دراسات وتحليلات

السيسي في جيبوتي: ماذا وراء تلك الزيارة التاريخية؟

قام الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم الخميس، 27 مايو 2021، بزيارة جمهورية جيبوتي، في أول زيارة لرئيس مصري إلى تلك الدولة، التي ظلت هامشية طوال عقود في السياسة الخارجية المصرية.

الزيارة الرئاسية، التي انطوت على كثير من المخاطر الأمنية، تطرح العديد من التساؤلات حول سببها وتوقيتها، وما إن كانت مرتبطة بملف سد النهضة، الذي وصل النزاع فيه أقصاه، أم أنها زيارة بروتوكولية غير ذات دلالة.

مباحثات السيسي ونظيره الجيبوتي
مباحثات السيسي ونظيره الجيبوتي

زيارة تاريخية

جيبوتي، بلد صغير (23700 كيلومتر مربع – وسكانها نحو مليون نسمة) ذات موقع استراتيجي هام للغاية شرقي القارة الأفريقية، حيث تطل على مضيق باب المندب، في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتعد بوابة مهمة للقرن الأفريقي ومنطقة شرق أفريقيا بشكل عام.

تشترك جمهورية جيبوتي في الحدود مع إريتريا وإثيوبيا والصومال، ولديها 370 كيلومتر من الخط الساحلي على طول البحر الأحمر وخليج عدن.

استقلت جيبوتي عن فرنسا عام 1977، وبدأت منذ ذلك الحين في تأسيس علاقات مستقلة مع مختلف دول العالم، وخاصة دول الجوار الأفريقي، وعلى رأسها مصر، التي سارعت بالاعتراف بجمهورية جيبوتي الوليدة، وكانت ضمن أوائل الدول افتتحت سفارة لها في العاصمة جيبوتي.

اتسمت العلاقات المصرية-الجيبوتية خلال حقبة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك (1981-2011) بالفتور، فطوال العقود الثلاثة التي قضاها مبارك في الحكم لم يقم بأي زيارة إلى جيبوتي، واقتصر التعاون بين البلدين على المجال الأمني في البحر الأحمر، فيما بلغ حجم التبادل التجاري عام 2009 حوالي 20 مليون دولار فقط، وهو ما يعكس سياسة مبارك الخارجية الانكماشية تجاه القارة الأفريقية.

نشطت العلاقات بين القاهرة وجيبوتي منذ تولي الرئيس السيسي مقاليد الحكم عام 2014؛ فزيارة السيسي اليوم هي اللقاء الرابع مع الرئيس الجيبوتي “إسماعيل عمر جيله”، حيث التقيا عام 2015 و2016 في القاهرة، والتقيا عام 2019 في الولايات المتحدة، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فيما ارتفع حجم التبادل التجاري بين الدولتين ليسجل 48.01 مليون دولار خلال 2018، ورغم أن هذا الرقم ليس بالكبير، إلا أنه يمثل زيادة مئوية نسبتها 148% مقارنة بالوضع قبل عقد واحد فقط.

خطة تطويق إثيوبيا

بالتزامن مع احتدام أزمة سد النهضة، تعمل مصر على خطة لتطويق إثيوبيا ووضعها تحت ضغط دائم، عبر تقوية الأواصر مع الدول المحيطة بها ودول منابع النيل الأخرى.

سد النهضة
سد النهضة

ففي 7 إبريل الماضي (2021)، وقّعت مصر وأوغندا -إحدى دول حوض النيل- اتفاقية لتبادل المعلومات العسكرية بين جهاز المخابرات المصرية ورئاسة المخابرات العسكرية لقوات الدفاع الأوغندية. وأكّد اللواء سامح “صابر الدجوي” رئيس الوفد المصري، ونائب رئيس جهاز الاستخبارات المصرية على حقيقة أن أوغندا ومصر تتقاسمان النيل، والتعاون بين البلدين هو أمر حتمي، لأن ما يؤثر على الأوغنديين سيؤثر بشكل أو بآخر على مصر.

بعدها بأيام، التقى الفريق محمد فريد، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، بالفريق أول “بريم نيونجابو”، رئيس قوات الدفاع الوطني البوروندي (دولة نيلية أخرى)، في القاهرة، حيث وقّعا على “بروتوكول تعاون عسكري مشترك والذي يتضمن التعاون في مجالات التدريب والتأهيل والتدريبات المشتركة، بما يتيح تبادل الخبرات بين الجانبين، تأكيدًا على توافق الرؤى تجاه الموضوعات التي تمس المصالح المشتركة للقوات المسلحة لكلا البلدين”.

يتزامن ذلك مع تكثيف التعاون العسكري بين مصر والسودان، فمنذ نوفمبر 2020، أجرى البلدين 3 مناورات عسكرية كبير، منها مناورةحماة النيل، التي تجري وقائعها هذه الأيام، ويشارك فيها عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية لكلا الجانبين، فيما يبدو أنه إنذار أخير لإثيوبيا التي تصر على المضي قدمًا في الملء الثاني لسد النهضة، رغم عدم التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب.

لماذا زيارة جيبوتي؟

للإجابة على هذا السؤال، لا بد من الإجابة عن سؤال آخر هو؛ ما الذي تمثله جيبوتي لإثيوبيا؟

موقع جيبوتي الملاصق لإثيوبيا
موقع جيبوتي الملاصق لإثيوبيا

تتمتع البلدين بعلاقات قوية للغاية خاصة على المستوى الاقتصادي، حيث تعتمد إثيوبيا، الدولة الحبيسة، على ميناء جيبوتي والبنية التحتية المرتبطة به في 90 إلى 95٪ من تجارتها البحرية. ووفقًا للبنك الدولي، في عام 2013، كان 85٪ من أنشطة ميناء جيبوتي مستمدة من معاملات الاستيراد والتصدير في إثيوبيا. وهو ما لم يتغير الكثير منذ ذلك الحين، حيث ساهمت إثيوبيا بشكل كبير في النمو الاقتصادي الإجمالي لجيبوتي.

عام 2016، دشّنت إثيوبيا وجيبوتي، وبمشاركة توجو، خط سكك حديدية يربط بين إثيوبيا وجيبوتي بطول 700 كيلومتر، وتكلفة 4 مليارات دولار، بتنفيذ شركتين صينيتين، بهدف النقل السريع للبضائع الواردة والمصدرة عبر موانئ جيبوتي. ووصف الرئيس “عمر جيله” هذا الحدث بـ “اليوم التاريخي”.

وفي عام 2018، نقلت وكالة رويترز عن وسائل إعلام إثيوبية أن أديس أبابا ستستحوذ على حصة في ميناء جيبوتي (منفذها الرئيسي للتجارة)، بموجب اتفاق تم التوصل إليه بين الدولتين.

ووفق صحف إثيوبية، فإن جيبوتي وأديس أبابا توصّلا في أواخر عام 2019، إلى اتفاق مبدئي لإنشاء قاعدة بحرية إثيوبية في دولة جيبوتي المجاورة. ومن الممكن أن يكون هذا سببًا جزئيًا في تشجيع أديس أبابا، على القرار الذي اتخذته مطلع مايو الجاري، بإعادة سلاح البحرية الذي كانت قد حلّته منذ ما يربو على عقدين.

لأجل كل ذلك، اتخذت جيبوتي موقفًا يمكن اعتباره محايدًا تجاه أزمة سد النهضة؛ ففي يونيو 2020 تحفظت جيبوتي -ومعها الصومال- على إحدى فقرات قرار الجامعة العربية بشأن سد النهضة، والتي نصت على:

“ضرورة امتناع كافة الأطراف عن اتخاذ أي إجراءات أحادية، بما في ذلك امتناع إثيوبيا عن البدء في ملء خزان سد النهضة دون التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب، حول قواعد ملء وتشغيل السد، لما يمثله هذا الإجراء من خرق صريح لاتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في الخرطوم، بتاريخ 23 مارس 2015”.

نعود مرة أخرى إلى السؤال الأساسي؛ لماذا زيارة جيبوتي؟

البيان الرئاسي المصري أوضح أن هدف الزيارة “مناقشة مختلف الملفات المتعلقة بالتعاون المشترك وسبل تعزيز العلاقات الثنائية، خاصةً على الصعيد الأمني والعسكري والاقتصادي”.

السيسي ونظيره الجيبوتي
السيسي ونظيره الجيبوتي

وتحدّث الرئيس السيسي، خلال المؤتمر الصحفي مع نظيره الجيبوتي، عن التباحث حول تعزيز العلاقات “على مختلف المستويات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، والعسكرية”، والاتفاق على “توفير الدعم اللازم لزيادة الاستثمارات المصرية في جيبوتي، وإتاحة المجال أمام الشركات المصرية للمساهمة في مشروعات البنية التحتية، إضافةً إلى تيسير نفاذ المزيد من الصادرات المصرية إلى السوق الجيبوتية والمضي قدمًا بافتتاح فرع لبنك مصر في جيبوتي، كما توافقنا على أهمية الإسراع بالإجراءات الخاصة بإنشاء المنطقة اللوجستية المصرية في جيبوتي خلال الفترة المقبلة لتيسير تصدير مختلف البضائع المصرية، بالإضافة إلى تعزيز التعاون في القطاعات ذات الأولوية، خاصةً في مجال النقل وربط الموانئ”.

وبالطبع تطرق الحديث إلى أزمة سد النهضة، حيث قال السيسي أنه استعرض “المستجدات الخاصة بقضية سد النهضة، وهو الملف الذي يمس المصالح الحيوية للمنطقة برمتها، وأكدت على حتمية التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول ملء وتشغيل سد النهضة في أقرب فرصة ممكنة، وبما يُحقِّق مصالح الجميع، ويعزز من أواصر التعاون والتكامل بين بلدان وشعوب المنطقة. كما أكد على رفض مصر لأي مسعى لفرض الأمر الواقع من خلال إجراءات أحادية لا تراعي مصالح وحقوق دولتي المصب”.

يسعى الرئيس السيسي من خلال زيارته إلى جيبوتي إلى استكمال خطة تطويق إثيوبيا التي تنتهجها الدولة المصرية منذ فترة، ورغم صعوبة إحداث اختراق في العلاقات الجيبوتية-الإثيوبية، إلا أن جيبوتي كانت بحاجة إلى زيارة من رئيس مصر تعيد لها بعض من اعتبارها الذي فقدته على مدى عقود من التهميش في السياسة الخارجية المصرية.

إن تطوير العلاقات المصرية-الجيبوتية هو ضربة مهمة لأديس أبابا، ويضعها تحت ضغط كبير، خاصة على المدى الطويل. فتهديد أحد شرايين الاقتصاد الإثيوبي الأساسية لا يقل أهمية عن أي تهديد عسكري.

كريم أسعد

كاتب صحفي وباحث مهتم بالحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى