السودان وألمانيا.. اختبار الديمقراطية

محمد جميل أحمد

كاتب وباحث سوداني

مع زيارة الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير للسودان الخميس الماضي، وقبله زيارة وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، بدا واضحا أن اهتماما ألمانيا يتزايد حيال ما يحدث في السودان، مما يعكس جملة من القضايا المتصلة بعلاقة البلدين، لاسيما في الستينات، من ناحية، وما بعد سقوط البشير في أبريل الماضي من ناحية ثانية.

عرف السودانيون علاقات متميزة مع ألمانيا في مجالات التنمية والصناعات والتعليم المهني، كان ذلك خلال عقد الستينات، فيما بقيت علاقات متذبذبة بعد انقلاب نميري، ولكنها أبقت على بعض جوانب الصلة.

بعد سقوط النظام، وبروز الدور الكبير للثورة السودانية، والأصداء التي تركتها عبر نمطها السلمي، تشكلت في الرغب بصورة عامة قناعة ما بدعم تلك الثورة، وهو ما تجسد بعد ذلك في اتفاق 17 أغسطس بين المدنيين والعسكريين الذي كان تتويجا لجهود الوساطة الإفريقية من قبل الاتحاد الإفريقي وبدعم أممي ودولي.

أهمية السودان بالنسبة لألمانيا نابعة من القدرة إمكانية خلق آفاق مشتركة للتعاون في المجال التنموي في ظل العهد الديمقراطي، وللألمان ريادة معروفة في الخبرة التي تتصل بتوطين ببنيات التنمية وتنظيمها في الدول النامية عبر شراكات، ومشاريع ومنظمات دعم وريادة أعمال وتعاون حكومي، لاسيما إذا كان المناخ السياسي يساعد في توطين شبكة خدمات التنمية الألمانية، على ما هو الحال في العديد من بلدان إفريقيا الديمقراطية مثل السنغال وغانا وأثيوبيا وكينيا.

يعرف الألمان، أن على رأس الحكومة الانتقالية في السودان د. عبد الله حمدوك، خبيرا أمميا في مجال الاقتصاد والسياسة، كما يدركون أن ثمة أعداد كبيرة من الخبراء السودانيين يعملون في منظمات الأمم المتحدة.

ألمانيا، تاريخيا ليس لديها مشكلات استعمارية مع السودان، وهذا يجعل من تطلعاتها إلى دعم الحكم الانتقالي إلى مراحله النهائية في السودان في دائرة اهتمامها، كما إن ألمانيا باعتبارها إحدى قاطرتي الاتحاد الأوربي، إلى جانب فرنسا، ستلعب دورا في تلك المنظومة باتجاه دعم السودان، وهذا ما رأيناه متزامنا مع زيارة رئيس ألمانيا فرانك فالتر شتاين ماير، حيث صادقت مفوضية الاتحاد الأوروبي على منح السودان ترخيص تسجيل للتصدير بتعرفة جمركية صفرية وكوتات حرة. وهو بما سيمكن السودان من تصدير منتجاته للأسواق الأوربية.

الحاجة بين البلدين تعكس فرصا واعدة لشعب السودان الذي خرج، بعد ثلاثين سنة من دكتاتورية أسوأ نظام عرفه في تاريخه، إلى الدرجة التي يمكن معها القول إن ما تم تدمير لهياكل الدولة وتصفية جهازها العام وبنياتها المركزية مما سيقتضي بالضرورة إعادة بناء.. وفي ظل شروط قاسية كهذه تعرف دول مثل ألمانيا ما يمكن أن تلعبه من أدوار في هذا الصدد.

هناك في ألمانيا من هو حريص على العلاقات مع السودان وفق ضوابط تتصل بالبناء المؤسسي لهياكل الدولة، وإحلال السلام، وعدم تدخل جهاز الأمن في القرار السياسي، وكان واضحا أن هذه النقاشات هي التي ظلت تدور في أروقة البرلمان الألماني، قبل قرار رفع الحظر على السودان الذي اتفقت عليه القوى السياسية الألمانية وفق الشروط التي طرحها نافذون في البرلمان الألماني، وهو الاتجاه ذاته التي تسير عليه الحكومة الانتقالية بقيادة د. عبد الله حمدوك، إذ تم التوافق على السلام في مفاوضات منبر جوبا بنسبة 80% كما ذكر الناطق الرسمي لوفد المفاوضات الحكومي عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، وتم إنشاء لجنة تفكيك نظام الإنقاذ وإزالة التمكين والفساد الذي تسبب فيه مشروع التمكين الذي أقام النظام السابق بموجبه دولة موازية لنهب ثروات السودان، كما تم سجن رئيس جهاز الأمن السابق الذي لعب دورا كبيرا في زعزعة الاستقرار في العديد من مدن السودان، ولاسيما مدينة بورتسودان التي شهدت ثلاث موجات من الاقتتال الأهلي خلال 6 أشهر.

بطبيعة الحال لا يخفى هاجس أوربا، وعلى رأسها ألمانيا، من قضية الهجرة غير الشرعية التي كان السودان من أكبر المعابر التي يمر عبرها الأفارقة إلى ليبيا ومصر والمغرب، وبعد أن انسحب الاتحاد الأوربي وأوقف دعمه لمشاريع مكافحة الهجرة غير الشرعية في السودان، يعول الألمان على دعم المرحلة الانتقالية ومساعدة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في الاستقرار وإنجاح المرحلة الانتقالية، ليكون السودان بمثابة دولة مستقرة ومن ثم يحد من تدفق موجات الهجرة غير الشرعية.

رهان الألمان على السودانيين، بعد ثورة سلمية بهرت العالم في صمودها، يعكس نية قوية في دعم الاستقرار في إفريقيا عبر إنجاح النماذج الواعدة في الديمقراطية، ومساعدتها على النهوض. لأنه، وفقط، في حال قيام دول مستقرة في إفريقيا وخالية من الفساد، ستكف موجات المهاجرين غير الشرعيين عن التدفق على أوربا.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search