السودان في مأزق

حدود ملتهبة.. وشرق يترقب فوضى

تزداد الأوضاع تعقيدًا في السودان، فكلما سدّت الحكومة الانتقالية ثغرة، انفتحت عليها أخرى، فرغم أنها وقعت اتفاق جوبا للسلام 3 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، مع بعض الحركات المُسلحة التابعة للجبهة الثوريِّة المُعارِضة، وروّجت له على اعتباره يُكرِّسَ واقعًا جديدًا يسوده الأمن والاستقرار، إلا أن واقع الحال يشير إلى غير ذلك، فكُبرى الحركات المُسلّحة في دافور وجنوب كُردفان (حركة  تحرير السودان “عبد الواحد نور”، والحركة الشعبية لتحرير السودان “عبد العزيز الحلو”) أحجمتا عن التوقيع، وإنْ كانت الأخيرة أبرمت اتفاقًا للمبادئ مع حكومة عبد الله حمدوك في أديس أبابا 4 سبتمبر/ أيلول المنصرم.

عبد الله حمدوك
صراع الإرادات القبلية

ومع ذلك، ظلّت الأوضاع بشرق السودان تتفجر شيئًا فشيئًا، إلى أن بلغت ذروتها عندما قاد الزعيم القبلي “سيد محمد الأمين تِرِكْ” اتباعه للاحتجاجِ على قرارات الحكومةِ المتعلقة بالإقليم، وأجبرها على إقالة والي ولاية كَسَلا، صالح عمّار، إلا أن الإقالة التي جاءت على خلفية قبلية، أحرجت حكومة حمدوك وحاضنتها السياسية (قوى إعلان الحرية والتغيير) أمام الشعب والثوار، وجعلتها تبدو كالضعيفة والمهزوزة أمام إرادة زعيم قبيلة كان مُواليًا لنظام البشير، ما فجر الأزمة مُجددًا، وجعل قبيلة الوالي المُقال تصطف ضد القرار وتُعلن معارضته وتوقف الأنشطة التجارية بمدينة كسلا، وحركة الشحن والتفريغ بميناء بورتسودان.

إقليم شرق السودان الإستراتيجي الذي يضم كل الموانئ السودانية على البحر الأحمر، فضلاً عن المشاريع الزراعية الضخمة في منطقة القضارف، وله حدود متاخمة لثلاث دول (مصر وإثيوبيا وإريتريا) وامتداد على طول ساحل البحر الأحمر، يعيش أوضاعًا عسيرة وصعبة مُرشحة إلى الانزلاق إلى حربٍ أهلية ذات طابع قبلي، تنذر بتهديد وجوده ككيان، خاصة أن لقبائل البجا وبني عامر والحباب التي تعيش في الإقليم المأزوم؛ امتدادات سكانية داخل الدول الثلاث المجاورة، وتداخلات مصالح وحدود مع إثيوبيا، الأمر الذي يهدد بنقلِ الصراع إلى تلك الدول، ولربما فجر المنطقة بأسرها.

النزاع على الفشقة وحرب الحدود

في الجانب الآخر، يقول المحلل السياسي المُتخصص في شؤون القرن الإفريقي عبد الوهاب خير السيد، إن الأوضاع على الحدود السودانية الإثيوبية تتفاقم يومًا بعد آخر، من جراء تعدِّي العصابات الإثيوبية المعروفة باسم “الشَفتا” على الأراضي الزراعيِّة في منطقةِ الفشقة الخصبة بولاية القضارف السودانيِّة.

الأوضاع في شرق السودان

يضيف خير السيد مُتحدثًا إلى “ذات مصر”: “لا يُمكن حسم هذه التعدّيات التي ظلت مستمرة منذ خمسينات القرن الماضي إلا بترسيم الحدود بين البلدين، الأمر الذي تتقاعس عنه الحكومات الإثيوبية المتعاقبة، بما فيها حكومة آبي أحمد الحالية، رغم أنها ظلت تُبدي الكثير من حُسن النوايا تجاه السودان، لكن ذلك وحده لا يكفي، ما لم نرَ خطوات عملية في هذا الصدد”.

بالنسبة إلى خير السيد، يبدو النزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان غير ذي أهمية مقارنة بالأوضاع الداخليّة المُتفجرة داخل البلدين الجارين، فعلاوة على النزاع القبلي المتفاقم في شرق السودان وعجز الحكومة الانتقالية في حسمه واستجابتها لإرادة القبائل كما حدث مؤخرًا في قضية إقالة والي ولاية كسلا على خلفيته القبليّة، نجد أن الأوضاع في إثيوبيا لا تبشر بخير.

فإقليم تيجراي الإثيوبي المجاور للسودان والذي تنتمي إليه معظم النُخب والرموز الثورية  الإثيوبية التي قادت التحالف الثوري الذي أطاح بنظام منجستو هايلي ماريام عن السلطة بزعامة القائد الثوري والزعيم الكاريزيمي رئيس الوزراء الأسبق مليس زيناوي، يعيش نزاعًا دستوريًّا مع الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، إذ لم  تعترف حكومة آبي أحمد بنتائج الانتخابات الإقليمية التي نظمتها حكومة تيجراى في 9 سبتمبر/أيلول المنصرم، بل أصدرت قرارات صارمة بحق الإقليم مثل قطع العلاقات مع البرلمان والمؤسسات التنفيذية التابعة للإقليم، وتعليق المؤسسات الاتحادية، ووقف تمويل الإقليم من الخزينة العامة للدولة.

والي ولاية كسلا المقال صالح عمار
آبي أحمد وأفورقي

وما زاد طينة المشهد الإثيوبي بِلّةً –يواصل خير السيد– استقالة رئيسة مجلس النواب الإثيوبي الفيدرالي وعضو المكتب السياسي لجبهة تحرير تيجراى ، خيرِّية إبراهيم، احتجاجًا على قرارات حكومة آبي أحمد في حق الإقليم الذي تنتمي إليه.

الأمر لم يتوقف عند عدم اعتراف الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا بالانتخابات المحليّة التي نظمها الإقليم، واتخاذها الكثير من الإجراءات العقابية بحقه، كمنع المؤسسات الفدرالية من التعامل مع حكومته، بل وصل إلى حد حظر الطيران لجميع خطوط النقل الجوي بما فيها الإثيوبية من استخدام المجال الجوي في منطقتي سد النهضة وإقليم تيجراي بما يشي بالتخطيط لعمليات عسكرية ربما، خاصةً أنّ زيارة الرئيس الإرتيري أسياس أفورقي الأخيرة إلى إثيوبيا، لم تكن واضحة الأهداف، فللرجل تاريخ طويل من النزاع والحرب مع تيجراي على منطقة بادِمبي الحدودية بين الإقليم ودولة إريتريا، وقد لا يتورع عن مساندة حليفة الجديد آبي أحمد حال أعلن الحرب على الإقليم، وما تفقُّده لسد النهضة، رفقة مُضيفه، خلال زيارته إلى إثيوبيا، إلا رسالة واضحة في بريد “حكومة تيجراي”.     

الرئيس الإرتيري رفقة مضيفة آبي أحمد
لا مبالاة سودانية؟

من جهتها اعتبرت الباحثة في شؤون اليمن وأمن البحر الأحمر، نعمات الصنعاني، في إفادة خاصة لـ”ذات مصر”، أن الأحداث المتسارعة في السودان وإثيوبيا وإرتيريا تشي بحرب قادمة، ربما يكون مسرحها الحدود الدولية للدول الثلاث.

الصنعاني أبدت استغرابها مما أسمته عدم اكتراث الحكومة السودانية لما يحدث في الجوار، وتركه لولايتين إستراتيجيتين مثل كَسَلا المتاخمة لإريتريا، والبحر الأحمر المتاخمة لذات الدولة، إضافة إلى مصر والبحر الأحمر، تحت إمرةِ زُعماء القبائل يُحددون مصيرها في مواجهة حرب محتملة. 

وفيما تخطط الحكومة الإثيوبية بالتعاون مع الرئيس الارتيري لاستعادة زمام المبادرة –على الأقل– في السيطرة على الأقاليم الإثيوبية المتمردة على السلطة الفيدرالية، وإن وصل الأمر إلى شن الحرب عليها، يرتّب الرئيس الإريتري أوضاعه الداخلية لمواجهة هذا الاحتمال، بتسمية قائد عسكري ذي كفاءة وخبرة قتالية على المنطقتين العسكريتين الوسطى والجنوبية.

وتضم المنطقة الأولى العاصمة أسمرا، والثانية الحدود الإرتيرية الإثيوبية مع إقليم تيجراي موضوع النزاع، علاوة على تعيينه لسياسي مخضرم له خبرة عسكرية إبان الثورة الأريترية حاكمًا جديدًا على إقليم القاش المتاخم لإثيوبيا والسودان، وقرارات وترتيبات أخرى ذات صلة، أعقبها بزيارة غريبة إلى إثيوبيا، وهي زيارة لم تمر عبر العاصمة أديس أبابا، وإنما توجهت طائرته مباشرة إلى  مدينة “جِمّا” معقل الأورومو، قبيلة آبي أحمد علي، تبعتها زيارة إلى سد النهضة بإقليم بني شنقول – قمز، على الحدود السودانية، والقريب من إقليم تيجراي، وهذان الإقليمان مشمولان بقرار حظر الطيران.

الناظر ترك الزعيم القبلي.. منظم الاحتجاجات في الشرق
الحلقة الأضعف

تواصل الصنعاني حديثها إلى “ذات مصر”: “فيما تخطط الدولتان لكل ذلك، يترك السودان أموره الإستراتيجية المتعلقة بأمنه القومي على البحر الأحمر والحدود مع إرتيريا وإثيوبيا، لزعماء عشائر يحتلون الموانئ ويقطعون الطريق الإستراتيجي الواصل بين الميناء والعاصمة، ويوقفون عجلة الاقتصاد”.

تضيف الصنعاني: “بالنسبة إليّ، فإنّ الخاسر الأول، إذا ما اندلعت الحرب على الحدود بين الدول الثلاث، هو السودان، لأن إريتريا تشهد استقرارًا داخليًّا رغم أنها محكومة بنظام فردي سلطوي، يمتلك قرار الحرب فيه الرئيس فقط، أما إثيوبيا فتمتلك قوة عسكرية ضاربة مقارنة بالدولتين الجارتين، مع عدد مهول من السكان يبلغ أكثر من 100 مليون شخص. أمّا السودان، فبعد ثورته الأخيرة صار أكثر ضعفًا وتفككًا، خاصة شرقه الذي يسيطر على قرارات الحرب والسلام فيه زعماء القبائل، وما لم تواجه حكومة الخرطوم والجيش السوداني، زعماء العشائر، فإن عليهما أن ينتظرا الفوضى في الشرق”. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram