زوايا

قراءة في كتاب الغصن الذهبي.. السلطة والدين في المجتمعات البدائية

يُعدّ السير جيمس جورج فريزر واحدا من أهم وأشهر علماء الأنثروبولوجيا عبر التاريخ، وذلك بسبب تأليفه كتابه الأشهر “الغصن الذهبي”، والذي قدم فيه المؤلف الاسكتلندي مجموعة من الدراسات المهمة الخاصة بالسحر والدين في المجتمعات البدائية.

ولد فريزر في جلاسكو باسكوتلاندا في الأول من يناير سنة 1854م، وتوفي سنة 1941م، عن عمر يناهز سبعة وثمانين عاما.

فريزر وضح في كتابه أن الكثير من الطقوس والشعائر التي نمارسها، تعود بالأساس لأزمنة تاريخية موغلة في القدم، واعتمد في مادة كتابه على السجلات والحوليات التي دوّن فيها المبشرون والغزاة الأوربيون ملاحظاتهم على ما شاهدوه من ممارسات دينية وطقسية في المجتمعات البدائية في كل من إفريقيا وآسيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية.

من بين جميع الدراسات القيمة التي قدمها فريزر في كتابه، تأتي تلك الدراسة الخاصة بالعلاقة بين السلطة والدين في المجتمعات البدائية، وهي الدراسة التي سنفصل الحديث عنها.

غلاف كتاب الغصن الذهبي

تجسد الآلهة في البشر

لما كان الاعتقاد الشائع في المجتمعات الإنسانية القديمة يذهب إلى أن الإنسان والإله من نوع واحد تقريبا، فلم يكن من الغريب -والحال كذلك- أن يعتقد الناس في هذا الوقت، أنه من الممكن أن يتمتع إنسان بقوة إلهية ما، كما لم يكن من الغريب ظهور الاعتقاد بإمكانية تجسد الرب في صورة إنسان.

أول صور التجسد التي يشير إليها فريزر في كتابه، هي صورة من صور التجسد المؤقت، والتي تتمثل في الإلهام، وفيها يتلبس الإله بجسد الكاهن لفترة قصيرة، وينقل الإله من خلالها أوامره للشعب.

الديانات البدائية، عرفت ظهور مجموعة من الطقوس والممارسات التي تفيد في استحضار حالة الإلهام، من أهم تلك الطقوس، أن يقوم الكاهن بمص دم الأضحية التي تم ذبحها للإله، وهو -أي الدم- لا يزال حارا، ومنها أيضا، الاستعانة بمفعول بعض الأشجار المقدسة، والتي كان من المعتقد أنها بمثابة مساكن للآلهة.

الملوك والتجسد الإلهي

التجسد الإلهي لم يستأثر به الكهنة وحدهم، بل عرفه الملوك كذلك، فصاروا يستمدون شرعية حكمهم من خلال ما شاع عن حلول الآلهة في أجسادهم، الأمر الذي دفع فريزر لاستعراض مجموعة متعددة من النماذج للإله المتجسد في الملك، وعقب بعد ذلك بقوله:

“ومن هذا العرض للمركز الديني الذي يحتله الملك في المجتمعات الهمجية، يمكننا أن نستنتج أن القوى الإلهية الإعجازية التي كان الملوك ينسبونها لأنفسهم في الإمبراطوريات التاريخية العظيمة في مصر والمكسيك وبيرو، لم تنشأ ببساطة عن الغرور المتضخم، كما لم تكن مجرد تعبير أجوف عن التعلق الذليل، وإنما كانت مجرد استمرار وامتداد لعادة تأليه الملوك الأحياء التي كانت توجد عند الشعوب البدائية القديمة...”.

شهدت المجتعات البدائية تماهي الملوك مع الآلهة

هذا التماهي بين الآلهة والملوك، ظهر بشكل أكثر وضوحا في بعض المجتمعات البدائية، التي شاع فيها الاعتقاد بأن الملك يحظى بقوة مقدسة خارقة تمكنه من فرض سيطرته على قوى الطبيعة والكون، ولا سيما العناصر الأربعة الأساسية الكبرى -الهواء والماء والنار والتراب- ومن ذلك ملك المطر على مصب نهر الكونغو في إفريقيا، وملك النار في كمبوديا بآسيا.

في العصور الرومانية بقيت عادة تشبيه الملك بالإله حاضرة، إذ اعتاد ملوك روما وقادتها في العصر الملكي على محاكاة جوبيتر -أعظم آلهة الرومان- في الملبس والهيئة والمواكب الاحتفالية الضخمة، ويذكر فريزر مؤكدا هذا التشابه: “ونحن بالكاد نعتقد أن لكل مدينة أو مستوطنة لاتينية صورة جوبيتر الخاصة بها، كما أن لكل كنيسة في إيطاليا الحديثة صورة للسيدة مريم العذراء...”.

طقوس الملوك والطبيعة

إذا كان الملك يحكم بصفته إلها أو تجسدا أرضيا للإله، فإننا نجد أن الكثير من الطقوس التقليدية التي عرفتها المجتمعات البدائية، كانت في واقع الأمر تربط بين ممارسات الملك من جهة وقوى الطبيعة من جهة أخرى.

على سبيل المثال، اعتقد البدائيون بأن الأشجار كائنات مقدسة، وأن أرواح البشر تسكن فيها بعد الوفاة، ومن هنا فقد جرت العادة على إيجاد رابط معين بين طقوس الزواج والاتصال الجنسي بين البشر، والتكاثر والبركة في النباتات والأشجار والزرع.

يأخذنا فريزر في جولة سريعة بين الحضارات البدائية، لنفهم كيف مثلت قصص الزواج الدرامي للآلهة/ الملوك والإلهات/ الملكات، تعويذات سحرية لجأ إليها الإنسان القديم من أجل تعزيز الخضرة والخصوبة في أرضه.

من تلك القصص الطقسية، أن بعض الرجال كانوا يصطحبون زوجاتهم إلى الحقول قبل أن يرموا البذور فيها، فيمارسون الجنس في تلك الحقول، اعتقادا منهم بأن الزوجة ترتبط بشكل وثيق بالأرض، وبأن نقل الحيوانات المنوية للزوجة سيسهل بالتأكيد من مهمة بذر الأرض.

الزواج الإلهي

أيضا، عرفت الميثولوجيات القديمة قصص ارتباط الزواج الإلهي بخصوبة الأرض، من ذلك القصة المعروفة في الميثولوجيا الرومانية، عن زواج ديانا وفربيوس في غابة ينمي، وقصة المرأة التي تنام وحيدة في هيكل الإله، بل المقدس في بابل القديمة، حيث يأتي الرب لها ليلا ليضاجعها، وعلى النحو نفسه، تأتي قصة الزوجة الإلهية للإله أمون في مصر، وقصة زواج ديونيسوس إله الكروم من ملكة أثينا، وزواج زيوس إله السماء من الإلهة ديمتر إله الذرة أحيانا، وزواجه في أحيان أخرى من الإلهة هيرا، أما عند الهنود الحمر، فكانت طقوس الإخصاب والتكاثر ومباركة الأرض تتم -بشكل أكثر رمزية- من خلال مراسم تزويج بعض الفتيات لشباك الصيد.

عرفت الميثولوجيات القديمة قصص ارتباط الزواج الإلهي بخصوبة الأرض

تابو الملوك

بعد أن استعرض فريزر الأشكال المختلفة للتماهي بين الملك والإله، يتطرق بعدها لإثارة السؤال حول التابو، أو المحرمات التي انتشرت في المجتمعات البدائية.

يشرح فريزر السياق العقائدي الذي ظهر فيه مفهوم  التابو، فيقول: “الإنسان البدائي لا يفرق بين المقدس والمدنس… فما يجمع الاثنين هو أن هؤلاء الأشخاص يمثلون خطرا للآخر… والخطورة التي يمثلونها، خطورة روحية أو شبحية، لذلك فهي خيالية… ولذلك يعزل هؤلاء الأشخاص عن باقي أفراد العالم، كي لا يصل إليهم الخطر الروحي اللعين”.

من الأمثلة على ذلك التابو، رفض ترك بقايا الطعام، خوفا من استخدامها في أعمال السحر والشعوذة، ويذكر فريزر أن الملوك البدائيين كانوا يمنعون الناس من رؤيتهم أثناء تناولهم الطعام والشراب، وأن الرومان قد اعتادوا كسر قشور البيض والقواقع بعد الطعام مباشرة، حتى لا يستخدمها السحرة في أذيتهم.

ويربط فريزر بين ذلك الاعتقاد وبين مسألة حسن الضيافة وطقس تناول الطعام بشكل جماعي، والذي رحبت به الثقافات الإنسانية عبر القرون باعتباره مظهرا من مظاهر الدبلوماسية، ومن الممكن تفسير ذلك بأن المشاركة في الطعام كانت تؤكد أن كلا من الطرفين لا يضمر للآخر نية أذى، ولا ينوي استخدام بقايا طعامه في أذية الطرف الآخر.

من أشكال التابو التي انتشرت في المجتمعات البدائية أيضا، تابو لمس الحديد أو الدم أو الرأس أو الشعر، إذ كان من المثير للخوف والرهبة أن يتجرأ رجل على لمس تلك الأشياء، كأنه بإقدامه على فعل ذلك، إنما ينتهك حرمة مصونة مقدسة.

كلمات ممنوعة

في السياق نفسه كان من المحظور نطق بعض الكلمات التي تتمتع بحالة متفردة من حالات التقديس والإجلال.. هذا التقليد ظل حاضرا في الثقافات الإنسانية عبر القرون، ويمكننا أن نجد شاهدا على ذلك في الديانة اليهودية، والتي تحرم بشكل قاطع، أن ينطق اليهودي باسم إلهه يهوه أو إلوهيم، ويستبدل تلك الكلمة بأخرى، وهي أدوناي بمعنى سيدي، وذلك انصياعا لواحدة من الوصايا العشر التي أنزلها إله اليهود على موسى النبي، والتي جاء فيها:

“لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلًا، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلًا”، وذلك بحسب ما ورد في سفري الخروج والتثنية، كما يمكن أن نجد بعض الشواهد على ذلك النوع من التابو في الثقافة الإسلامية، من ذلك تحريم ذكر اسم الله عز وجل في أماكن قضاء الحاجة، تنزيها له وانصياعا لقول الرسول الوارد في سنن ابن ماجة: “إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا عَلَى طُهْرٍ”.

كان يمنع ذكر اسم الملوك في بعض الحضارات القديمة

أشخاص محظورون

أيضا كان تابو تحريم الاقتراب من الأشخاص المدنسين/ المقدسين من صور التابو المشهورة في المجتمعات البدائية، فقد كان من المحظور ملامسة المرأة في فترة الحيض أو النفاس، وهو التحريم الذي بقيت آثاره قائمة في الديانات الكتابية حتى اللحظة، فبوسعنا أن نقرأ في سفر اللاويين في العهد القديم:

“ولا تقترب إلى امرأة في نجاسة طمثها لتكشف عورتها”، كما يمكننا أيضا أن نجد التحريم نفسه في القرآن الكريم، إذ ورد في الآية رقم 222 من سورة البقرة “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ”.

أما أشهر صور التابو التي شاعت في تلك العصور الموغلة في القدم، فكان ما عُرف باسم تابو الملوك، وفيه يحظر لمس الملك أو نطق اسمه، كما كان يحظر في بعض الأحيان مشاهدة الملك أو التوجه إليه بالحديث إلا بعد اتخاذ ساتر أو حجاب، وكانت عقوبة من يتجرأ على أي من تلك الأفعال هي القتل دون رحمة.

يفسر فريزر سبب تشدد المجتمعات القديمة في تابو الملوك بالذات، فيقول إنه لما كان يُعتقد أن الملك يُعدّ بمثابة مركز ديناميكي للكون، تشع منه سمات القوة على السماء باتجاهاتها الأربعة، فقد كان من الطبيعي أن يعتقد الإنسان البدائي بأن أي حركة من الملك، من شأنها أن تؤثر فورا على جزء من أجزاء الطبيعة، الأمر الذي دفع المجتمعات البدائية لمحاولة الحفاظ على الملوك بمعزل عن أي احتكاك أو مؤثرات خارجية، بغية إبقاء قوى الطبيعة على حالتها الهادئة الساكنة.

هذا الاعتقاد يفسر سبب إقدام بعض المجتمعات البدائية على فرض الحظر على ملوكها في الكثير من الأحيان، للدرجة التي قد تصل إلى حبسهم أو عزلهم عن الناس.

أيضا يفسر هذا الاعتقاد ما قامت به تلك المجتمعات من قتل ملوكها الطاعنين في العمر في أحيان أخرى، عندما  يفقد هؤلاء الملوك سيطرتهم على قوى الطبيعة، فيصبحون عندها بلا قيمة، ومن ثم تلجأ القبائل للتخلص منهم واستبدالهم بآخرين أكثر شبابا وحيوية.

اقرأ أيضًا:

أبو رجيلة.. إمبراطور الأتوبيسات وعاشق الزمالك

ثرثرة حول النيل بالصور.. كيف كانت مصر في سنوات اغتيال السادات؟

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى