رياضة

السوبر الأوروبي..حين تواطئنا على إفساد اللعبة

“كلنا فاسدون، لا أستثني أحدا”.. جملة شهيرة للفنان المصري الراحل أحمد زكي في فيلمه “ضد الحكومة” تناسب موضوع الساعة في كرة القدم، بل الموضوع الذي تخطى الكرة وبات حديثا للعالم كله برؤسائه وحكامه، بطولة جديدة ستقتل كرة القدم من وجهة نظر البعض وستحييها في رأي البعض الآخر، أو في رأي مؤسسي “دوري السوبر الأوروبي” بالأحرى، وبين هذا وذاك، ستُغير معالم اللعبة بالتأكيد، بل ستصنع منها شيئا لا يشبه كل ما عرفناه عنها منذ بدأت حتى اللحظة.

تلك الحالة أصابتنا جميعا بالدهشة، لذا لم يكن أمامنا إلا العودة إلى الوراء ومعرفة ما الذي وصل بنا إلى هنا، وأين ذهبت كرة القدم التي نعرفها؟ في رحلةٍ مليئةٍ بالمحطات التي طُبخ فيها الـ”سوبر ليج” على نار هادئة، بينما يظن البعض أنه جاء مفاجئا ومن العدم.. عزيزي القارئ، هل أنت مستعد لخوض تلك الرحلة الزمنية معنا؟ حسنًا، حان موعد الانطلاق:

كيف بدأت الحكاية؟

فلورنتينو بيريز
فلورنتينو بيريز

فكرة دوري السوبر الأوروبي ليست جديدة ولكنها مطروحة منذ نحو 20 عاماً، حين فكّرت الأندية الكبرى في استحداث بطولة تجمعهم دون البقية، يلعبون ويتنافسون فيما بينهم ليستمتع الجمهور بصداماتهم القوية، ولكن المقترح لاقى رفضا من الجهات المسؤولة كونه يقتل مفهوم المنافسة في كرة القدم ويجعلها محصورة بين عدة أندية.

الفكرة ظلّت مجمدة، أعاد اقتراحها فلورنتينو بيريز في 2009 وأندريا أنييلي في 2011، ومضت الأمور في مفاوضات هادئة، حتى اجتاح فيروس كورونا العالم، وحدث ذلك في وقت وصل فيه مستوى الإنفاق في كرة القدم إلى حد الجنون، فتراجعت الأرباح، وباتت الأندية مهددة بخسائر ضخمة، فطالبت الاتحادات المحلية والاتحادين الأوروبي والدولي بالمساعدة التي لم تكن كافية، خاصة أن أرباح دوري أبطال أوروبا أصحبت غير كافية، ناهيك بكونها تقسم بنسبة 60% للاتحاد الأوروبي لكرة القدم و40% فقط للأندية.

وبعد مفاوضات بين رؤساء الأندية وبين اليويفا (الاتحاد الأوروبي لكرة القدم) حول تغيير نظام دوري أبطال أوروبا ليصبح أشبه بالنظام الذي يريدونه لزيادة الأرباح، لم تعجبهم تقسيمة التركات من قبل اليويفا، وهنا، فكرت الأندية الكبرى في الخروج من مظلة الاتحادات، وخلق مظلة خاصة بهم.

نتيجة ذلك، اجتمع رؤساء الأندية الكبرى واتفقوا على إنشاء رابطة خاصة بهم، ومن خلالها إنشاء بطولة دوري السوبر الأوروبي، والتي لن تكون تابعة لأي جهة أو اتحاد، ولكنها ستكون مملوكة لمؤسسيها، لتتحول كرة القدم من كونها لعبة محكومة بجهات قانونية وتنظيمية إلى لعبة مملوكة لمستثمرين ورجال أعمال يديرون الأندية ويمثلونها، في سحب واضح للبساط من تحت أقدام الفيفا واليويفا وكذلك الاتحادات المحلية.

ما الجديد في تلك البطولة والذي بدوره سينعش الأرباح؟

الجديد أنها ستجمع كل الأندية الكبرى التي تحبها الجماهير حول العالم لتلعب وجهاً لوجه، ويصبح الموسم كله عبارة عن مباريات نارية، حدث ضخم كهذا سيهتم العالم كله بمتابعته، وسيتم تسويقه بشكل غير مسبوق، وذلك استنادًا على 6 مليار دولار سيضخها بنك جي بي مورجان الأمريكي، ويدور حديث حول أن شركات مثل “أمازون” و”فيسبوك” و”تويتر” ستدفع أرقام مماثلة من أجل الحصول على حقوق البث، ما يسمح للمؤسسين بمنح 350 مليون يورو لكل نادٍ نظير المشاركة فقط، وبالتالي تنتعش الخزائن ويختفي شبح الإفلاس وتُعوض الخسائر.

ما المشكلة في هذا؟..  بكل بساطة، أن هذه البطولة ستستحوذ على كل الأرباح وحقوق البث والاهتمام الجماهيري وكل ما يجلب الأرباح، بينما ستعاني بطولات الاتحاد الأوروبي بدون الأندية الكبرى، وستعاني البطولات المحلية بحضور صوري فقط لتلك الأندية ــ في حال حضرت أصلًا ــ حيث ستصب كامل اهتمامها على البطولة التي تجلب الأرباح الأكبر بكل تأكيد. هذا هو ملخص الحكاية، وما كان يجب أن نسرده في البداية لننتقل منه إلى إجابة سؤال؛ وماذا بعد؟

كرة قدم للأغنياء 

ألكسندر تشيفرين
ألكسندر تشيفرين

بطبيعة الحال، أول سؤال سيتبادر إلى ذهنك بعد معرفة أن أندية: مانشستر يونايتد، مانشستر سيتي، تشيلسي، توتنهام، آرسنال، ليفربول من إنجلترا، وأندية ريال مدريد، أتلتيكو مدريد، برشلونة من إسبانيا، وأندية يوفنتوس، ميلان، إنتر من إيطاليا هم الـ 12 نادياً المؤسس للبطولة – سؤال: ما المعيار لاختيار هؤلاء دون غيرهم؟ ولماذا توتنهام وليس نابولي أو أولمبيك ليون؟.. الإجابة بدون أي دبلوماسية ستكون الأموال، فالمعيار الوحيد هو ما تمتلكه هذه الأندية من أموال وما تستطيع جلبه من أموال، كون اللعبة كلها باتت تدور حول ذلك.

فمصطلح “الأندية الكبيرة” يبدو مخادعاً، لأنك لو نظرت مثلاً إلى أندية ستيوا بوخارست وسيلتيك والنجم الأحمر الصربي وبورتو وأياكس وأيندهوفن وبوروسيا دورتموند ستجدها حققت دوري أبطال أوروبا من قبل، وبعضها لأكثر من مرة، بينما لم يحقق كل من توتنهام وآرسنال ومانشستر سيتي وباريس سان جيرمان اللقب إطلاقاً.

كما أن هذه الأندية بعضها كان كبيراً في حقبة ما وسقط في أخرى، وبعض الأندية الأخرى المختارة في دوري السوبر الأوروبي لم يكن لها وجود ثم أصبحت في الواجهة. ما السبب وراء كل ذلك؟ نفس الإجابة؛ الأموال ولا شيء غيرها.

ذلك الأمر صرّح به رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ألكسندر تشيفرين، والذي قال إن تلك الأندية التي تدعى كبيرة، لم تكن دوماً كبيرة، فيوفنتوس كان في الدرجة الثانية ومانشستر قبل أليكس فيرجسون لا يُعرف أين كان، وبعيداً عن اختياره لحالات لا تعبر عن مقصده، إلا أن منطقه صحيح، فتوتنهام مثلاً متى كان كبيراً مقارنة بأياكس؟

لكن فلورنتينو بيريز ضرب عرض الحائظ بكل ذلك حين برر سبب تواجد توتنهام بأنه يحب هاري كين، هنا أنت لا تحتاج لأن تكون جاداً لمناقشة الأمر.

وقبل أن تتعاطف مع تشيفرين أو تشعر بحميته على كرة القدم، تذكّر أنه استحدث دوري الأمم الأوروبية لزيادة الأرباح، وكذلك النظام الجديد لليورو بزيادة عدد المنتخبات، وأيضاً دوري أبطال أوروبا، هنا ستدرك أن الأمر ليس شجاراً بين حق وباطل، ولكنه ببساطة تمسّك للجهات السيادية والمسيّرة لكرة القدم بسلطاتها، واتجاه للأندية الكبرى لنسف هذه السلطة كونهم مصدر دخل اللعبة، وبناء عليه فإنهم يستحقون النصيب الأكبر من أرباحها، وليس الاتحادات التي تقوم بدور إشرافي وتنظيمي ليس إلا.

الفارق الوحيد بين ما استحدثه الاتحاد الأوروبي أو الفيفا ودوري السوبر الأوروبي أنها كانت أشياء داخل السياق، وليست نسفاً تاماً للسياق كما هو الحال الآن، لم يكن فيها ما يسمى باحتكار المنافسة التي سيحدثها السوبر ليج بإقصاء جميع الأندية لصالح حفنة منها، وهنا يظهر سؤال جديد، هل ذهبنا إلى النوم مساء واستيقظنا صباحًا لنجد كل هذا التغيير في كرة القدم التي نعرفها بين عشية وضحاها؟ الإجابة ستكون كالعادة بالعودة بضع خطوات للخلف.

تطور طبيعي

نهائي كأس العالم 1998 بين البرازيل وفرنسا
نهائي كأس العالم 1998 بين البرازيل وفرنسا

قبل استكمال الحديث، أنت بحاجة فقط لوضع تعريف مجرّد لدوري السوبر الأوروبي لأننا سنحتاجه الآن، دعنا نعرّفه بأنه بطولة جديدة ستسمح بمواجهات أكثر بين الكبار لكي تدر المزيد من الأرباح، اتفقنا؟.. دعنا الآن نستقصي أكثر وراء ذلك المفهوم، لنسأل سؤالاً جديداً من أسئلتنا التي يبدو أنها لن تنتهي، هل هذا المفهوم جديد في عرف كرة القدم؟

الإجابة يمكن سردها عبر العديد من المواقف، أبرزها مثلًا اعتراف ميتشيل بلاتيني أنه تم التلاعب بقرعة كأس العالم 1998 حتى يلتقي العملاقان فرنسا والبرازيل في النهائي، بالطبع صدام كهذا سيدر من الأرباح ما هو أكثر من غيره.

موقف آخر لا يحتاج لاعتراف صريح وهو محاولات اليويفا المستميتة لأن يكون نهائي دوري أبطال أوروبا كلاسيكو بين ريال مدريد وبرشلونة في حقبة مورينيو وجوارديولا، وذروة رونالدو وميسي، فضلاً عن مجاملة ميسي ورونالدو وغيرهم بالحضور الدائم في حفلات “أفضل لاعب” والتي لا تعبّر عن أفضل لاعب بقدر ما تعبر عن أكثرهم جاذبية وجلباً للصرخات بين الجماهير، هذا بالطبع غيض من فيض، حيث هناك من الوقائع ما يمكّنك من قضاء سهرة ممتعة بمجرد كتابة عبارة “فضائح التلاعب بقرعة بطولة..” على محرك البحث جوجل.

بالعودة إلى التعريف الذي وضعناه للسوبر ليج كبطولة أو شيء ما يسمح بمواجهات أكثر بين الكبار من أجل الأرباح، تجد أن هذا المنطق كان متحكماً في اللعبة، واستدعى تدخلات وطعن في نزاهتها في كثير من المرات في السابق، كما أدى لحرمان الصغار من الفرص، ومجاملة للأغنياء على حساب الفقراء.

فكل المبادئ التي يرفضها العالم اليوم في دوري السوبر الأوروبي، قبلها وأشرف عليها من قبل في مناسبات كثيرة بصيغ أخرى، تخيل أن تقوم بصناعة قرعة تفصيل لمنتخبين أو ناديين حتى يتواجها، هل هناك قتل للشفافية والحقوق أكثر من ذلك؟

وهل يمكنك أن تثق في المؤسسة التي قامت بذلك حين تدعي أنها تريد حماية اللعبة من “حفنة الأندية الجشعة” التي تريد احتكار اللعبة؟ في هذه الحالة الفارق الوحيد هو أنه بدلاً من قيام المؤسسة القانونية بالتلاعب سراً، قامت مجموعة الأندية بصناعة قوانينها الخاصة علناً.

إذًا مسألة جمع أصحاب القوة والنفوذ دون غيرهم ليست حديثة، وماذا عن فكرة سيطرة الأموال ومعدل تضخم الإنفاق في اللعبة بشكل سريع لدرجة جعلتها تتمحور حول المال فقط؟ هل هي حالة جديدة أيضاً؟

هذه المسألة لا تحتاج إلى بحث واستقصاء شاق حتى تجيب عليها، يكفيك فقط النظر إلى أسعار الصفقات والمواهب تحت 20 عاماً التي باتت تباع قبل أن تلعب، هذا الجنون الذي يحاوطك في أسعار الصفقات وما يحصل عليه اللاعبون جرّاء أي شيء يقومون به حتى أصبحت أرباحهم من صور يرفعونها على إنستجرام تتجاوز ما يحصلون عليه من الكرة نفسها، وغيرها من الأموال التي تتضاعف بمرور السنوات بصورة لا تصدق.

هل كل هذه العوامل لم تجعلك تتوقع أن يصل الجنون المالي إلى ذلك الحد؟ باستعراض ذلك يبدو أن دوري السوبر الأوروبي ما هو إلا انفجار رقيق مقارنة بما يمكن استنتاجه منطقياً من هذه المعطيات.

خلال السنوات الأخيرة أيضاً، تصاعدت وتيرة الانقسام بين الفيفا واليويفا، وبينهما وبين الاتحادات المحلية، وبين الاتحادات المحلية والأندية الكبرى، وبين الأندية الكبرى والصغرى، تصاعد وصل إلى حد لا يحتمل في الشهور الأخيرة وفقا لتقرير الإندبندنت البريطانية، حالة شحن بين الجميع وتصاعد لكل شيء ملء فقاعة كرة القدم حتى وصلت إلى حدها الأخير.

وبينما كان الانفجار محتماً، جاءت إبرة صغيرة تسمى فيروس كورونا لتضرب الفقاعة، ويحدث الانفجار قبل موعده ليس إلا، فقط كان من الممكن أن يتأخر عن 2021 بضع سنين.

من هنا لا تحتاج إلى أي جهد لتستنتج أن فكرة إزاحة أندية لحساب غيرها قائمة وتتمدد، حالها كحال الجنون المالي، والتدخل المباشر من بعض أصحاب النفوذ، وسيطرة رأس المال، ووتيرة الانقسام بين الجميع.

الآن حان الوقت للعودة إلى فقرة الأسئلة: ما السبب في كل ذلك؟ ببساطة، وجود فجوة كبيرة بين أندية وأخرى، وتحوّل اللعبة إلى أندية كبرى وآخرين، وبناء عليه، ما الذي أدى إلى ذلك أصلاً؟ حان الوقت أيضاً للعودة بضع خطوات للوراء، وتحديداً، إلى ما يسمى بقانون بوسمان.

لحظة “بوسمان” الفارقة

مارك بوسمان
مارك بوسمان

هل تشعر بالدوار؟.. هذا طبيعي، فرحلتنا الزمنية تجاوزت 20 عاماً: نحن الآن في 1990، حيث جميع الأندية التي تشارك في دوري أبطال أوروبا تستطيع المنافسة، وحيث تمتلك الفرق الحق في الحفاظ على لاعبيها مدى الحياة في حال أرادت، وحيث لاعب بلجيكي مغمور يسمى مارك بوسمان.

بوسمان انتهى عقده مع ناديه لييج البلجيكي ثم وصله عرض من نادي دنكيرك الفرنسي، الفريقان لم يتفقا على المقابل المادي وفشلت الصفقة، وفيما أراد اللاعب الرحيل أجبره النادي على البقاء وتجديد عقده بربع راتبه الذي كان يريد زيادته في الأساس، ثم تجميده على دكة البدلاء.

اللاعب شعر بالظلم وتوجه إلى المحكمة، وبعد 5 سنوات من المطالبة بحقه، حُكم في 1995 للاعبي كرة القدم بالحق في الرحيل عن أنديتهم مجاناً بمجرد انتهاء عقودهم، وهنا تغيّرت خارطة كرة القدم تماماً.

هذا القانون جعل اللاعب حراً في تقرير مصيره، وبالطبع في ذلك التوقيت تدخلت الأندية الكبرى وأصحاب النفوذ ومن امتلك أموالاً ينفقها في الحال لاستقطاب اللاعبين الأمهر من الأندية الأقل شأناً، ومن هنا زادت الفجوة بين الأندية، وبدأ مفهوم الأندية الكبرى والصغرى في الترسّخ أكثر، حيث باتت بعض الأندية مصدراً لتمويل اللاعبين إلى بعض الأندية الأخرى ليس إلا.

اتسعت الفجوة أكثر بالتدريج، وبدأ اللاعبون يطالبون بأموال أكثر، وبدأت الأندية تقيم المزادات حول اللاعب الذي يوشك عقده على النهاية، فارتفعت الأسعار والرواتب أكثر، وباتت العقود بحاجة إلى كثير من التفاصيل فظهر وكلاء اللاعبين، وأمام التعقيدات ازداد نفوذهم أكثر، وباتت هناك إمبراطوريات لمينو رايولا وخورخي مينديز وغيرهم بمرور السنوات.

هذه التفاصيل، خلقت الفجوة التي نتحدث عنها اليوم بين الأندية، وجعلت هناك أندية ودوريات ومباريات أكثر مُتابعة من غيرها، ونتيجة لذلك، وفي عصر العولمة، خرجت الأندية الكبرى عن حدود بلدانها وقاراتها، وأصبح هناك مشجعون للأندية الأكثر مالاً ونفوذاً وقدرة على تسويق نفسها في كل أنحاء العالم.

ثم تحوّل هؤلاء إلى راوبط مشجعين رسمية يتواصلون بشكل مباشر مع النادي، ويدفعون الأموال في سبيل أي شيء له علاقة بالنادي وكأنهم ولدوا هناك، ولم تعد الأندية قاصرة على مدينتها، بل أصبح العالم كله يدور حول عدة أندية بعينها، فزاد حجم هذه الأندية مقارنة بغيرها، ونتيجة لذلك، جاءت فكرة أن يصنعوا سورًا حولهم يحجبهم عن بقية العالم، طالما أغلب المشجعين لا يهتمون إلا لأمرهم.

وعلى ذكر الجمهور، تظهر المساحة التي لا يخوض فيها الكثيرون، كونها تحمل اتهاماً مباشراً لذواتهم.

إلى الجمهور.. كلنا فاسدون 

جماهير كرة القدم
جماهير كرة القدم

بعد تلك الرحلة الزمنية التي قطعناها، ستجد نغمة واحدة تعزفها الجماهير الرافضة لما آلت إليه كرة القدم، نغمة الحسرة على اللعبة التي أحبوها والتي انتهت أمام لعبة مختلفة تتشكل برعاية الأندية الكبرى الآن، ولكن قبل أن نذرف الدموع سوياً، دعنا نخبرك أن كل ما تحدثنا عنه من فساد وتحكم للأموال وفجوات بين الأندية وتغيير لمصائر بطولات وألقاب وغيرها من الأشياء الكريهة لم تكن لتحدث إلا بمشاركة الجماهير، ولن تكون مبالغة إذا قيل أن الجمهور هو السبب الرئيسي وليس فقط أحد الأسباب.

في كل الخطوات السابقة، ستجد أن الأندية تستمد نفوذها وأرباحها من عدد مشجيعها أولاً، ثم استعدادهم للقيام بأي شيء من أجل ذلك النادي الذي يشجعونه.

هذا الولاء المطلق لـ “الكيان” بغض النظر عمّا يمارسه القائمون عليه جعل الأندية تضمن ضخ جماهيرها للأموال مهما حدث، وبالتالي فإن القائمين على اللعبة والمستثمرين فيها لم يصبحوا مطالبين سوى بالزج باسم الأندية واللاعبين المعشوقين فقط، وسيأتي الجمهور بلا أي عناء.

أما رؤساء وملاك الأندية، فقد أصبح باستطاعتهم احتكار السوق والإنفاق أكثر من غيرهم فقط لأنهم يستطيعون ذلك، وسيفخر الجمهور بذلك، يفوزون بكل الوسائل غير المشروعة، وسيفرح الجمهور، يمارسون أي شيء أخلاقي أو غير أخلاقي، وسيطرب الجمهور، وتذكر، أن الجمهور هو مصدر نفوذ الأندية الأوحد، لذا يجب أن يرضى دائماً.

الجمهور الذي يتهم الأموال بإفساد كرة القدم هو من يريد من إدارة فريقه التعاقد مع كل لاعبي العالم المميزين، يخوض حرباً مع صديقه على المقهى حول من منهما سيتعاقد مع هالاند ومبابي مقابل 500 مليون يورو.

هذا يحدث في كل مقاهي العالم؛ يجتمع هؤلاء الراغبون في حسم كل الألقاب للضغط على أنديتهم، فترتفع أسعار السوق وتستجيب الأندية، بسبب الرأسمالية؟.. لا، بسبب الجماهير أولاً، ثم يلاحظ القائمون على اللعبة أن الأرباح ستزداد إذا فاز هذا النادي بالبطولة بأي طريقة، أو في حال لعب هذين الفريقان بدلاً من غيرهما، فيتم التلاعب والتدخل والفضائح، بسبب السوبر ليج؟.. لا بسبب الجماهير، يُمارس الضغط على الحكام، ويفخر من كان يخوض حرباً مع صديقه على المقهى بفوز مشبوه رغبة في نكاية صديقه مرة أخرى، فتزيد الانتصارات المشبوهة. وأيضاً، السبب الجماهير.

هذه الأفعال ساهمت في إصدار قانون ضمني من قبل الجماهير مفاده أن كل شيء مباح في كرة القدم، وأنه لا وجود للفساد والغش والتحايل والسرقة، ولماذا أصلاً نقول هذه الكلمات المهينة طالما من الممكن استبدالها بالذكاء والحنكة؟

وبالوصول إلى هنا، هل هناك ما يستدعي المفاجأة من السوبر ليج؟ هل بقي عنصر من عناصر اللعبة لم يشوبه شيء؟ وهل كل ما قام به هؤلاء لم يكن كافياً لأن تذهب كرة القدم لتلك الخطوة؟.. في الحقيقة يساورنا الشك أن أحداً يمتلك إجابة مختلفة، نظرًا لأن غالبًا من يمتلكها سيكون شخصاً لم يعد معنا بالزمن، وما زال حبيساً للحظة الحالية ويرفض النظر إلى الوراء أو السير مع تتابع الأحداث، يتمسك بحالة الحيرة ويقف حزيناً في الشرفة، يهز رأسه في عجب ويتساءل قائلًا: أين ذهبت كرة القدم التي أحببتها؟

اقرأ أيضًا:

الزحف نحو أوروبا.. الصراع الخفي بين أمريكا والصين على كرة القدم

معدلات تهديفية جنونية.. ما الذي تغير في البريميرليج؟

يوسف حمدي

كاتب رياضي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى