تدوينمختارات

السينما والشعر: الرؤى والأحلام

ارتبطت السينما بشكل أساسي بالرواية، فكلاهما نوع من الحكي المتسلسل لقصة من وجهة نظر ما. لكنني كلما اقتربت أكثر من عمق السينما، تتبين لي علاقة تجمع بين السينما والشعر بوضوح أكبر. ربما هي مقاربة أسعى فيها للانتصار للشعر لهوى شخصي. وقد تكون أيضًا محاولة لفك ارتباط وتداخل ما، أظنه واضحًا وعميقًا في نفس الوقت، ربما أعمق من مجرد هذه الرؤية التي أحاول أن أختبرها هنا، أو هكذا أظن.

مع تطور الأجناس الأدبية، تماهت الكثير من الحدود بينها. جاء ذلك بالتزامن مع تطور آليات العرض وأفكار المعالجات السينمائية، فظهرت العديد من التصنيفات في الأدب كما في السينما. ولإيماني بأن الفن فرع من فروع العلوم الإنسانية، يبلغ التجربة والإبداع قبل أن يبلغ التعريف والتصنيف؛ يبقى المصطلح بالنسبة له مجرد محاولة لجمع التشابه وإيجاد النسق الجامع بين بعض المتشابهات، من أجل فهم أوسع. على سبيل المثال: السينما الشاعرية موجودة قبل استقرار المصطلح. وبالمثل، معظم أشكال الأدب والسينما.

هذه العلاقة بين الشعر والسينما، التي أرنو لحل لغزها، أبعد كثيرًا من مصطلح أو تصنيف السينما الشعرية. وأزعم أن عدم الانتباه لملامحها ربما يعود لعنصر الحكي أو الجانب القصصي الذي خلق علاقة أخرى جلية بين السينما والرواية، أو ربما لأن الطبيعة الغامضة للشعر وعلاقته بالذات المبدعة وارتباطه بمحرك الفرد، جعله نظريًا، بعيدًا عن جماعية العمل السينمائي.

إضافةً إلى أن ظهور الشعر سبق السينما. لذا مر الشعر بمراحل تطور وتراكم عديدة سبقت وجود السينما، بينما تبقى هي الأكثر تعقيدًا وتشعبًا وتسارعًا في تطورها، ناهيك عن أن مسار التطور نفسه كان مختلفًا.

بدأ الشعر مع ملاحم وأساطير الشعوب القديمة، ومنظرتهم لعلاقاتهم مع الآلهة التي كانوا يعتقدون فيها، إذ كان الشعر أول شكل قصصي يُعبَّر عنه بالغناء، وتتردد فيه قصص الأبطال. الإلياذة والأوديسة على سبيل المثال، هما ملحمتان شعريتان بالأساس، فهل ينقصهما الخيال السينمائي؟

حينها كان الشعر وسيلةً لتصوير هذه البطولات المدهشة، والخيال هو طريقة الشعراء لصناعة الحبكة والخدعة في صورة شعرية، قبل أن يعرف السينمائيون وسيلة أخرى لتصويرها سينمائيًا مع أول عرض للأخوين لوميير في باريس عام 1895. وتدريجيًا تطور الشعر، وامتزج بالرقص والطقوس، وتعددت طرق توظيفه في مختلف ملاهي الحياة اليومية (المسرح اليوناني الكلاسيكي)، تاركًا مساحة البداية، التي حصرته في رواية قصص الآلهة الخيالية.

بينما على العكس، بدأت السينما واقعية، من يوميات الإنسان العادي، من خلال 10 أفلام قصيرة (مدة كل منها 50 ثانية) تصور رحلة أشخاص عاديين للعمل. ثم أخذت السينما تتطلع لمزيد من الخيال لتصور أساطير وبطولات الخارقين.

لا شك أن فروقًا جوهرية واضحة تُميز السينما عن الشعر وتعدد مواطن اختلافهما. لكن السؤال هو: ما الذي يجمعهما حقًا؟ هل هو فقط الخيال؟

في اعتقادي، لا يمثل الخيال وحده نقطة التلاقي بين السينما والشعر، وإنما يجمعهما المحرك الذي يدفع بعجلة الإبداع في كلٍ منهما. لا أقصد هنا القصة ولا الأحداث ولا الشخوص والأبطال، ولا حتى البنائية، بل أقصد الرؤية التي تخلق معالجة تنصهر فيها كل هذه التفاصيل.

تنطلق رؤية العالم من ذات المبدع، والتي تحتل موضوعًا مركزيًا في الشعر والسينما على حد سواء، لتصل إلى الوجود الخارجي. لا يمكن فهم العمل الفني بمعزل عن بيئته، أو كما أشار الشاعر الأمريكي توماس إليوت، إلى أنَّ “القصيدة تعني ما تقوله بالتحديد. لكنَّها تقترح وجود حُكم غير ذاتي مبني على تعدد القراءات، والتي ربَّما تكونُ مختلفةً”. وفي اعتقادي، ينطبق الوصف نفسه على السينما.


اقرأ/ي أيضًا:

“أو كما تكلّمت الشمس”.. عن الرمز والتأويل في ديوان سفيان البالي

لماذا نحن هنا؟!.. سؤال عن جدوى الحرب في أفلام هوليوود

محمد رجب

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى