"السلفية المدخلية" في المغرب

التاريخ والتفاعل والمآل

مقدمة:

تروم هذه الدراسة التوقف عند ظاهرة محسوبة على الإسلام الحركي في نسخته السلفية. ولأن السلفية سلفيات كما سنتطرق إلى ذلك لاحقًا، فإن الحديث بالتحديد عن تيار السلفية المدخلية، بنسختها المغربية حصرًا، حتى لا نتيه في تفاصيل ومعالم الظاهرة على الصعيد الإقليمي، بمقتضى حضور الظاهرة في العديد من دول المنطقة العربية.

وتتوزع الدراسة على هذا التمهيد، متبوعًا بثلاثة محاور. يتوقف المحور الأول عند سياقات بزوغ الظاهرة في المغرب، بينما يتطرق المحور الثاني لأهم معالم تفاعلها النظري والميداني في المغرب خلال العقدين الأخيرين، أي منذ تأسيسها حتى نهاية 2019، وأخيرًا يروم المحور الثالث استعراض بعض الآفاق الاستشرافية، أو قل استعراض سيناريوهات مآل الظاهرة.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه

رغم تميز التدين المغربي بخصوصية ذات صلة بالثقافة المغربية، على غرار باقي دول المنطقة، وهو ما كرسه الخطاب الديني المؤسسي أو الرسمي عبر الترويج لثلاثية العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والسلوك الصوفي؛ فإنه على أرض الواقع لا تنفصل بعض معالم هذا التدين عن أنماط مغايرة لتلك المميزات سالفة الذكر، بمقتضى التواجد في منطقة تميزت بإفراز العديد من المشاريع الدينية، نذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر- المشروع السلفي الوهابي، والمشروع الإخواني، والمشروع الشيعي. 

وكما عاينا مع تأثر نسبة من تديّن المغاربة بالتديّن الإخواني مثلًا، فالأمر نفسه مع التأثير الديني القادم من منطقة الخليج العربي، والذي يحمل اسم “السلفية الوهابية”، لولا أن هذه الأخيرة تتفرع إلى عدة فرق؛ حيث إن كل فرقة من فِرَق هذه “السلفية الوهابية” تزعم أنها “الفرقة الناجية”، فهناك “السلفية الألبانية”، وتتبع “محمد ناصر الدين الألباني”، و”السلفية البازية” نسبة إلى “عبدالعزيز بن باز”، وهكذا، ومنها التيار الذي يهمنا هنا أكثر في هذا المقام، أي السلفية الوهابية المدخلية، نسبة إلى “ربيع بن هادي المدخلي”، المُلقّب من طرف الشيخ “ناصر الدين الألباني” بـ”حامل لواء الجرح والتعديل”.

بل إن هذه التفرعات نعاينها حتى في هذه التيارات ذاتها، كما هو الحال مع السلفية المدخلية، حيث نجد ضمن لائحة التفرعات، سلفية مُصنفة في خانة “مرجئة”، وثانية “حركية”، وثالثة “حزبية”، ورابعة “قطبية” (نسبة إلى سيد قطب)، وخامسة “اعتزالية”، وحتى “مدخلية مدخلية”، وذلك حسب أرضية التصنيف النقدي الذي تُسطره الأدبيات السلفية المدخلية المعروف عنها التشدد والتفرع في النقد.

وواضح أن كل فصيل من هذه الفصائل السلفية الوهابية يؤسس لما يُشبه “مدرسة علمية” مُوزعة على شيخ مرجعي، وأدبيات، وأتباع، وقنوات اتصال، وتصريف المواقف والآراء والفتاوى، مع الإشارة الضرورية -في هذا السياق- إلى أن حديثًا عن فتاوى هنا لا يهم سوى المشروع السلفي المعني، كأن يكون مدخليًّا أو جاميًّا أو غيره، ولا يهم شعوب وأنظمة ودول المنطقة.

أما الأهم في تفرعات هذه الفصائل السلفية الوهابية، فيكمن في إسقاط مُجمَل هذه التيارات وصراعاتها العقدية والمذهبية على توظيف التأويل الميداني للحديث/ الأثر النبوي الشهير الذي جاء فيه: “ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة”، حيث يزعم كل فصيل من التيارات أنه يُمثل على أرض الواقع “الفرقة الناجية”، وغيره في النار، ولن تكون هذه “الفرقة الناجية” سوى الفرقة التي تبَنّت ذلك “المنهج الذي كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وأصحابه، والتابعون، وتابعو التابعين، ومن تبعهم بإحسان قولًا واعتقادًا وعملًا”.

وليس من مرجعية للاحتكام والوصول بالتالي إلى طبيعة “الفرقة الناجية” إلا عبر “إتمام الجزء الثاني من الحديث، حيث جاء وصف الناجية بأنها التي تكون دائمًا على ما كان عليه رسول الله (صلعم)، ولن تجد طبعًا فرقة تقول عن نفسها إنها تخالف ما كان عليه رسول الله”،[1] ولهذا حقّ لنا التأكيد على أنه سواء تعلق الأمر بالتيار السلفي “العلمي” أو “الجهادي”، فنحن إزاء تيارات سلفية تنهل من مرجعية عقدية ومذهبية واحدة، وتختلف في تنزيل مقتضى هذا الانتماء. لنقل إننا إزاء فارق في الدرجة، وليس في النوع، وهذه جزئية مؤرقة للغاية، تتطلب المزيد من التفكيك والتدقيق، وتجعلنا نتساءل ونطرح التساؤل للتفكيك: هل الفاعل السلفي الوهابي المحسوب على “السلفية العلمية”، مُرشّح فوق العادة لأن يُصبح فاعلًا محسوبًا على “السلفية الجهادية”؟.

هذا عن سياق تسمية السلفية المدخلية في المنطقة بشكل عام، أما عن سياق ظهورها الميداني فلا يخرج عن منعطف تاريخي عرفته المنطقة العربية، وجاءت أولى شراراته مع الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990، بكل التبعات الاستراتيجية التي سيتسبب فيها هذا المنعطف، ومنها تبعات استقدام القوات الأمريكية إلى الخليج العربي من أجل طرد الجيش العراقي، لولا أن هذا الدعم العسكري حظي بنقاشات دينية في المنطقة، وكان الخطاب السلفي -بالتحديد- في مقدمة متزعمي هذه النقاشات، عبر استحضار المدونة التراثية في معرض تبني هذا الرأي أو غيره، وفي معرض قراءة خيار استقدام القوات الأجنبية للمنطقة، على أرضية ما يُصطلح عليه عند الحركات الإسلامية بـ”التأصيل الشرعي”.[2]
ومن نتائج تلك النقاشات، بدأ أول معالم انقسام الخطاب السلفي إلى شقين اثنين بارزين: شق تقليدي أو علمي، وآخر قتالي أو “جهادي” سيُفرز لاحقًا ظاهرة “السلفية الجهادية”.

في ثنايا السلفية التقليدية، تفرعت المواقف الدينية من استقدام القوات الأجنبية إلى اتجاهين اثنين: تيار دافع عن الخيار، وآخر عارضه، وكانت السلفية المدخلية في مقدمة التيارات السلفية التي وقفت ضد المرجعيات السلفية التي استنكرت دخول القوات الأجنبية، بل كانت ضد موقف المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية، وهي “هيئة كبار العلماء”، والذين رأوا في دخول القوات الأجنبية مصلحة، إلا أنهم لم يجرموا من حرَّم دخولها، أو أنكر ذلك، فجاء المداخلة أو الجامية واعتزلوا كلا الطرفين، ليُؤسس هذا التوجه السلفي حالة وسطًا تدافع عن مشروعيّة دخول القوات الأجنبية، وتعادي من حرّم دخولها، أو أنكر على الدولة ذلك.

عاينّا المُعطى نفسه في الحالة المغربية، لأن التدين الإسلامي الحركي في المغرب عمومًا تديّنٌ تابع لنظريه الحركي المشرقي، سواء تعلق الأمر بالتدين السلفي أو التدين الإخواني أو التدين القتالي أو “الجهادي”.

قيادات التوحيد والإصلاح

ولكن ظهور التيار المدخلي في المغرب، بقي على الهامش، لأن الأضواء الإعلامية والبحثية والأمنية كانت تُسلَّط أساسًا على باقي أطياف المشروع الإسلامي الحركي، سواء تعلق الأمر بالطيف الإخواني الممثل في تيارين اثنين على الخصوص، هما: تيار حركة “التوحيد والإصلاح” (الذراع الدعوية لحزب “العدالة والتنمية”)، وتيار جماعة “العدل والإحسان” المحظورة؛ أو الطيف السلفي الوهابي، الممثل على الخصوص في تيار “السلفية العلمية” التي كان ولا يزال يمثلها الداعية السلفي “عبدالرحمن المغراوي”، بينما كانت السلفية المدخلية في نسختها المغربية في مرحلة جنينية، وما زالت حتى اليوم، مقارنة مع باقي الإسلاميين.

ظهرت السلفية المدخلية في نسختها المغربية مباشرة بعد التفاعلات العقدية التي صاحبت أحداث الغزو العراقي للكويت، ودخول القوات الأجنبية للجزيرة العربية، متبنية آراء الداعية “ربيع بن هادي المدخلي”، المختص في علوم الحديث، والذي كان يحظى بثناء رموز المؤسسة الدينية في السعودية، وفي مقدمتهم الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ صالح الفوزان، قبل أن يروجوا لفكرهم القائم على عدة مبادئ خاطئة، ومنها بخاصة مبدأ التجريح للعلماء الكبار.

لم يتجاوز وزن هذا الحضور وزن باقي أطياف السلفية في المغرب، وخاصة الطيف الكبير الذي يُمثله ولا يزال الداعية “عبدالرحمن المغراوي”، ومع ذلك لوحظ أن الأداء البحثي أو قل الأداء النقدي للمدخلية المغربية كان نوعيًّا مقارنة مع طبيعة حضورها التنظيمي المتواضع، وهذا ما سنتطرق إليه في المحور الثاني من هذه الدراسة.

ثمة ملاحظة يُعاينها متتبع أداء السلفية المدخلية في نسختها المغربية، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار تواضع وزنها التنظيمي مقارنة مع باقي الإسلاميين، من الإخوان والسلفية، كما سلف الذكر. وتفيد هذه الملاحظة، التي تهم أداء هذا الطيف السلفي، بين منعطف اندلاع حرب الخليج الثانية (يناير 1991) ومنعطف أحداث “الربيع العربي” (يناير 2011)، ولن نتحدث عن منعطف أحداث نيويورك وواشنطن (سبتمبر 2001)، بسبب القلاقل السياسية والدينية والأمنية التي صاحبته على الصعيد الإقليمي على الخصوص، لأنه الصعيد الذي يهمنا أكثر في هذا المقام، مع الترحال بالتحديد عند الحالة المغربية.

عاينّا شبه غياب لأتباع السلفية المدخلية المغربية في الساحة طيلة تلك الفترة، ونتحدث عن الغياب الميداني، كما كان الأمر قائمًا ولا يزال مع باقي أطياف المشروع الإسلامي الحركي، حيث لا يتجاوز أداء المدخلية المغربية ما كان يصدر عن الداعية والباحث علي الغربي، أو علي بن صالح الغربي السوسي السملالي، كما يوقع في أعماله، وهو الباحث الذي يلخص باقتدار خطاب السلفية المدخلية المغربية وأدوارها أيضًا، كما نعاين ذلك من خلال عناوين أعماله التي سنتوقف عندها لاحقًا.

ومباشرةً بعد اندلاع أحداث “الربيع العربي”، في نسختها المغربية، مع ظاهرة “حركة 20 فبراير”؛ سنعاين فورة في المبادرات الميدانية التي تقوم بها السلفية المدخلية المغربية، إلى درجة أنها أثارت الأقلام الإسلامية الحركية، الإخوانية والسلفية الوهابية، مما اضطر هذه الأخيرة إلى الخروج بين الفينة والأخرى بمقالات نقدية صريحة ضد المدخلية المغربية.

نذكر من هذه الأنشطة التي جاءت مباشرة بعد اندلاع أحداث “الربيع العربي” ما يلي:
– في غضون مطلع يناير 2011، أي الشهر الذي أصبح يُؤرخ لاندلاع تلك الأحداث، شهدت بلدية “تيكوين”[3] مؤتمرًا “للسلفية المدخلية”، ضم ما يزيد على 2500 مشارك ومشاركة، في دورة تكوينية هي الثالثة من نوعها في ظرف ستة شهور، دامت خمسة أيام، بدعوة من “دار الحديث” بتيكوين، حول شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني، إمام المالكية في عصره، والملقب بمالك الصغير، أطرها مشايخ كبار جاءوا من المملكة العربية السعودية، وهم: الشيخ صالح بن سعد السحيمي (رئيس قسم العقيدة سابقًا)، والشيخ محمد بن رمزان الهاجري.

ربيع المدخلي

– في أبريل 2012، نظم أتباع السلفية المدخلية “دورة إمام دار الهجرة مالك بن أنس الرابعة” في منطقة تِكِوين أكادير، واستقدموا لها أبرز شيوخ التيار من السعودية، وتلقوا فيها دروسًا عبر الهاتف من الشيخ ربيع المدخلي.

– بين 19 و24 مارس 2014، نظمت السلفية المدخلية “دورة الملك سليمان الثانية” بمقر جمعية دار الحديث بالناظور التي استضافوا لتنشيطها الشيخ محمد بن هادي المدخلي وآخرين.

– بين 20 و24 مايو 2015، نظمت جمعية الصفا التابعة للسلفية المدخلية بمدينة مكناس “دورة السلطان محمد بن عبدالله العلوي الأولى”، بمقر دار الشباب عبدالكريم الخطابي.

– بين 18 و24 نوفمبر 2015، نظمت الجمعية ذاتها “دورة السلطان محمد بن عبدالله العلوي الثانية”، من تنشيط الشيخ عبيد الجابري، بالمركب الرياضي لسيدي بابا بمدينة مكناس.

– تنظيم جمعية “الصفا” النسخة الثالثة لدورة السلطان محمد بن عبدالله العلوي، بين 22 و25 يناير 2017، بالقاعة المغطاة “تولال” بمدينة مكناس.

وتفاعلًا مع هذه المبادرات، سنعاين صدور عدة مقالات لرموز إسلامية حركية، من التيار الإخواني والسلفي الوهابي، ذات نَفَس نقدي صريح، موازاة مع بعض المتابعات الإعلامية للمنابر المحسوبة على هذه المرجعية، وهذه بضع إشارات في السياق ذاته، مع تدقيقات حول المرجعية والرسائل، مع الإشارة الضرورية هنا إلى أن التيار الإسلامي الحركي الذي تولى مهمة نقد السلفية المدخلية في المغرب هو التيار السلفي الذي تحالف مع التيار الإخواني مباشرة بعد اندلاع أحداث “الربيع العربي”.

والحديث هنا عن نسبة من أتباع تيار “السلفية التقليدية” أو “السلفية العلمية” حسب التداول الإعلامي، تلك التي يتزعمها الداعية عبدالرحمن المغراوي، والتي كانت بعيدة عن التحزب السياسي، وغالبًا ما تتخذ مواقف مهادنة للسلطة، على غرار “سلفية الإسكندرية” في زمن ما قبل “الربيع المصري”، ولكن تسببت أحداث “الربيع العربي” في إحداث شرخ نظري وتنظيمي بين هذا التيار في المغرب، كان من نتائجه إعلان جزء منه الانفصال عن مشروع عبدالرحمن المغراوي، وتأسيس تنظيم جديد غير مُعلن عنه رسميًّا، ولكن حاضر عمليًّا، ويدين بالولاء السياسي المباشر لمشروع حزب “العدالة والتنمية”، ويقود هذا التيار الجديد مجموعة من الدعاة الشباب، نذكر منهم الداعية السلفي حماد القباج في مراكش، الذي أصبح عضوًا في الحزب الإسلامي، بل تقدم إلى الانتخابات التشريعية المؤرخة في أكتوبر 2016، لولا أن وزارة الداخلية منعته من ذلك لأنه “يبث الحقد والتفرقة والعنف في أوساط مكونات المجتمع المغربي”، حسب البلاغ الرسمي الصادر حينها عن وزارة الداخلية.

ولهذا التيار السلفي المتحالف مع المشروع الإخواني عدة منابر إعلامية، نذكر منها صحيفة “السبيل”، وهي صحيفة نصف شهرية، وموقع “هوية بريس” [howiyapress] الإلكتروني، إضافة إلى الحضور في العالم الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ولذلك تكفلت هذه المنابر تحديدًا بتمرير رؤى نقدية صريحة ضد السلفية المدخلية في المغرب، من باب الدفاع عن التيار الإخواني من جهة، والدفاع عن الخيار السلفي الذي تبناه هذا المشروع المنفصل عن السلفية العلمية التي كانت ولا تزال مهيمنة على المشهد الإسلامي الحركي المغربي في نسخته السلفية حصرًا.

أحمد الشقيري الديني

هذه بعض الإشارات النقدية -إذن- قبل التوقف عند مفاتيح نظرية تساعد على قراءة أسباب هذا التفاعل النقدي الصادر عن أقلام تنهل من مرجعية إسلامية حركية، ولكنه نقد موجه في نهاية المطاف إلى خطاب إسلامي حركي أيضًا وليس محسوبًا على مرجعية حداثية أو علمانية أو إلحادية:

– مقالة للداعية الإخواني أحمد الشقيري الديني، وهو عضو حركة “التوحيد والإصلاح” وحزب “العدالة والتنمية”، بعنوان: “السلفية المدخلية بالمغرب: من الرعاية إلى التوظيف”، منطلقًا من فرضية حسَمَ في صحتها مفادها أن هناك رعاية شبه رسمية للسلفية، بما فيها السلفية المدخلية، وموردًا ثلاثة سيناريوهات تُفسّر تلك الرعاية:

أ- السيناريو الأول: التشويش على الفاعل الإسلامي، إذ يمكن أن يلعب هذا التيار دور المشوش على حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، لأن “المدخلية” يوجهون سهامهم للجماعات والأحزاب الإسلامية دون غيرهم، خصوصًا من يشتغل منهم بالعمل.

ب- السيناريو الثاني: محاصرة جماعة “العدل والإحسان”، لأن السياسة الأمنية المتبعة مع الجماعة منذ 2006 تعطي صورة مخالفة لدولة الحق والقانون، خصوصًا لدى المراقب الخارجي. فيكون البديل هو مواجهتها بفكر أشد تطرفًا، وهو ما تُقدمه “المدخلية”.

ج- السيناريو الثالث: محاصرة تنظيم “القاعدة” الذي يزداد نشاطه جنوب الصحراء، وهو السيناريو الذي نرجحه، لأنه يجيب على دلالة اختيار الجنوب المغربي لعقد هذا المؤتمر بهذا الحشد الهائل”.[4]

– متابعة إخبارية نقدية لأحد أنشطة التيار المدخلي التي نظمت بين 18 و24 نوفمبر 2015، نشرها الموقع الإلكتروني سالف الذكر، مع إحالة صريحة في مضامين المتابعة الإعلامية، على أنه من أبرز المنظرين لهذا المشروع، نجد “الشيخ المثير للجدل ربيع بن هادي المدخلي، ومحمد المدخلي الذي ساند ما اعتبروه انقلابًا في ليبيا ومصر”، واتهام خطاب السلفية المدخلية بأنه “فكر خطير لا يختلف عن الفكر الداعشي كثيرًا من جهة صناعة التطرف وقوالب ظاهرها الالتزام وباطنها شيء آخر”.[5]

– مقالة للداعية السلفية حماد القباج بعنوان صريح ودال جاء فيه: “من يقف وراء الترويج لفتنة التيار المدخلي في المغرب؟”، موردًا عدة إشارات نذكر بعضًا منها:
– جاء في الأولى أن “الملك محمد السادس -وفقه الله- أرشد المغاربة إلى تفادي أخذ دينهم عن غير علمائهم”، ولكن هذا المعطى “لا يعني بذلك دعوتهم إلى الانغلاق ورفض الآخر؛ ولكن يرشدهم إلى ما يتحصنون به ضد دعوات الغلو والتطرف، ومنها دعوة الشيخ ربيع المدخلي الذي فتن المسلمين، وفرق السلفيين، وحرض الشباب المتدين على الخروج على علمائه في كثير من دول العالم الإسلامي”، دون أن ينتبه محرر المقالة إلى أن هذا الخطاب الذي يروجه ينطبق على الخطاب الديني الذي يتبناه، والذي تروجه صحيفة “السبيل” وموقع “هوية بريس”، بدليل إثارة النزعة الدينية المتشددة لهذه المنابر في عدة مناسبات من طرف باحثين ومتتبعين، سواء في ندوات أو مقالات أو في مواقع التواصل الاجتماعي.[6]

يرى القباج أيضًا أن المدخلية في المغرب “صارت حزبًا فوضويًّا يُقلد الشيخ ربيعًا في آرائه ومواقفه؛ فمن بدعه ربيع فهو المبتدع، ومن أثنى عليه ربيع فهو السلفي، وإن كانوا يقولون إنهم ضد التحزب، وضد الجماعات، ويسمون عملهم هذا “أخوة في الله”، إلا أن الواقع يشهد بأنهم متحزبون متعصبون”.

الداعية السلفي حماد القباج

كما أحصى الداعية مجموعة من المؤاخذات النقدية على السلفية المدخلية، نذكر منها: جرأة كبيرة على أعراض العلماء والدعاة، تتبع العثرات والزلات وتضخيمها وجحود الفضائل والمكرمات وتغطيتها، التفصيل والتدقيق في تتبع ما يرونه أخطاء عند الدعاة والجماعات والحركات الإسلامية، والإجمال والاختصار في رد منكرات الملاحدة والعلمانيين المحاربين للإسلام،الجرأة والشراسة في مهاجمة العلماء المصلحين مهما عظمت خدمتهم للدين، ومداهنة الحكام الظالمين المعتدين مهما عظمت معاداتهم للدين، حصر العلم الذي ينشرون في مسائل معدودة ومجالات محدودة يدعون الإمامة فيها، والسكوت عن مسائل ومجالات أوسع مع أهميتها لبيان شمولية هذا الدين ومواكبته للتطور البشري، تملق مكشوف لمن وافقهم وتمحل في الاعتذار عن انحرافاته، وعدوانية مكشوفة ضد من يخالفهم ورفض كل عذر يعتذر له به، وأخيرًا التحامل الشديد على المشروع العالمي لجماعة الإخوان المسلمين في مقابل التساهل الشديد في مواجهة المشروع العالمي للصهيونية”.[7]

– نشر صحيفة “السبيل” ملفًّا في موضوع “التيار المدخلي.. النشأة والتوظيف”، ونقرأ من عناوين الملف، المواد التالية: “التيار المدخلي.. النشأة والتوظيف”، “العلامة المحقق محمد بوخبزة: المداخلة لا يُنصفون وهمّهم الوحيد التحطيم”، “منهج غلاة التبديع في الحكم على العلماء والدعاة والأعيان”، “علماء السلفية يتبرءون من الفكر المدخلي وغلوه وتطرفه” “قناة “البصيرة” منبر إعلامي للترويج للفكر المدخلي” [8].

– متابعة إعلامية نقدية لمشروع السلفية المدخلية المغربية في الموقع ذاته، بعنوان “التيار المدخلي: النشأة والتوظيف”، متهمة أتباع النسخة المغربية من السلفية المدخلية بأنهم “لا يُعيرون اهتمامًا لعلماء بلدهم، ولا للمؤسسات الدينية الرسمية، وارتباطهم الوثيق موصول ببعض الأفراد في الحجاز لا يحظون بالقبول بتاتًا في بلدهم، وأن الدورات التي يقيمونها ويستقطبون لها رءوسهم في المغرب أو خارجه، ويرفعون فيها شعار العلم وكتب أهل العلم”. منتقدة خطاب المشروع بعد أحداث “الربيع العربي”، وخاصة ما تروجه فضائية “البصيرة” التي يديرها الشيخ المصري عبدالرزاق الرضواني، لأنها “حرضت على الحقد والكراهية [عبر] حلقات خاصة بالمغرب أسمتها “مكر الإخوان بالمغرب لزوال الحكم الملكي”، مطالبة إياهم، بـ”التبرؤ من فكر الإخوان وفكر حسن البنا”.[9]

– ملف جديد للصحيفة ذاتها، في السنة نفسها، بعد بضعة أشهر من صدور الملف السابق عن السلفية المدخلية المغربية، مع التوقف هذه المرة عند النسخة الليبية من السلفية المدخلية، وجاء الملف تحت عنوان: “ليبيا بين تطرف داعش والتيار المدخلي ومخططات التقسيم الغربي”، متضمنًا المواد التالية: الأزمة الليبية وضعف الإرادة الدولية، معلومات خطيرة حول “كتيبة التوحيد السلفية” المؤيدة لحفتر، خارطة انتشار الكتائب المسلحة في ليبيا، رابطة علماء المغرب العربي تحث الشباب الليبي على الحذر من دعاة الفتنة والتفرقة، الغرياني: داعش وحفتر جسم واحد، خطة بديلة تقضي بتقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات، من جديد.. ربيع المدخلي يحرض على الكراهية في بنغازي وهيئة علماء ليبيا تطالب بتدخل وزارة الخارجية السعودي وهيئة كبار العلماء.[10]

– مقال رأي وافتتاحية صحيفة “السبيل”، بقلم مديرها الداعية السلفي إبراهيم الطالب، تحت عنوان: “المدخلية والشيعة وتنزيل خريطة الشرق الأوسط الكبير”.[11]
– مقالة بعنوان “المداخلة.. طعن السلفية من الداخل”، أشارت إلى أنه “لم يشوه أحدٌ السلفيةَ مثل ما شوّهها كثيرٌ من المنتسبين إليها والمحسوبين عليها”، ومن ذلك “ما قام به المداخلة من تشويه للسلفية”، أي “تحريف مفهوم السلفية نفسه!”، “فالسلفية عند عامة علمائها ومُنَظّريها هي العمل بالقرآن والسنة وفق القواعد والأصول التي اتفق عليها سلف الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين. أما السلفية عند المداخلة: فهي لَيُّ أعناق نصوص القرآن والسنة لإضفاء الشرعية على سياسات ورؤى آل سعود”.[12]
– نشر الموقع سالف الذكر شريط فيديو بعنوان “التيار المدخلي صنيعة مخابراتية لمواجهة تيار الإخوان المسلمين”.[13]

– مادة نقدية على هامش ندوة جمعية “الصفا” سالفة الذكر حول النسخة الثالثة لدورة السلطان محمد بن عبدالله العلوي، حيث اعتبر محرر المقال أن المغرب “أضحى مضرب مثل في مقاومة الإرهاب والغلو، لكن وفي مقابل ذلك يجهل من رخص للمنتمين للفكر المدخلي بالنشاط بكل أريحية في مكناس، وفتح أمامهم قاعة “تولال” ليحشدوا الناس إليها من كل مدن المملكة، إن هؤلاء الضحايا – خاصة من الشباب- ستُحشى عقولهم، وطيلة خمسة أيام، بأفكار خطيرة، وسترسم لهم مناهج غاية في التطرف والغلو لم يسبق إليها في التاريخ الإسلامي من قبل”.[14]

أحمد الريسوني

– مقالة للداعية الإخواني أحمد الريسوني، الرئيس السابق لحركة “التوحيد والإصلاح” الذراع الدعوي لحزب “العدالة والتنمية”، والذي يترأس اليوم مؤسسة “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، ومقره في قطر، تحت عنوان: “المداخلةُ السعوديون: من تقديس ولاة الأمور إلى تقديس ولاة الخمور”، حيث اعتبر أن “المداخلة، أو التيار المدخلي، هو تنظيم ديني/سياسي مُوازٍ، أنشأته وزارة الداخلية السعودية ومخابراتها، ليكون “أداة دعوية دعائية” في مواجهة ما عرف سعوديًّا بـ”تيار الصحوة” أو “التيار الصحوي”، الذي ظهر وازدهر في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين المنصرم، وتميز بدعوته إلى الإصلاح السياسي، وبنقده أو “نصحه” للحكام في السعودية”.[15]

بعد هذه الوقفة البانورامية مع بعض الوقفات النقدية التي صدرت ضد السلفية المدخلية المغربية، عن أتباع مرجعية إسلامية حركية بالتحديد، نورد بعض الاحتمالات التي تُساعد المتتبع في قراءة أسباب هذه الوقفة النقدية، ونلخصها في ثلاث نقاط:

أ- يُفيد المحدد الأول أن السلفية المدخلية في المغرب، تُعد منافسًا مباشرًا على استقطاب أتباع التدين السلفي في الساحة، وبالتالي تنافس على الظفر بنسبة من “الرأسمال الرمزي” -بتعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو- الذي يخول لها تمثيل الطيف الإسلامي الحركي بشكل عام، والطيف السلفي بشكل خاص.

ب- يتطلب المحدد الثاني العودة إلى ما يُميز النقد الديني الصادر عن المرجعية السلفية المدخلية، ولا نتحدث هنا عن النقد الموجه إلى المرجعيات العلمانية أو الحداثية أو الشيعية أو الصوفية، فهذا تحصيل حاصل من جهة، وقاسم مشترك بينها وبين باقي أطياف التديّن الإسلامي الحركي؛ وإنما نتحدث عن النقد الموجه إلى باقي أتباع هذا التديّن بالتحديد، من التيارين الإخواني والسلفي.

ومعلوم أن أدبيات السلفية المدخلية بشكل عام، تركز في هذه الجزئية النقدية الخاصة بالتديّن الإسلامي الحركي، على نقد أدبيات وأعمال سيد قطب، كما تركز بالنتيجة على أدبيات الحركات الإسلامية المنخرطة في العمل السياسي، أو “العمل السياسي الشرعي” باصطلاح أدبيات “السياسة الشرعية”، كما تركز على نقد خطاب الدعاة والعلماء والوعاظ الذي أعلنوا عن مواقف نقدية صريحة ضد السعودية إبان تطورات أزمة حرب الخليج الثانية، ومعضلة دخول القوات الأجنبية. وفي هذا السياق إذن، تأتي هذه الردود الإخوانية والسلفية المغربية الموجهة ضد السلفية المدخلية، ما دامت تعتبر مشروعًا إسلاميًّا مضادًّا يحظى بقابلية لكي يؤثر في المزاج السلفي السائد، ويمكن أن يُشوش على أداء المشروع الإسلامي الحركي في المغرب بشكل عام، على اعتبار أن أتباع هذا المشروع يُقزمون من النقد الصادر عن المرجعيات العلمانية والحداثية، ولكن الأمر مختلف عندما يتعلق بالنقد الصادر عن مرجعية إسلامية حركية.

ج- نأتي للمحدد الثالث، وهو المسكوت عنه في ظاهر هذه الانتقادات، لأنه يرتبط بتمرير مواقف سياسية غير مباشرة إلى جهات في دائرة صناعة القرار، تعتقد القيادات الإخوانية والسلفية في المغرب، أنها [الجهات المعنية] تؤيد وتروج الخطاب السلفي المدخلي، في سياق سحب البساط النسبي عن المشروع الإسلامي الحركي من جهة، وكسبًا لنسبة من التأييد الإسلامي الحركي لمشروعية السلطة في اتخاذ القرارات السياسية التي تهم الدولة أو قل تهم المصالح العليا للدولة.

أعضاء حزب العدالة والتنمية المغربي

وليس صدفة في هذه الجزئية أن نقرأ إحالات صريحة على السعودية والمغرب ومصر والإمارات، أي الدول التي يَعتبرها محورًا سياسيًّا واستراتيجيًّا في المنطقة معاديًا للإخوان، خاصة أن المنابر الإعلامية أعلاه، تلك التي نشرت هذه الانتقادات، محسوبة كما سلف الذكر على مشروع سلفي انخرط في تحالف سياسي صريح مع المشروع الإخواني، بالصيغة التي تُكرسها مثلًا مقالات الرأي التي تنشرها، سواء في الصحيفة أو المنبر. 

هناك عدة سيناريوهات ذات صلة بمستقبل السلفية المدخلية المغربية، أخذًا بعين الاعتبار التطورات التي يمر منها الخطاب الديني والعمل الديني بشكل عام، سواء تعلق الأمر بخطاب المؤسسات الدينية أو خطاب الطرق الصوفية أو خطاب الحركات الإسلامية أو خطاب التيارات السلفية، في شقها التقليدي والقتالي أو قل “الجهادي”. 

يمكن حصر أهم السيناريوهات في اتجاهين اثنين:
– اتجاه يُحيل إلى جزئية دقيقة وحساسة عند جميع الفاعلين في العمل الديني اليوم، في حقبة ما بعد تطورات وتفاعلات أحداث “الربيع العربي”، ولا يهم السلفية المدخلية وحسب، وإنما باقي أطياف التديّن الإسلامي الحركي، ومعه التديّن الصوفي، إضافة إلى ما يصدر عن خطاب المؤسسات الدينية. وترتبط هذه الجزئية بمستقبل العمل الديني بشكل عام، والعمل الديني المحسوب على الحركات الإسلامية بشكل خاص، وعنوان هذه الجزئية هو مأزق الما بعديات، من قبيل الحديث عن “ما بعد الإسلاموية” في نسختها الإخوانية، أو “ما بعد السلفية”، ومنها السلفية المدخلية.

بمعنى آخر، لا يمكن أن تكون هذه السلفية المدخلية بعيدة عن قلاقل هذا الاتجاه في الساحة، بصرف النظر عن طبيعة التوظيفات السياسية أو الارتباطات الخارجية لهذا المشروع، والذي وبخلاف أغلب الفاعلين في العمل الإسلامي الحركي، يُحسبُ في الساحة المغربية أنه صريح في الدفاع عن الدولة الوطنية دون الحديث صراحة عن مفهوم “الدولة الوطنية”، ولكن طبيعة خطابه ومواقفه من السلطة السياسية الحاكمة، وهي سلطة دينية أيضًا في الحالة المغربية، لأنها تحمل اسم مؤسسة إمارة المؤمنين، تخول لنا الحديث عن إعلان الولاء لهذه المؤسسة في شقيها الديني والمدني[16].

– ومقابل السيناريو الأول، هناك سيناريو آخر، هو المرجح، عنوانه الإبقاء على وزن هذا التيار دون تضخيم أو تقزيم من لدن صناع القرار، وذلك لعدة اعتبارات، أهمها أنه تيار متواضع تنظيميًّا مقارنة مع التيار الإخواني الذي يوجد في العديد من مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني؛ ومن بين الاعتبارات أيضًا أن السلطة السياسية، وبالنظر إلى تواضع الأعمال الدينية التي تشتغل على نقد معارضي السلطة، من التيار الإخواني والسلفي الجهادي على حد سواء، توجد أقلام هذا التيار في مقدمة المؤهلين لهذه العملية.

عبدالرحمن المغراوي

بين أيدينا نموذج تطبيقي وبالتالي عملي في هذا السياق، ويتعلق الأمر بالباحث علي بن صالح الغربي، الذي يكاد يكون الناطق البحثي باسم هذا التيار في المغرب ومنطقة المغرب العربي، من فرط ما ألفه من أعمال نقدية ضد رموز الحركات الإسلامية، والسلفية الجهادية، بل طال نقده حتى القيادي الأول في تيار “السلفية العلمية” في المغرب، الشيخ عبدالرحمن المغراوي، ونذكر منها الأعمال التالية على الأقل:

– “إرشاد الحائرين وتنبيه الغافلين لاجتناب ضلالات عبدالسلام ياسين”، وصدر هذا الكتاب في ثلاث طبعات: 1999، 2001، 2003.
– “طواغيت الخوارج بالمغرب بين الفتاوى التكفيرية والعمليات الانتحارية”، ط 1، 2006.
– “قومة المدعو ياسين الفتان بين رسالة الطوفان والخروج للعصيان”، ط 1، 2006.
– “أعلام سفهاء الأحلام بتحريم التفجيرات الانتحارية في الإسلام”، ط 1، 2011.
– “تنبيه الأنام بتحريم الإضراب عن الطعام في الإسلام”، ط 1، 2011.
– “الكاوي لمثالب محمد بن عبدالرحمن المغراوي”، ط 1، 2013.
– “إلجام أحمد الريسوني عن الكلام بعد إباحته الردة عن الإسلام”، ويليه “وقع السنان على مثبط الرعية عن السلطانّ، ط 1، 2014.[17]
– “مطاعن الشيعة الخاسرين في أمنا عائشة أم المؤمنين”، ط 1، 2019.

ضمن مُجمل هذه الأعمال، نتوقف هنا أمام كتاب واحد منها هو “طواغيت الخوارج بالمغرب بين الفتاوى التكفيرية والعمليات الإجرامية الانتحارية”[18]. والعمل في الواقع أشبه بنموذج تطبيقي لداعية وباحث يشتغل خارج المؤسسة الدينية الرسمية، ولكنه ارتأى الانخراط في “الاشتباك الفقهي” مع أدبيات ومواقف بعض الرموز السلفية الوهابية في شقها المتشدد، أي السلفية الجهادية، بل إن هذا الكتاب، يُعتبر أول عمل يتطرق بالتفصيل الفقهي النقدي لـ”أطروحات” وأدبيات رموز تيار “السلفية الجهادية” بشكل صريح وواضح، على الأقل في تاريخ صدوره، مع نهل المؤلف من مرجعية سلفية صريحة، سواء عبر دلالات وصف الكاتب للشيخ ابن باز بأنه “من أئمة هذا الزمان ومن خيرة علمائه وجهابذته الكبار، وهذا فيه إجماع للأمة”[19] أو انتصار المؤلف للاستشهاد برموز المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية في معرض نقد أطروحات “الجهاديين” بخصوص التعامل مع مفاهيم “الولاء والبراء” و”الجهاد”، والتفجيرات، وغيرها من المفاهيم، ونخص بالذكر استشهاد المؤلف بالأسماء التالية: صالح بن فوزان الفوزان، عبيد بن عبدالله الجابري، عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي، عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، ربيع بن هادي المدخلي، عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، محمد صالح العثيمين، وصالح آل الشيخ.

خُصّص الفصل الأول للتعريف بـ”الخوارج” وما ورد في حقهم من الأحاديث وأقوال أهل العلم، ثم تبعه ذلك بابُ “الدعوة السلفية واعتقاد السلفيين في حكام المسلمين”، وباب آخر يحمل عنوان “السلفية الجهادية رواية صحفية”، ثم مبحث “المؤسسات الثلاث التي ساهمت في بروز طغاة الخوارج بالمغرب”، وخصَّ بالذكر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية المغربية والمجالس العلمية، ووزارة الثقافة، ثم صحفًا يصنفها في خانة “التشهير والارتزاق”، وافتتح الكاتب هذا الفصل بسرد لائحة من الأحاديث النبوية التي تُحيل إلى تيار الخوارج قبل العروج على شهادات علماء السنة في السياق ذاته، ونذكر منهم: الإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام مالك بن أنس، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والدارمي، وابن حبان، والشيباني، ويمكن إيجاز مجمل هذه المقتطفات في خلاصتين أساسيتين:
– إجماع هؤلاء على “خروج الخوارج على السنة”.
– أنهم “يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأن دار الإسلام دار حرب ودراهم هي دار الإيمان”. [20]

يُوجّه الكاتب نقدًا لاذعًا لصناع القرار الثقافي في الوزارة الوصية، من منطلق أنهم رخّصوا لصدور الأعمال التالية، وحرّرها بعض رموز “السلفية الجهادية”: “عملاء لا علماء” (1997)، “الفوائد في كشف ضلالات بعض الجرائد” (2002)، “السلفيون والحكومات المغربية مواجهات دامية” (2002)، “لماذا لا نشارك في الانتخابات الديمقراطية” (2000)، وصدرت عن محمد بن محمد الفيزازي (قبل تبنيه “المراجعات”)؛ وهناك أيضًا “إخبار الأولياء بمصره أهل التجهم والإرجاء” (2000)، “جمعية الرفق بالطواغيت في قفص المحاكمة” (2000)، وصدرت عن عمر بن مسعود الحدوشي،[21] بالرغم من إقرار المؤلف في مقام آخر من العمل بأن الحدوشي يُعتبر “أفقه من جميع هؤلاء، وأعلم وأحفظ للمتون”.[22]

ضمن أدبيات هذا التيار، نجد أيضًا “فصل المقال في أن مَن تَحاكم إلى الطاغوت من الحكام كافر من غير جحود ولا استحلال”، (2001)، و”تأسيس النظر في رد شبه مشايخ مرجئة العصر حول الحاكمية: الجهاد” (1999) لعبدالكريم الشاذلي (قبل تبنيه “المراجعات”)، وأخيرًا “مراتب الولاء والبلاء” (1998)، و”مراتب الكفر بالطاغوت” (1998) لزكريا الميلودي.

وجاء الفصل الثاني للترحال مع أهم الجماعات الإسلامية التكفيرية في المغرب -حسب الكاتب- ولخّصها في أربع جماعات: جماعة “التكفير والهجرة”، “التكفير بدون هجرة”، غلاة “التكفير بدون هجرة”، وأخيرًا “التكفير بالحاكمية”، وما يجمع جميع هؤلاء أنهم ينتمون عقديًّا ومذهبيًّا إلى الأب المؤسس للتيار التكفيري بالمغرب، وهو ميمون أو موسى، الذي بزغ نجمه في الدعوة للتيار التكفيري سنة 1979 مباشرة بعد صدمة حادث الحرم المكي الشهير الذي كان وراءه جهيمان العتيبي.

أما الفصل الثالث، فقد خصّصه للترحال مع جماعات “التكفير بالحاكمية”، من خلال الاشتغال على أدبيات محمد بن الحسن الفيزازي (الأب)، والابن محمد بن محمد الفيزازي، ليختتم الفصل والكتاب في آن بسرد لائحة من الفتاوى الفقهية ذات المرجعية السلفية الوهابية، ونخص بالذكر فتاوى من وَصَفهم بالعلماء السلفيين المعاصرين في العمليات الانتحارية، وفي الاغتيالات، وفي اختطاف الطائرات، وفي الإضراب عن الطعام.

عبدالكريم الشاذلي

وبالجملة، نحن إزاء كتاب قيّم في مضمونه، وبصرف النظر عن حدة النقد التي تُميز أعمال علي بن صالح الغربي، فإنه يمكن اعتبار هذا العمل من أهم الإصدارات المغربية التي اشتغلت على النقد العقدي للمشروع السلفي الجهادي في المغرب. ومع أن العمل صدر في عام 2006، وتاريخ هذه الدراسة هو مطلع 2020، فإنه لم يصدر أي عمل عن إحدى المؤسسات الدينية الرسمية في المغرب، من هذه الطينة النوعية في النقد، لولا التحفظ الذي يجب الانتباه إليه في هذا السياق النقدي، وعنوانه التصلب النقدي، إن لم يكن هذا التصلب أقرب إلى مقام التشدد والغلو والتكفير، وما “يشفع” للمؤلف السقوط في هذا المطب المذهبي، كونه مرَّ سابقًا بتجربة الانتماء للتيار السلفي التكفيري، قبل تراجعه عن تبني أطروحات هذا التيار، بالصيغة التي يؤاخذها مثلًا في هذا العمل على أدبيات عبدالكريم الشاذلي والميلودي زكريا. ولعل الفقرة التالية تُبرز مدى تصلب المرجعية المذهبية للمؤلف، حيث نقرأ للمؤلف في معرض تسفيه الإضراب عن الطعام، كخيار حقوقي يلجأ إليه المعتقلون السلفيون في السجون المغربية، لقد “أفتوا أتباعهم من داخل السجون بالإضراب عن الطعام ليحققوا مطالبهم، ومتى كان الإضراب عن الطعام من سنة سيد المرسلين وما أنزله الله تعالى عليه، أو كان من سنة الخلفاء الراشدين، إن لم يكن من دين الكفار والملاحدة وعبدة الطاغوت”. [23] 

وحاصل الكلام في هذه الدراسة أن تيار السلفية المدخلية في المغرب يُصنف ضمن التيارات الإسلامية الحركية، في شقها السلفي بالتحديد، ولا يزال أقلية تنظيمية مقارنة مع باقي الحركات الإسلامية، الإخوانية والسلفية، ومعروف عنه إعلان الولاء للدولة الوطنية، ومنخرط نظريًّا في التصدي الديني النقدي لمُجمل المشاريع الإسلامية الحركية التي تنتقد الدولة، بما يُخوّل له الإبقاء على حظوظ نسبية في المزاحمة النظرية لهذه المشاريع، وكسب ود نخبة من صانعي القرار، طالما بقي بعيدًا عن المشاكسة النقدية السياسية والدينية لمصالح الدولة الوطنية. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

منتصر حمادة

كاتب وباحث مغربي

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

Start typing and press Enter to search