"السنباطي"

ميزان الاعتدال

ضعِ القلم، واطوِ الصحيفة، وأطفئ السراج الكبير، وأدخل جوارحك في حالة السكون، واجعل من نفسك أذنًا تصغي فتلتقط الدقائق ما ظهر منها وما بطن؛ لأن موسيقاه مُلئت طهرًا وسموًّا، وألحانه أشبعت فخامة وجمالًا، وترانيم عوده استقرت إلى الأبد في سمع الزمان، واسمه مقترن بهيبة واحترام وإجلال. اتسمت أعماله بمتانة التأسيس، وقوة البناء، فهي في عالم النغم كالجبال الرواسي في علوم الجغرافيا، أو كديوان المتنبي في عالم الشعر.

ولم يكن غريبًا من أم كلثوم -وقد عرفت فضله- أن تتمسك به في رحلة فنية اقتربت من أربعة عقود، كان خلالها “رياض السنباطي” هو الملحن الأول لسيدة الطرب وشادية العرب، منذ تلقّفها للأعمال الأولى: “على بلد المحبوب وديني” و”النوم يداعب عيون حبيبي”، إلى الخواتيم: “الثلاثية المقدسة” و”القلب يعشق” و”من أجل عينيك”.

وبين البدء والختام، حفر “السنباطي” اسمه في سجل الخلود، إذ هو صاحب القصائد الشامخات، والصروح الباقيات: سلوا كئوس الطلا، وولد الهدى، ونهج البردة، ورباعيات الخيام، واذكريني، والنيل، وذكريات، وقصة الأمس، وإلى عرفات الله، وثورة الشك، وصولًا إلى اللحن المدوي في سمع الدنيا، والعمل المنحوت في جبال النغم “الأطلال”.

أعطني حريتي أطلق يديا، إنني أعطيت ما استبقيت شيا.. شدت بها “أم كلثوم”، فتوقف الزمان والمكان، مأخوذًا بهذه الصرخة المحتجة الرافضة، وانخلعت القلوب مع الآهة المنطلقة من جوف يحترق: آه من قيدك أدمى معصمي، ثم ينقل اللحن المستمعين إلى تساؤل منطقي، غير مكتفٍ بدلالة اللفظ، ولكنه أيضًا يتساءل بالنغم: لم أبقيه وما أبقى عليا؟.. ما احتفاظي بعهود لم تصنها؟.. ثم يأتي الاستفهام الاستنكاري الثالث: وإلام الأسر والدنيا لديا؟ وهنا، يضع “السنباطي” بموسيقاه معنى إضافيًّا، فيتجاوز معنى الاستفهام المستنكر، إلى معنى الكبرياء والإباء وإدراك ما للنفس من قيمة لا يصح بذلها لمن لا يقدرها. نعم وضع “السنباطي” كل هذه المعاني بنغمه واثقًا من قدرة “أم كلثوم” على توصيل رسالته إلى الجمهور الواعي.

أعطني حريتي أطلق يديا.. من حفل تونس 1968

غلبت أصالح في روحي، جددت حبك ليه، سهران لوحدي، يا ظالمني، دليلي احتار، أروح لمين، هجرتك، حيرت قلبي، عودت عيني، أقولك إيه عن الشوق، ليلي ونهاري، الحب كده.. أعمال قدّها “السنباطي” من روحه ووجدانه، وأطلقها عبر صوت “أم كلثوم” الجبار، فرسخت في قلوب الملايين، لكنها أثارت سؤالًا مشروعًا: هل يكون السنباطي بهذه البراعة مع غير كوكب الغناء؟ أليست ألحانه لغير أم كلثوم لا تبلغ في قوتها وجمالها ما تبلغه ألحانه لها؟

ويرى كثيرون من عشاق فن الرجل أن السنباطي هو السنباطي، ملحن فذ، صاحب موهبة عبقرية، وقد يبرهنون على مذهبهم بألحان “رياض” المشتهرة والناجحة لعدد من المطربين والمطربات: فلنستمع إلى “نجاة” وهي تغني “إلهي ما أعظمك”، أو “وردة” وهي تؤدي “يا لعبة الأيام”، أو “عبدالمطلب” وهو يتسلطن في “شوفت حبيبي”. وفي سلسلة البراهين اللحنية يتقدم نسيجه الفذ لقصيدة “أشواق” أو رائعته الصوفية الضارعة “إله الكون”.

قصيدة أشواق

لكن السؤال يتجاهل حقيقة ساطعة، تتمثل في كون “أم كلثوم” تملك طاقة صوتية ليست عند غيرها، وأنها تؤدي أداء لا يقدر عليه إلا هي، والطبيعي والصواب أن يكون التلحين لها مختلفًا عن التلحين لغيرها، فهي ستعطي الملحن ما يريد، ولن تقيده بضعف أو تردد، وإذا استوت أعمال ملحن لأم كلثوم مع أعماله لغيرها فالخلل عنده، والعيب منه. لقد كان “السنباطي” خبيرًا بالأصوات، عارفًا بقدراتها، فأعطى كل مطرب بقدر طاقته، ووجد في صوت “أم كلثوم” من المساحة والقوة وعبقرية الأداء ما يُطلق تفكيره الموسيقي ذا الطابع التأملي الفلسفي الدرامي.

ألزم “رياض” نفسه بطريق صعبة، واتخذ سبيلًا يرفض الاستسهال، وأصرّ أن يكون إبداعه وفق القواعد، وأن يكون جديده مراعيًا للأصول، لم تعرف موسيقاه تلك العداوة المزعومة بين التعبير والتطريب، ولا بين إشباع الجمهور والارتقاء بالفن، كان صاحب القفلات الفخمة الحراقة المحبوكة، التي تهتز لها الأفئدة، وتصفق لها الكفوف، لكن لن تجد له قفلة مبتذلة، لا غاية لها إلا استجداء الاستحسان الرخيص، والتصفيق الجهول. يبدأ “السنباطي” المقطع، ويسير به في طريق النغم وفق منطق يرضي العقل والقلب، ويظل مصرًّا على التسلسل “المنطقي” إلى أن يصل إلى ذروته بقفلة كأنها هدية إلى الجمهور المتلهف.

فضلت أعيش بقلوب الناس.. من منولوج "ياللي كان يشجيك أنيني"

يصر “السنباطي” على متانة البناء، وقوة السبك، ويقدم في هذا الجانب برهانًا تلو برهان، ومن الأمثلة الساطعة المقدمة الموسيقية للأطلال، وهي نغم مرسل بلا إيقاع، “أدليب”.. لقد ضمنها سبعة أو ربما ثمانية مقامات، أو أجناسًا إن شئنا الدقة، لكن المستمع لا يشعر أبدًا بكل هذه الاختلافات، لأن “السنباطي” صهرها في مطبخه، وأخرجها في سبيكة قوية جدًّا، رغم الاستهلال بجنس الراست من درجة أعلى، والانتهاء بجنس العراق، تمهيدًا للغناء من المقام الأساس “راحة الأرواح”.

وقف الخلق ينظرون جميعًا كيف أبني قواعد المجد وحدي.. قصيدة شاعر النيل “حافظ إبراهيم”، لحنها “رياض” فأطال بها قائمة براهينه على قوة السبك، ومتانة البناء اللحني. تتعدد المقامات، لكن الإطار العام يشدها بقوة، فليست العبقرية في تعدد المقامات، وإنما هي في العلاقة التي يُنشئها الملحن بين المقاطع، لتصبح كأنها أحجار الهرم الأكبر، أو معبد فرعوني منحوت في صخور جرانيتية تتحدى الزمن.

قصيدة مصر تتحدث عن نفسها.. مثال واضح على متانة البناء اللحني

ظهر “رياض السنباطي”، ولمع نجمه سريعًا بعدما ضمته “أم كلثوم” ليكون العضو الثالث بفريق ملحنيها الذي ضم “القصبجي” ثم “زكريا أحمد”. بدأ مسيرته وآثار “القصبجي” بادية في ألحانه، لا سيما عندما يكون النص من قالب المنولوج، كما كان لعبدالوهاب أثره الواضح على غناء “السنباطي”، وأحيانًا على بعض جمله الموسيقية؛ لكنّ آثار هؤلاء الكبار لم تكن بالقدر الذي يطغى على شخصية “السنباطي” الفنية الأصيلة المتميزة القوية لأبعد الحدود، فقط احتاج الأمر بعض الوقت قبل أن تشق شمس “السنباطي” كل غمام أو ضباب يحجب رؤيته الفنية المستقلة.

وقف “السنباطي” على أساس متين، فهو مستوعب تمامًا لأصول الغناء الشرقي الكلاسيكي، دارس متمكن لفن الموشح، حافظ لعدد كبير من أدوار القدماء، يحمل تقديرًا كبيرًا لسيد درويش، وهو مع كل هذا عازف عود مقتدر، لكنه سيبدأ مسيرته وفق الترتيبات المستجدة التي حكمت المشهد الغنائي والموسيقي. ومن خلال تأمل ألحانه لأم كلثوم، ووفقًا لترتيبها الزمني، تتضح معالم الخطة السنباطية في تطوير الموسيقى العربية من داخلها، مع مدها -عند الضرورة- بمقادير محسوبة من العناصر الغربية.

لسة فاكر.. مثال لتعامل "السنباطي" مع "العامية"

كان للسنباطي نصيبُه من “التغريب المدروس”، ومن الصعب أن تنسب ألحانه إلى الكلاسيكية الخالصة. وإذا أخذنا قالب “القصيدة” مثلًا، وهو القالب الذي كان ميدانًا لسيادة “السنباطي” وريادته، فيمكننا أن نرصد أثر الموجة التجديدية التغريبية متمثلًا في البناء الدرامي الذي يقدمه “السنباطي”، فالقصيدة الغنائية بهذه الصورة لا تنتمي إلى القصائد الكلاسيكية في طرب عصر النهضة، حيث كان اللحن مجرد اقتراح لمسار مقامي يتمسك به المطرب، مع حرية كبيرة في التصرفات والتقطيع والتكرار، وأيضًا يختلف البناء الدرامي للقصيدة السنباطية عن قصائد الشيخ “أبو العلا محمد”، رغم الاتفاق في الانضباط اللحني والإيقاعي، فأبو العلا الذي مثّل نقلة نوعية للأمام في تلحين القصيدة، وكان رائدًا في منح هذا القالب لحنًا كاملًا واضحًا مقاميًّا وإيقاعيًّا، مثّل مرحلة وسطى بين المرحلتين “الحامولية” و”الوهابية”. فلمّا بدأ النزوع نحو الدراما مع بواكير “عبدالوهاب”، ودخل “السنباطي” ميدان المنافسة أواخر الثلاثينيات، قدم حالة من التوازن المدهش بين التعبير والتطريب، وبين الدراما ومتانة البناء اللحني، بين إلباس الكلمات نغمًا يتسق مع معانيها وبين القفلة الحراقة التي تنتزع الآهات والصيحات من الجمهور.

“المقادير” و”المعالجة” كانا الركنين الأساسيين لخطة “السنباطي” في المزج والتطوير، فالرجل لم يُدِر ظهره لواقع أصبح مستقرًّا، ولم يرفض التطوير من حيث المبدأ، لكنه كان حريصًا حرصًا شديدًا على حساب “المقدار الغربي” الذي يحتاج إليه، كأنه طبيب يصف جرعات دوائية ليعالج مريضًا، مع التنبيه على خطورة التعاطي المتجاوز للجرعة المحددة.

قصيدة ذكريات.. من بواكير المقدمات الموسيقية الطويلة في أغاني أم كلثوم

صحيح أن “المقادير” تفاوتت قليلًا من لحن إلى آخر، لكن “التوازن” كان هو الخط الذي يمتد على استقامته في كل ألحان “السنباطي”، وكان التطوير مراعيًا دومًا لهذا التوازن الدقيق. نعم، تختلف “سلوا كئوس الطلا” عن “ذكريات”، وتختلف “ثورة الشك” عن “أقبل الليل”، وصحيح أن “السنباطي” استخدم البيانو أو الأورج أو الأكورديون في أعمال قليلة معدودة، لكن ظلت هذه استثناءات لا تغير من المشهد الكامل لتعامله مع القصيدة العربية، ووصوله بها إلى ذروة فنية يصعب إدراكها، رغم التزامه بهذا التوازن الدقيق.

ولد “رياض السنباطي” عام 1906، ورحل في 9 سبتمبر عام 1981، وبين الميلاد والرحيل كان العطاء فياضًا، والنغم منسابًا، والجمال أخّاذًا، والفن رائقًا. عاش منطويًا، فجعل من عزلته معراجًا إلى نغم فلسفي، يتسم بالعمق والصدق والسمو. مَنْ كان لنص مثل “حديث الروح” غير “رياض السنباطي”؟ ومن كان لرباعيات الخيام غيره؟

رحلت يا رياض وما رحلت.. باقٍ بما تركت.. لكننا نفتقدك، ونفتقد مجلسًا أنت به.. كيف لا.. وبك نتوسل إلى سكينة القلب، وطمأنينة النفس، وارتقاء الروح؟.. يا صفاء الروح.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبو زيد

كاتب مصري

مشاركة

نفرت ناجي

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search