤلاء المسحورين لم يكونوا هواة أو درجة ثالثة، إنهم أبناء المنتخب الإنجليزي، مخترعو لعبة كرة القدم..

القاسم المشترك بين الحكايات الثلاث الفائتة كان عنصر الزمن.. وهو الأهم في حساب الإنجازات والإعجازات.. وفي الزمن نواجه مصطلحًا يعرفه رجال البرمجة وعقول الحاسب الآلي.. “زمن التنفيذ”، وهو الفترة الزمنية المستنفَدَة في تشغيل عملية وإنهائها، أو مجموعة عمليات خاصة بتطبيق ما، وهي عمليات معقدة تتعلق بخوارزميات أي برنامج (مجموعة تعليمات رياضية منطقية لأداء مهمة معينة كجمع أو طرح، أو عملية معقدة كتشغيل ملف فيديو مضغوط) ويعلم جميع المبرمجين أن حساب زمن تنفيذ برنامج معين أو جزء من كود برمجي هو أمر مهم في تصميم الخوارزميات والمقارنة بينها من حيث زمن التنفيذ، فهذا هو الأساس الحقيقي لتحديد أي خوارزمية (تعليمات) أفضل من الأخرى، حين تكون فقط أقل استهلاكًا للوقت في تنفيذ العملية المطلوبة لمعالجة بيانات بعينها، وكلما زادت عدد المعالجات التي يجريها العقل الإلكتروني في زمن تنفيذ أقل، كان هذا المُخ المخترَع أكثر قدرة من غيره، وزادت أهميته وسعره وتقدمه في الأسواق.

إذا ما نقلنا هذه الحسبة إلى المخ البشري –وهو أصل الحكاية والمحاكاة- فإننا نرى وظائف الدماغ البشرية ممثلة في المراقبة وتنظيم معظم وظائف البدن والعقل، فالمخ مسؤول عن الوظائف الحيوية، كالتنفّس وتنظيم ضربات القلب والنوم والجوع والعطش، إلى الوظائف العليا، كالاستدلال والذاكرة والانتباه ومراقبة المشاعر والسلوك، فضلاً عن إشرافه على كلّ ما يحدث في حياة الإنسان، خلال السهر أو 

النوم، تنفّس.. ابتلاع.. رؤية.. سمع.. لمس.. تذوق.. قراءة.. كتابة.. غناء.. رقص.. تفكير.. حديث عن الأفكار.. حبّ أو كراهية.. تخطيط.. فعل عفوي.. خيال.. ابتكار.. إنه يأخذ ويعالج ويفسّر كلّ المعلومات التي يحصل عليها من الحواسّ.. إنه مسؤول المشاعر والحركة والسلوك والاستدلال والكون.

وقد بيّنت دراسة نشرها معهد راين فيستفاليا للدراسات التقنية في مدينة آخن الألمانية، أن العقل البشري يحتاج إلى وقت أطول في ردة الفعل إذا حاول الإنسان أن يقوم بعملين مختلفين في آنٍ، والنتيجة ستكون زيادة الأخطاء الناجمة عن “تشتت” الذهن في أكثر من عمل، وأوضحت الدراسة أن الدماغ البشري يمتلك إمكانيات محدودة لتلقي مؤثرات خارجية عدة في نفس الوقت والتعامل معها بنفس السرعة. 

صحيح أن انتقال الأوامر من وإلى الدماغ لا يستغرق سوى أجزاء من الثانية، إلا أن هذا الانتقال يستوجب من الدماغ بعض الوقت لإدراك المهمة الواجب تنفيذها، ما يؤثر سلبيًّا في سرعة التنفيذ، فالعقل يحاول ترتيب الأوامر الواردة إليه وتنفيذها متسلسلة واحدًا تلو الآخر وليس دفعة واحدة في توقيت متوازٍ.

هنا تكمن قيمة الموهبة الفطرية الخارقة للحدود الطبيعية، فهذا التركيب المعقد للمخ البشري مع الأفراد “العاديين” يعد إعجازًا في حد ذاته في طرائق معالجته وقيامه بمهامه المتشعبة كشجرة لا يمكن حصر أغصانها وتفرعاتها، فما بالنا بالماورائية التي يعمل بها عقل الموهوب.. إنها لعبة أشبه بمصارعة الزمن والالتفاف عليه لتنفيذ كل ما يصعب تصوره أو تلقيه.. كل هذا كان تمهيدًا لسؤال أكبر: إذا كان المخ هو المسيطر على خريطة الأداء الإنساني بل وعلى الزمن أحيانًا، فمَن يعطي الأوامر للمخ لكي يضع به هذه القدرة على السيطرة؟

الإجابة قد تُحيلنا إلى التسليم بالغيب، أو تقود المؤمنين بالعلم إلى البحث في ما وراء هذا الكيان الأسطوري، المخ البشري، قاهر الزمن، فهناك احتمال منطقي يقول إن حل اللغز يكمن ربما في وجود منطقة مجهولة بالدماغ يمكنها إصدار الأوامر لنفسها/ قيادة نفسها.. تلك المنطقة -إنْ وُجِدَت– قد تكون ما سمّيناه مجازًا سالفًا بـ”الموهبة”، وهي التي لا تنشط لدى جميع البشر، بل تَمنحُ مفاتيحها السرية لأولئك الذين نُسميهم “خارقين”، القادرين على مُلاعبة الغيب بالغيب ومراوغة مادة الزمن بمادة زمنية أكثر انسيابًا وإفلاتًا و”عَفْرتَةً” من الحاضر الجامد الملموس المعقول.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram