ثقافة وفن

السينما السودانية..محاولة البحث عن خصوصية متفردة

شهدت السينما السودانية طفرة غير مسبوقة، بالتزامن مع إسقاط البشير عقب ثورة 19 ديسمبر 2018. فقد صوَّر المخرجون الشباب أفلامًا طويلة، وعُرضت هذه الأفلام في أبرز المهرجانات العالمية، وتحصلت على الجوائز والمديح النقدي. وقد أثارت هذه الأفلام كثيرًا من التساؤلات حول رؤاها وخطابها الفكري، ودفعت إلى البحث عن نماذج أقدم للفيلم السوداني. كما أثار القبض على المخرج حجوج كوكا (أُفرج عنه لاحقًا) التساؤل حول مدى الحريات في عهد ما بعد البشير.

هذا المقال ليس محاولة لرصد تاريخ السينما في السودان، وإنما هو تحليل مبسط لبعض الأفلام (الأقدم زمنيًّا) التي سعى صناعها إلى البحث عن لغة سينمائية خاصة، تعتمد على البيئة السودانية ومزيج الثقافات الفريد الذي تتمتع به، ولا تغفل عن هموم الإنسان السوداني وأزماته التاريخية. وقد تعرض هؤلاء الصناع للقمع، وإن لم يثنهم هذا عن مواقفهم الملتزمة.

فيلم “الحبل” للمخرج إبراهيم شداد

تلقى المخرج إبراهيم شداد تكوينه السينمائي بالأكاديمية الألمانية للفيلم والتلفزيون، في مطلع الستينات، ثم عاد إلى بلده محملًا بآمال وأحلام كبرى تحدث عنها في فيلم «الحديث عن الأشجار» للمخرج صهيب قاسم الباري، الذي كشف فيه عن خفة ظل غير معهودة. وقد تعرضت أفلامه للمنع على يد جميع الأنظمة المتعاقبة على حكم السودان. واضطر في فيلمه الأخير «إنسان» إلى اللجوء لمصر؛ حيث أكمل فيها مراحل المونتاج. ولا تخلو أعماله من السياق التاريخي والاجتماعي؛ لكنه شديد الإخلاص لشكل سينمائي مجرد يخلو من التقريرية والخطاب المباشر، ويمتاز في الحين ذاته بلهجة نقدية لاذعة، عبر استخدامه للمجاز والحكاية الشعبية، وقد وضع كتابًا بعنوان «كان ياما كان» يؤرخ فيه لبدايات السينما في السودان، وظروف نشأتها وتعاطي الجمهور معها.

بعد نجاحه في التخلص من المماليك في المذبحة الشهيرة عام 1811، وحصوله على رضا السلطان العثماني نتيجة حروبه بالوكالة في شبه الجزيرة العربية، سعى محمد علي باشا إلى مد نفوذه خارج حدود مصر، فأطلق حملة على السودان عام 1820 بقيادة ابنه إسماعيل باشا، ثم محمد بك الدفتردار، واستخدم ذريعة لذلك وهي مطاردة بقايا المماليك الذين فروا إلى مدينة سنار بوسط السودان. وقد استعملت الحملة أساليب عنيفة ترسخت في الوعي الجمعي السوداني، وكان من أبشعها قطع آذان الأهالي، ورصد مكافآت نظير ذلك من قبل الباشا.

يفتتح الفيلم بمشهد لهجوم الجند الأتراك على القرى السودانية وقتلهم طفلًا رضيعًا، ويتبعه مشهد ثابت لطربوش فوق منضدة، في توظيف جيد للون الأحمر وارتباطه بالعنف.

يتتبع الفيلم رحلة لرجلين ضريرين مع حمارهما وسط الجبال والقفار، وقبل الانطلاق ينزع أحدهما المعول عن بقية الرحل ويتركه.

يستخدم المخرج لقطات لتكوينات صخرية شبيهة بالأذن البشرية.

“الفيلم الناطق هو من اخترع الصمت”، المخرج الفرنسي روبير بريسون

لا يعطينا المخرج أي معلومات عن الرجلين، وطيلة رحلتهما لا يتفوهان بكلمة.

يستخدم المخرج مناظر الصخور وصوت الريح كشهود على المأساة، ولا يقطع هذه المناظر والأصوات إلا مشهد للطيور، مع خلفية موسيقية مخيفة، ومشهد لأحد قادة الحملة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم “هذه ليست جنازة”.. بعثٌ ثوري للسينما الأفريقية

يتعثر الرجلان في سيرهما، فيصبح الحمار قائدًا للمسير ويتحرك بدافع غريزته، والرجلان مجرد توابع له، في دلالة على العجز نتيجة التكالب الاستعماري والاعتماد على الآخر.

يعود الحمار إلى نقطة البداية، فيفتش الرجلان عن المعول، ويقومان بقطع الحبل.

يتبع هذا المشهد تكرار لمشهد الطربوش فوق المنضدة، مضافًا إليه يد بشرية سوداء لرجل يرتدي الملابس العسكرية التركية، في إحالة إلى من خانوا بني وطنهم وصاروا مطايا للغزاة الأجانب.

ينتهي الفيلم بتكرار لمشهد الطيور، ولكن هذه المرة مع خلفية موسيقية تبعث على الأمل.

قد يميل البعض لربط زمن الفيلم بالبطء، ولكن الزمن السينمائي لا يخضع لهذه المعايير، فإعطاء الصور والأشياء حقها من التشكل، والإخلاص لحمولتها النفسية والمادية، لا علاقة له بالبطء والسرعة، فلكل صورة طبيعتها الخاصة، ولكل حدث زمنه السردي.

فيلم “انتزاع الكهرمان” للمخرج حسين شريف

ينتسب المخرج حسين شريف إلى الأسرة المهدية، بما لها من ثقل تاريخي وديني وسياسي، وقد عُرف بتعدد مواهبه، فهو شاعر وفنان تشكيلي ومعماري ومسرحي، وقد أجاد توظيف مواهبه في إنجاز أعماله السينمائية التي تحوي قدرًا غير قليل من التجريب والابتكار، وله التزام سياسي واجتماعي واضح، فقد شارك مع المخرجة والمناضلة المصرية عطيات الأبنودي في إخراج وثائقي بعنوان مفكرة المنفى (1993) عن أوضاع الجالية السودانية بمصر بعد انقلاب البشير، وقدم فيه شهادته الخاصة بوصفه مقيمًا في مصر منذ عام 1991، وكان له مشروع غير مكتمل عن الشاب الواثق «صباح الخير» الذي أُعدم في عهد جعفر النميري بتهم ملفقة.

تقع مدينة سواكن في شرق السودان على ساحل البحر الأحمر، وقد اشتهرت باعتبارها ميناء تجاريًّا حيويًّا تنازع عليه كثير من القوى والدول في التاريخ القديم والحديث، وظلت لها مكانة تجارية مهمة حتى تم إنشاء ميناء بورتسودان على يد الاحتلال البريطاني في مطلع القرن العشرين، مما أدى إلى رحيل معظم سكانها وأصبحت شبه مهجورة.

“شربنا على ذكر الحبيب مدامة/ سكرنا بها من قبل أن يُخلَق الكرم”، مطلع خمرية ابن الفارض.

بهذه الأبيات التي يلقيها المنشد عبد العزيز محمد داود، يفتتح المخرج فيلمه، ويرافق الإنشاد مشهد لمياه الشاطئ ورماله، تتبعه لقطات عامة لمدينة سواكن.

تتجول الكاميرا وسط أطلال المدينة، في محاولة لنبش ذاكرة المكان واستنطاق التاريخ، ليعبِّر عن مأزق الإنسان السوداني.

يعقد المخرج مواءمة بين عنصر المروحة النخيلية المستوحى من فن التوريق الإسلامي، وبين حلقة رقص المتصوفة.

وفي تأثر واضح بجان كوكتو ورائعته السينمائية «دماء شاعر» (1930) يستخدم المخرج المرآة الأورفيوسية كبرزخ للانتقال من عالم الواقع إلى الشعر.

في عالم الشعر نشاهد طقوسًا احتفالية للزفاف، خاصة بقبائل «البجا» التي يعتقد أنها أول من استوطن سواكن، ومن هذه الطقوس: «الشيالة» وهي حمل متاع العروس إلى منزلها الجديد، و«السنكاب» وهي عصي مرتبطة بالسعف عبر الحبال، وترمز للفحولة والذرية.

وكما لموتيفة «السنكاب» حضورها في الفيلم، فإن لها حضورًا أقدم في لوحات التشكيلي السوداني الكبير إبراهيم الصلحي، الذي كان صديقًا للمخرج وساعده في تنفيذ الفيلم.

كادر من الفيلم ولوحة لإبراهيم الصلحي

“غامض كالطلاسم، كالحد الفاصل بين النهار والليل، كذلك الضوء الشاحب الذي ليس هو ضوء الفجر، وإنما الضوء الذي يسبق انبلاج الصبح”، الأديب السوداني الطيب صالح مقرظًا فن حسين شريف.

يستخدم المخرج لقطات أرشيفية يعود بعضها للعهد العثماني، والبعض الآخر للاستعمار البريطاني. ويتخلل هذه اللقطات مشهد لقافلة من الإبل، ومشهد ثابت لجسد أنثوي عارٍ على شاطئ البحر، في دلالة على استباحة الأرض. ويتبع هذه المشاهد مشهد تخييلي لضابط تركي، في إشارة صريحة إلى حملة محمد علي.

ثم يواصل تكراره لمناظر الأطلال، وترافقها تلاوة للقرآن الكريم بلكنة شعب «البجا»، ويعرض لقطة لعنزة ذبيحة، تتبعها لقطات ضبابية، وتليها صورة أرشيفية لعثمان دقنة، البطل الخالد في التاريخ القومي للسودان، وأحد أهم قادة الثورة المهدية.

يصور المخرج مشهدًا عابرًا لسائحة تزور الجزيرة (قامت بدورها الباحثة الأنثروبولوجية الأمريكية سوندرا هيل) ويتبعه مشهد لنساء من الجزيرة متشحات بالسواد.

ينتهي الفيلم بمشهد للعلم التركي، يجلس أمامه مجموعة من الرجال الذين تم جلبهم كعبيد للباشا، ثم كما بدأ بحركة ناعمة للكاميرا فوق مياه الشاطئ، يعاودنا صوت المنشد وهو يحمد الله ويصلي على نبيه.

المزاج العام للفيلم يتراوح بين الأمل واليأس، ولا يخلو من تفكيك، سواء للصورة أو للحدث التاريخي، والمونتاج شديد التشظي، وهذا أمر عادي نظرًا لطبيعة الفيلم الذي امتاز بتعدد موضوعاته وإحالاته. فلم يترك المخرج حدثًا أو معلمًا تاريخيًّا خاصًّا بالجزيرة دون الالتفات إليه، ورغم لهجته النقدية الواضحة في بعض المشاهد، فإن البعض الآخر كان مشبعًا بحمولة شديدة الترميز والاستغلاق.

فيلم “الزار.. أو أربعة أيام في جزيرة سعاد” للمخرج علي عبد القيوم

يعرف باختين الكرنفال على أنه «مهرجان توفيقي من النوع الطقوسي، وهو شكل بالغ التعقيد والتباين، ويختلف عن غيره وفقًا لحقبته الزمنية، وطبيعة الشعب الذي يمارسه. ويستنبط الكرنفال لغة كاملة من الأشكال الرمزية الحسية الملموسة، بدءًا بالأفعال الجماهيرية الواسعة والمعقدة إلى الإيماءات الفردية، وهو يخلو من التمثيل والأداء بغرض الفرجة. ويتم خلاله تعليق القوانين والضوابط التي تحدد بنية الحياة الاعتيادية. وفيه يتحرر الشخص من سلطة المواقف التراتبية. وكذلك يفسح الكرنفال المجال أمام الجوانب الخفية في الطبيعة الإنسانية، لتظهر وتعبر عن نفسها. وهو نسف لوظائف الأشياء وكسر لانغلاقها على ذواتها؛ إذ يعمل على إدخالها في اتصالات تسري حسب قوانينه بغرض مزاوجتها وربطها، فيجمع المقدس بالمدنس، الرفيع بالوضيع، الحكيم بالغبي».

من النادر في السينما العربية أن نجد عملًا يدور بالكامل حول طقس شعبي لذاته، وأحيانًا تتعرض بعض الأعمال لذكر الطقوس من باب إظهار غرائبيتها المفرطة، أو محاكاة أفلام الرعب والخيال الغربية، دون فهم أو تعمق.

يتحدث الفيلم عن طقس «الزار»، ويفتتح بلقطة مقربة لأدوات الضيافة، ومجمرة البخور، ودفوف تحمل أسماء الأولياء. وتوجد الكاميرا في حيز شديد الالتصاق بشخوص الفيلم وكائناته، ولا تعرض لنا شيئًا خارج المكان الطقوسي طيلة زمن الفيلم.

“إن العطر هو الحمية المثيرة نفسها للشهوة، وهو بجفافه وسخونته وعدم قابلية اختصاره في الطبيعة واللغة، القناع المتلاشي للعنف الناكح الذي لا يمسك”، عبد الكبير الخطيبي.

يصحبنا تعليق صوتي لإحدى مريدات «الزار»، تتحدث فيه عن إصابتها بالصداع، وزيارتها لبعض الأطباء دون فائدة، حتى نصحتها إحدى قريباتها بالذهاب إلى «الزار».

وتستكمل شهرزاد سرد حكايتها، وكيف عاد «الزار» بالنفع على صحتها. وفي أثناء الحكي نعلم أن اسمها سعاد، وبالرغم من ذلك فإن المخرج لا يقدمها لنا بشكل صريح؛ بل يستمر في عرض الصورة العامة للاحتفال دون توضيح لملامحها أو هويتها، كتعبير عن عمومية الأزمة.

اقرأ/ي أيضًا: أيقونة لا تذهب إلى”Gym”.. لماذا نحب “عشري” ونسخر من بلطجية “الفورمة”؟

الجزيرة في العنوان الفرعي للفيلم ليست جزيرة بالمعنى المكاني أو الجغرافي، ولكنها المكان الطقوسي وقد تحول إلى مساحة فضاء شعوري لا نرى فيها أحداثًا بالمعنى الحقيقي، وإنما انفعالات وأداءات حركية وغنائية، في سعي إلى تحرير الجسد المقموع، سواءً كان أنثويًّا أم ذكوريًّا.

“التركاوي ولا المتروك”، مثل شعبي سوداني يهاجم التشبه بالأتراك.

تظهر إحدى المريدات معتمرة الطربوش، والطربوش مكروه اجتماعيًّا نظرًا لارتباطه بالغزو العثماني، ولكنه مازال شائعًا في حلقات «الزار».

في ختام حديثها تستعرض سعاد أزماتها الاجتماعية وزيجاتها الفاشلة، وكيف واجهت كل هذا بقوة.

في الفصل الأخير من الفيلم يصحبنا تعليق صوتي، ليس للمخرج ولكنه يعبر بلسانه.

المخرج علي عبد القيوم شاعر بالأساس، وكان عضوًا بالحزب الشيوعي السوداني، وبالرغم من خلفيته التقدمية ومكانته الأكاديمية، فإنه لا يصور «الزار» بغرض إدانته؛ بل يصفه بالهروب العظيم، ويراه وسيلة لتفريغ الرغبات المكبوتة. وفي نهاية الأمر يدعو إلى محاولة إيجاد جسر بين الجزيرتين: جزيرة الرجال وجزيرة النساء.

حسام أبو الحسن

كاتب سينمائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى