“السودان الجديد” وصراع الهويات

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وأكاديمي مصري

يتمتع السودان بتنوعه الثقافي والحضاري بمسحة من عبقرية في المكان وفقا لتعبير الراحل الكبير ‏جمال حمدان، حيث يجمع بين عوالم ثلاثة هي العروبة والإفريقية والإسلام، وقد وصف المفكر الكيني ‏الأبرز على مزروعي موقع البلد العربي، أثناء محاضرة له في جامعة الخرطوم عام 1968 بأنه يمثل “هامشية متعددة” باعتباره يقع على خطوط التماس العربية الإفريقية.

رغم الدلالة السلبية التي قد ترتبط بهذا المفهوم إلا أنه يُعبرعن التنوع والتلاقح الثقافي المطلوب في المشهد الإفريقي العام، والذي لم تستوعبه النخب السياسية المسيطرة منذ ما قبل الاستقلال، حيث تم الالتفاف على الهوية السودانية باسم الدين تارة وباسم العرق أو الأيديولوجيا تارة أخرى.

نتيجة لذلك ثارت الأطراف في الجنوب والغرب والشرق على السواء، وكان الثمن باهظا بانفصال الجنوب عام 2011، غير أن السودانيين تعلموا الدرس في انتفاضة ديسمبر 2018 حينما أصروا على الإطاحة بنظام البشير وبناء “سودان جديد” يشمل الجميع وفقا لقاعدة المواطنة.

ما يميز الثورة السودانية مقارنة بما سبقها من هبات وانتفاضات جماهيرية كونها جمعت بين المطالب الاقتصادية والسياسية، فلم تكن ثورة للبطون فحسب وإنما كانت أيضا تعبيرا عن رفض حكم جماعة الإخوان المسلمين.

إلى جانب ذلك مثلت ثورة للأطراف، حيث انطلقت من المدن الرئيسة خارج الخرطوم لتمتد إلى العاصمة، من جهة ثالثة يمكن أن ننظر إليها على اعتبارها حركة شبابية بالأساس، يُشكل طلاب المدارس الثانوية والجامعات من الجيل الجديد وقودها المحرك، ‏من ثم فهي بعيدة عن القوى التقليدية وإن حاولت التقرب منها، ‏ولعل ذلك كله يرسم معالم المآلات ومستقبل التحول الديموقراطي في المرحلة الانتقالية.

في أواخر حكم البشير كانت حالة الاستقطاب السياسي غير خافية بين أنصار “تسقط بس” المطالبين بالتغيير وأنصار “تقعد بس” المؤيدين لنظام البشير. بدا المد الثوري واضحا وأنه تخطى مرحلة المطالب الاقتصادية، كما كانت الجموع الحاشدة تطالب بوضع حد لحكم “الكيزان” ، وهو قول منسوب للترابي يفيد: “بأن الإسلام بحر ونحن كيزانه” فصار الكيزان مرادفا لاسم الاخوان المسلمين.

ذهب البشير إلى سجن كوبر العتيد، لكن بقي إرث سنوات حكمه التسلطي يشكل عائقا كبيرا أمام حكومة عبدالله حمدوك الانتقالية.

يتمثل التحدي الأكبر أمام تحقيق الاستقرار السياسي والانتقال الموعود للحكم الديموقراطي في ظل حالة الانقسام السياسي ووجود عدد كبير من التنظيمات والكيانات السياسية المتنافسة، إذ يشهد السودان اليوم أكثر من 120 حزبًا سياسيًا وذلك بعد حدوث انشقاقات داخل حزبي الأمة بزعامة الصادق المهدي والحزب الاتحادي الديموقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني.

لا يزال صراع الهويات موضوعا للانقسام والتجزئة بين دعاة الاسلاموية من أنصار النظام السابق ودعاة المرجعية الاسلامية بصفة عامة وبين أصحاب رؤية السودان الجديد التي روج لها الراحل جون قرنق، وليس خافيا أن التهميش والاقصاء السياسي أسهم بدرجة كبيرة في فشل الانتقال الديمقراطي في مناسبتين سابقتين عبر تاريخ السودان الحديث: أولهما الاطاحة بنظام عبود (1964) والثانية لدى سقوط نظام النميري (1985)‏.

تمكن نموذج الإنقاذ بزعامة البشير عبر نحو ثلاثة عقود من أن يؤسس مصادر أخرى للشرعية تعتمد على ‏‏”أخونة” مؤسسات الدولة ليفرض منظومة عقائدية تُنافي نمط التعددية الثقافية الذي يتسم به المجتمع ‏السوداني، واتسمت الممارسة السياسية في عهد الإنقاذ على مبدأ فرق تسد، فضلا عن مهارة غير معتادة ‏في بناء التحالفات الداخلية والخارجية سواء بسواء، وعليه فإن عملية الانتقال والتغيير تظل محفوفة بالمخاطر في ظل هيمنة شبكات ‏المصالح الكبرى لأجهزة الدولة ورجال الأعمال. ‏

على سبيل المثال نموذج غازي صلاح الدين العتباني، زعيم حزب الإصلاح والحليف القديم لعمر البشير، هو حصان ‏طروادة لجماعة الإخوان المسلمين في المرحلة الانتقالية، كما أنه حليف مخلص لكل من تركيا وقطر.

فبعد ما يقرب من عام من الإطاحة بالرئيس المعزول عمر البشير، تعيش البلاد أزمة اقتصادية حادة، حيث يبلغ معدل التضخم 60 ٪، بينما وصل معدل ‏البطالة إلى 21.1 ٪ في عام 2019‏، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، وطبقا للبيانات الحكومية فإن 30٪ من الشباب، ‏الذين يشكلون أكثر من نصف سكان السودان البالغ عددهم 42 مليون نسمة، عاطلون عن العمل، وتشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن نحو 8.5 مليون شخص يواجهون نقصًا في الغذاء في جميع أنحاء البلاد، ولعل أصل المشكلة أنه بعد انفصال الجنوب في عام 2011، فقد السودان 75٪ من حقوله ‏النفطية ونسبة أكبر من أرباح عملته الصعبة.

اليوم وقد أضحت أزمة الاقتصاد الكلي تتمثل في ‏ارتفاع معدلات التضخم، وتراكم متأخرات الديون الخارجية المستحقة، ونبذ السودان وإقصائه من النظام ‏المالي الدولي القائم على الدولار (وربما دفع هذا أصحاب التفكير التآمري إلى القول بأن مسألة اغتيال رئيس الوزراء في 9 مارس الماضي لا تعدو كونها مسرحية تم هندستها استخباراتيا بغرض رفع شعبية الحكومة الانتقالية).

تستلزم تلك الأوضاع ‏تعاونًا وثيقا من مؤسسات الحكم الانتقالي، وإلا سوف يتراجع الإنتاج الزراعي وتنخفض القدرة على تمويل ‏الواردات الحيوية – بما في ذلك الغذاء والدواء والمنتجات البترولية المكررة. في هذه الحالة تصبح عودة المد ‏الاحتجاجي الشعبي أمرا متوقعا.

رغم كل ذلك لا شك أن شطب السودان من قائمة واشنطن الخاصة بالدول الراعية للإرهاب يعد خطوة لازمة لتمهيد الطريق أمام الاستثمار الأجنبي والحصول على دعم صندوق النقد والبنك الدوليين من أجل المساعدة في تسوية ديون السودان التي تبلغ أكثر من 50 مليار دولار .

كما يتطلب تجاوز الأزمة إلى مزيد من الدعم من جانب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، مع ملاحظة أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يحظى بدعم المانحين الغربيين عادة يقوم على تخفيضات في الإنفاق الحكومي، وتخفيض قيمة العملة الوطنية، ومزيد من الخصخصة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الصعوبات التي يواجهها الفقراء لتتحول آمال المواطنين في تحسن ظروفهم المعيشية إلى إحباطات قد تدفع نحو موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية.

تظل مسألة إحلال السلام في السودان تحديا كبيرا، وبهذا الخصوص من الملاحظ أن الجبهة الثورية المسلحة التي تأسست عام 2011 في أعقاب انفصال جنوب السودان، وتضم جماعات التمرد الكبرى مثل “حركة تحرير السودان” و”الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال”؛ لم توقع على اتفاق تقاسم السلطة مع الجيش في أعقاب انهيار حكم البشير، كما لم تشارك في سلطات الحكم الانتقالي بالتبعية، ومع ذلك التزمت الجبهة بوقف إطلاق النار منذ ما قبل الإطاحة بالبشير، تضامناً مع حركة الاحتجاج الشعبية.

‏ في سياق آخر، يدعو عبد العزيز الحلو الذي يقود أكبر مجموعة متمردة في مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان إلى دولة ‏علمانية أقرب إلى نموذج “السودان الجديد” الذى دعا إليه الراحل جون قرنق، كما يدعو الرجل إلى حل الميليشيات المسلحة ‏التي أسسها نظام البشير وإعادة تأهيل وتوحيد الجيش الوطني‎.‎

من جانبهم يشتط غلاة حركة تحرير السودان – ‏الشمال حد الدعوة إلى تقرير المصير في جنوب كردفان والنيل الأزرق، كما تعكس حالة الانقسام ‏الأيديولوجي والفكري في الجبهة الثورية ما بين علمانية حركة تحرير السودان والمرجعية الإسلامية ‏لحركة العدل والمساواة نفس المشهد السوداني العام بتعقيداته وتناقضاته الفكرية والدينية.‏

والسؤال: هل يمكن للعهد الجديد في السودان أن يعيد صياغة الرواية الشاملة حول صراع الهويات في السودان؟ وبدلاً من المواجهة بين الرواية العربية الإسلامية في الشمال مقابل الرواية الإفريقية المسيحية في الجنوب أو العروبة مقابل الأفريقانية في دارفور يصبح الخلاص هو إحياء مفهوم ” السودان الجديد” على أساس دولة مدنية ديمقراطية تعددية تؤكد على حقوق وكرامة وحرية جميع المواطنين.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search