السلفية الجهادية.. قصة التمدد في فضاء “حماس”

في أواخر أغسطس الماضي، قرر “محمد حسن” – (أحد أهالي منطقة الشيخ عجلين بغزة) – الخروج من منزله لأخذ جولة ليلية في المنطقة التي يقطن بها، وبينما هو يمضي في طريقه، سمع دوي انفجار قرب حاجز للشرطة بالمنطقة.

ظن الشاب العشريني -في بادئ الأمر- أن الطائرات الإسرائيلية قصفت الحاجز؛ إلا أنه لم يسمع أي ضجيج في الأجواء، فسارع إلى موقع الحادث ليتبين الأمر، وما إن وصل حتى وجد 3 من أفراد الشرطة مُمدّدين على الأرض، بينما تتناثر الدماء والأشلاء في المكان، في حين بدأ الأهالي يتجمعون حول حاجز الشرطة المستهدف.

مضت الليلة بكل صخبها، وفي الصباح أعلنت حكومة “حماس” -المسيطرة على القطاع- مقتل 3 من عناصر الشرطة وإصابة 3 آخرين. كاشفةً أن انتحارِيَّيْن، ينتميان للحركات السلفية الجهادية، فجّرا نفسيهما في حاجزين منفصلين للشرطة.

لم تكن التفجيرات سوى حلقة من سلسلة طويلة من الصراع بين حكومة “حماس” والحركات السلفية الجهادية، والذي بدأ منذ ما يزيد على 12 عامًا.

 

“عبداللطيف أبو موسى”.. زعيم السلفية الجهادية في غزة

في عام 2009، بدأ أول فصول الصراع بين “حماس” والسلفية الجهادية من خلال ما عُرف بأحداث مسجد ابن تيمية، التي قتل خلالها “عبداللطيف أبو موسى”، شيخ السلفية الجهادية بغزة.

كان مقتل “أبو موسى” بمثابة الشرارة التي أشعلت نيران العداء بين حركة “حماس” -التي تسيطر على قطاع غزة منذ صيف 2007- والحركات السلفية الجهادية، بعد سنوات طويلة من التعاون بين الطرفين.

بمقتل “أبو موسى” بدأت الحركات السلفية الجهادية في إعادة تنظيم صفوفها في صورة تنظيمات سرية مسلحة، معلنةً الحرب على “حماس”. واصفةً الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان بأنها لا تُطبق الشريعة في القطاع.

أبو موسى مع عناصر السلفية الجهادية في غزة

تمددت التنظيمات الناشئة في فناء حركة “حماس”، وحظيت بتواجد قوي في جنوب غزة، ولا سيما في مدينة رفح الفلسطينية، بينما عملت على الانتشار في أوساط الشباب داخل المساجد والزوايا والمراكز الدعوية والجمعيات في غزة.

ولجأت وزارة الداخلية التابعة لـ”حماس” إلى اتِّباع أساليب أمنية في مواجهة الحركات السلفية الجهادية، فاعتقلت عددًا منهم، كما قُتل بعضهم في مواجهات مختلفة بين الطرفين.

وقد خَفَتَ صوتُ الحركات السلفية برهةً من الوقت في غزة، قبل أن يتصاعد مجددًا مع بروز تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا والعراق. إذ لجأت تلك الحركات إلى تهريب الشباب المنتمين إليها عبر الأنفاق -قبل إحكام السيطرة عليها من الجانب المصري- إلى سيناء، ومن ثم إلى ليبيا أو تركيا، لينتهي بهم المقام مقاتلين في صفوف “داعش” داخل سوريا أو العراق.

من داخل سوريا والعراق، بدأ الفلسطينيون المهاجرون في تجنيد شبان غزاويين جدد ليبايعوا تنظيم “داعش” الإرهابي، وينضموا إليه، وفقًا لمقابلات حصرية أجرتها “ذات مصر” مع عناصر سلفية جهادية في غزة.

“أبو إسلام”.. انشق عن “القسام” ليقاتل “حماس”

ثماني سنوات قضاها “أبو إسلام الفلسطيني” في صفوف كتائب القسام (الجناح العسكري لحركة حماس)، قبل أن ينشق عنها وينضم للسلفية الجهادية، لينتهي به المطاف عضوًا بتنظيم “داعش” في غزة.

“أبو إسلام” (38 ربيعًا) قال إنه كان عضوًا بارزًا بكتائب القسام منذ عام 2000 وحتى انشقاقه في 2008. مضيفًا أنه يرى حركة “حماس” قد انحرفت عن مسار مقاومة من يصفهم بـ”الأعداء”، وانخرطت في الحياة السياسية منذ مشاركة الحركة في الانتخابات التشريعية عام 2006.

رغب المقاتل السابق بالقسام، في الانضمام لتنظيم يحارب الأفكار الغربية ويطبق الشريعة في غزة، لذا انضم إلى “جند أنصار الله”، وهي جماعة سلفية جهادية فلسطينية تنشط في غزة.

وأضاف لـ”ذات مصر”: “في البداية لم تتصادم معنا “حماس”، أو تُشهر السلاح في وجهنا، لكنها كانت تراقب كافة تحركاتنا. وعندما ازداد نشاطنا الدعوي في القطاع، وانشق الكثير من أفرادها لينضموا إلينا؛ بدأت في محاربتنا وملاحقتنا، واعتقلت عددًا من عناصرنا”.

لم يمر نشاط “سلفية غزة الجهادية” مرور الكرام؛ إذ عملت الحكومة المقالة في غزة على اعتقال الناشطين، وأودعتهم السجون التابعة لوزارة الداخلية فيها، وهو ما تم مع “أبي إسلام”.

اعتُقل “أبو إسلام” مع عددٍ من رفاقه، عقب مقتل الشيخ “عبداللطيف أبو موسى”، وتعرض للإهانة والشتم والتعذيب، على حد زعمه.

ووصف المقاتل السابق بالقسام الزنزانة التي اعتُقل فيها بأنها صغيرة، بالكاد تسعه إذا وقف. مضيفًا أنه عانى من عدم إدخال الطعام الكافي لمدة بلغت سنة ونصف السنة، قبل أن يُنقل إلى سجن آخر حيث مكث سنتين أُخريين.

بعد انقضاء مدة سجنه أُفرج عن “أبي إسلام” بشروط وضعتها “حكومة غزة”، وشملت تلك الشروط عدم الانضمام إلى الجماعات السلفية، وعدم الحديث بألفاظ ضد “حماس” أو قياداتها؛ لكنه لم يلتزم بالشروط التي أُمليت عليه قبل الإفراج عنه، وعاد في بداية عام 2015 لينضم إلى تنظيم “داعش”، ويتلقى أوامره من قيادي بالتنظيم عبر شبكة الإنترنت.

 

“عبدالرحمن السلفي”.. مصر أحكمت “الحصار” على الإرهابيين

“عبدالرحمن” (اسم مستعار) لعضو سابق بسرايا القدس (الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية)، لكنه انشق أيضًا عن الحركة لينضم إلى تنظيم “داعش” في غزة.

انضم “عبدالرحمن” إلى “سرايا القدس” منذ عام 2012، ومكث عضوًا بها 4 سنوات، لكنه اختلف مع رفاقه داخل الحركة، وقرر أن يتركهم وينضم لـ”داعش”، معللًا ذلك بأنه يريد إقامة الحدود الإسلامية، والقضاء على كافة أشكال الفساد التي ظهرت في غزة، في ظل انشغال حركة “حماس” بجني الأموال.

ووفقًا لتصريحاته لـ”ذات مصر”؛ فإن الإرهابيين الفلسطينيين كانوا يغادرون قطاع غزة عبر الأنفاق الواصلة بين مصر وغزة لينتقلوا إلى سوريا والعراق وليبيا؛ إلا أن مصر أحكمت الحصار عليهم، ومنعت تهريب السلاح عبر تدمير الأنفاق، في حين يواجهون صعوبات جمة في السفر عبر معبر رفح البري.

وقدّر “عبدالرحمن” عدد مقاتلي “داعش” في غزة بـ200 عنصر. مردفًا أن نشاطهم تراجع بعد التفجيرات التي استهدفت حواجز الشرطة في أواخر أغسطس 2019، وقلت الاجتماعات التي كانوا يعقدونها، إضافةً إلى تراجع التمويل الذي كانوا يحصلون عليه من الخارج، وتأخر التكليفات التي كانت ترد لهم عبر “أمراء الإرهاب”.

الإغراء بالمال.. حيلة “الإرهابيين” للتجنيد في غزة

عناصر السلفية في غزة

خلافًا لرفيقيه “أبو إسلام” و”عبدالرحمن”؛ انزلق “أحمد” (اسم مستعار) إلى فخّ الجماعات الإرهابية في غزة، نتيجة ظروفه المادية الصعبة واحتياجه للمال.

قبل انضمامه للجماعات السلفية الجهادية، لم يجد “أحمد” فرصة عمل، في حين تواصل معه أحد الأشخاص عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، زاعمًا أنه سيعطيه الأموال التي يحتاجها مقابل أن ينضم لتنظيم “جيش الإسلام”.

ويُعتبر “جيش الإسلام” الذي يقوده “ممتاز دغمش” (قائد سابق بكتائب القسام) من أوائل التنظيمات السلفية الجهادية التي ظهرت بغزة، وكان محسوبًا على تنظيم “القاعدة”؛ إلا أنه بايع “داعش” في 2014، قبل أن يسحب تلك البيعة لاحقًا.

اعتقد “أحمد” (27 عامًا) أنه سيقاتل قوات الاحتلال الإسرائيلي إذا انضم لـ”السلفية الجهادية”، لكنه اكتشف أن “جيش الإسلام” مجرد “مافيا” تعمل لحسابها الخاص.

وبحسب حديثه لـ”ذات مصر”، فقد طُلب منه في عام 2017 أن يغادر غزة، ويتوجه إلى تركيا، ومن ثم إلى سوريا، للانضمام إلى صفوف الجماعات السلفية المقاتلة هناك، ولكنه رفض الفكرة بشكل قطعي، خشية مقتله وهو يقاتل المسلمين. وبعد ذلك قرر الابتعاد عن “جيش الإسلام” بشكل نهائي.

وكشف “أحمد” أن الجماعات السلفية الجهادية تستغل الظروف المادية للشبان، وتغريهم بالأموال، لإقناعهم بالانضمام إليها. كما تُجنّد الأشخاص المتشددين دينيًّا، وتُروّج في أوساط المنتمين لها أنها ستقيم الحدود، وتقضي على الفساد. مضيفًا أن مصادر تمويلها غير معروفة، كما أنها تتلقى تعليماتها عبر أشخاص مجهولين خارج غزة.

خبير: الجماعات السلفية الجهادية لا تنتمي إلى “الأوطان”

من جانبه، يقول الخبير في شئون الحركات الإسلامية “أكرم عطاالله”، إن هناك أكثر من سبب لوجود الجماعات ، السلفية الجهادية في غزة، منها: بيئة الفقر والحصار المفروض من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إضافةً إلى انتشار الفساد في الطبقتين السياسية والاقتصادية في المجتمع.

وأضاف “عطاالله” لـ”ذات مصر”، أن الفقر، والعوز الشديد، وسيادة نزعات الانتقام؛ دفعت العديدَ من الشبان للالتحاق بالجماعات السلفية التي تقدم لهم إغراءات مالية.

وأشار الخبير في شئون الحركات الإسلامية إلى أن الصدفة لعبت دورًا في انتشار فكر السلفية الجهادية في غزة؛ إذ ساهم تمدد “داعش” في العراق وسوريا، وسيطرته على جزء كبير من الأرض في غضون أسابيع، في الترويج لتلك الأفكار.

وأوضح “عطاالله” أن الجماعات السلفية الجهادية روّجت لفكرة عدم حكم “حماس” بالشريعة الإسلامية، وعدم قدرتها على تحقيق الانتصارات ورفع الحصار عن قطاع غزة؛ وهو ما أحدث فجوة أدت إلى انشقاق عددٍ من مقاتلي “حماس”، وانضمامهم لـ”السلفية الجهادية”. مردفًا أن ممارسات “حماس” الأمنية، وفشل تجربة “داعش” في ليبيا وسوريا والعراق، وفقدان خطوط الاتصال مع عددٍ من الأشخاص الذين يُصدِرون التعليمات من الخارج؛ أدى إلى تراجع التنظيمات الجهادية في غزة.

واعتبر الخبير في شئون الحركات الإسلامية أن الجماعات السلفية الجهادية تنتمي للأيديولوجيا، ولا تنتمي للأوطان، لذا تحارب حركة “حماس” وتترك الاحتلال الإسرائيلي.

باحث: نشاط “السلفية الجهادية” محدود

في المقابل، قال الدكتور “خالد صافي”، الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية، إن نشاط السلفية الجهادية في غزة محدود. مضيفًا أنه لا يوجد تنظيم مركزي لهم، بل هناك مجموعات أعلنت الولاء لـ”داعش”، ولقبوا أنفسهم بـ”ولاية غزة”.

وأضاف “صافي” في تصريحات لـ”ذات مصر”، أن نشاط ما يُسمى بـ”ولاية غزة” اقتصر على إصدار بيانات إعلامية مقتضبة دون وجود هيكلية تنظيمية متكاملة كباقي التنظيمات الموجودة على الساحة الفلسطينية.

 

وأشار الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية إلى أن هناك تنظيمات عدة ظهرت خلال السنوات الماضية، منها: أهل الحق، وجيش الإسلام؛ إلا أنها تراجعت ولم يبقَ سوى ما يُعرف بـ”ولاية غزة”.

وأكد “صافي” أن عناصر “داعش” في غزة لجئوا للعمل السري نتيجة الملاحقات الأمنية المتكررة لهم من قِبل الأجهزة الأمنية التابعة لحركة “حماس”، لافتًا إلى أنهم يظهرون بين فينة وأخرى لإرسال رسائل وتنفيذ عمليات إرهابية، كما حدث في مهاجمة حواجز الشرطة في أغسطس 2019.

وأوضح “صافي” أن عدد المنتمين للجماعات السلفية الجهادية في غزة يقدر بمئات العناصر فقط. مضيفًا أن عددًا كبيرًا من قياداتهم المسئولين عن الاستقطاب والتجنيد، والتمويل، والتواصل مع القيادات الإرهابية خارج غزة؛ لا يزالون قيد الاعتقال حاليًّا.

بمشاركة

مونتاج

محمود أسامة

إنفوجرافيك وغُلاف

أحمد بيكا

قصــة

علي مصطفى

صحفي فلسطيني

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram