وجهات نظر

الشحات والزامل.. فوضى في ساحة التلاوة

هيثم أبوزيد

 

ظهر القارئ محمود الشحات في مقطع فيديو يوجه خلاله نصائح لمُجالسيه، الذين سألوه: إلى من نستمع من القراء؟ وحين ذكر أحدهم اسم القارئ الراحل الشيخ حمدي الزّامل، قال الشحات: “تلاوته مايعة”..

خلال ساعات، انتشر المقطع على مواقع التواصل كالنار، وانقلبت الدنيا وأمطر رواد “فيس بوك” الشحات بوابل من النقد الشديد الذي يبلغ حد الشتائم.. كان هجومًا ضاريًا كاسحًا، فاضطر القارئ الشاب إلى إصدار بيان ينفي فيه أن يكون قد أساء إلى الشيخ الزّامل، وزعم أن الفيديو مفبرك.. فلم يزد نفيه الجماهير إلا غضبًا وغيظًا.

هذه الأزمة، بين محمود الشحات وبين محبي القارئ الراحل حمدي الزامل، ليست إلا مظهرًا ونتيجة صغيرة لأزمة كبرى يعيشها فن تلاوة القرآن في مصر، في قرائه ومستمعيه، والعملية النقدية التي تدور على هامشه، وهي أيضًا تمثل تجليًا لحالة التراجع التي بدأت تتسرب ببطء إلى هذا الفن العظيم، منذ منتصف الخمسينات، حين توقف أي مدد جديد للأصوات العبقرية والقراء المقتدرين المبدعين.

كان الشيخ محمد صديق المنشاوي، آخر جيل العمالقة التحاقًا بالإذاعة، التي فتحت أبوابها له، وانساب صوته عبر أثيرها أول مرة عام 1952، ليكون آخر الكواكب الدُّرية ظهورًا في سماء استضاءت بمحمد رفعت وعبد الفتاح الشعشاعي ومصطفى إسماعيل وأبو العينين شعيشع وطه الفشني وكامل يوسف البهتيمي وعبد الباسط عبد الصمد ومحمود علي البنا، وغيرهم من هذه الطبقة الرفيعة.. بعد ظهور المنشاوي، عرفت حقبة الخمسينات والستينات أصواتًا ممتازة، وأصواتًا جيدة جدًّا، وأصواتًا جيدة.. لكن المدد العبقري الأصيل المتفرد توقف، ولم يعد إلى يومنا هذا.

القارئ محمود الشحات

مع عام 1970، دب الضعف في لجان الاختبار، واختلت قيم الفرز، فالتحق بالإذاعة عدد من القراء، لم يكن أحد منهم ليقربها قبل عقد مضى، فقلة من بينهم يمكن أن تنال درجة جيد، وأكثرهم لا يعدو أن يكون مقبولاً.. ومع أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، تمكن قراء من الفوز بأثير الإذاعة دون أن يكونوا مستحقين لهذا الفوز لا صوتًا ولا أداءً.. وبسبب الفراغ الذي خلفه رحيل أكثر القراء الكبار، ومعاناة من بقي منهم من أمراض الشيخوخة وتعب الصوت، تمدد القراء الجدد في ساحة فارغة، وحظي بعضهم بعدة أسفار إلى الخارج، خاصة إلى إيران، حيث الاحتشاد الكبير، والتنظيم القوي، والأجر المادي بالغ السخاء.

وقد ظن أكثر محبي فن التلاوة، أن الأزمة بلغت مداها، وأن الانحدار بلغ دركاته السفلى.. لكن الأيام كانت تحمل ما هو أسوأ، انتهى عقد التسعينات، وبدأت الألفية الجديدة، وظهرت مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح جيل القراء الذين ظهروا في السبعينات والثمانينات هم شيوخ المهنة الكبار، والقدوة لكثير من شباب القراء الجدد.

وفي هذه الظروف، ظهر الجيل الأخير، فجعل كثيرًا من الساخطين على قراء السبعينات، يترحمون على السبعينات والثمانينات والتسعينات، بل وبدايات الألفية.. وصارت مواقع التواصل منصات يستخدمها القراء وسماسرة المآتم ومصورو الحفلات في الترويج لأصوات شديدة الرداءة، وأداء موغل في السوقية والابتذال، يبعد تمامًا عن النمط الموروث لمدرسة التلاوة المصرية العريقة صاحبة السمعة المتفردة في العالم الإسلامي.

القارئ الراحل الشيخ حمدي الزامل

وأصبح الشاب الصغير، الذي لم يمتلئ سمعه بتسجيلات فطاحل الفن وشيوخه الكبار، يرى على “يوتيوب” تلاوات حديثة، يخلع عليها المصورون والسماسرة صفات وهمية خادعة، وألقابًا كبيرة زائفة: اسمع “ملك الخشوع”، “أستاذ النغم”، “تلاوة تحبيرية معجزة”، “جوابات صاروخية”، “عملاق المقامات”، “تصوير للمعاني”، “تلوين نغمي”، “أستاذ الوقف والابتداء”، “سلطان المقارئ”، “قيصر القراء”، “قارئ العالم الأول”، “قارئ الأعتاب الطاهرة”..

ولا شك في أن هذه الأجواء أصابت كثيرًا من الشباب وقطاعات واسعة من السمّيعة الجدد بالتشوّش، فاختلت الموازين في أيديهم وآذانهم، وأخذ المنتفعون والسماسرة يتصدون بكل ما أوتوا من قوة لأي صوت يحاول أن ينشر الوعي، أو يمارس أي نوع من النقد لهذا الأداء المتردّي، وإطلاق هذه الألقاب الكاذبة، لأن المسألة بالنسبة إليهم “أكل عيش”، فجعلوا معركتها “حياة أو موتًا”.

ولأن حالة التشويش والضجيج تمثل مُناخًا مناسبة للسماسرة والقراء غير المؤهلين، حرص كل هؤلاء على الترويج لفهم سقيم لمعنى “أهل القرآن”، الذي يفهمه كل عالم بالشريعة أو ناظر في تراثها الضخم باعتبار أنه شرف ومكانة ومثوبة ينالها من يعمل بالقرآن ويتخلّق بأخلاقه، ويُقبل على تلاوته، ولا يعني بأي حال محترفي التلاوة، أو المشايخ المعمّمين، وهم في الأخير بشر يصيبون ويخطئون، وكثير منهم يتورط في سلوكيات وممارسات وألفاظ تخالف ما يبدون عليه في أثناء تلاوتهم في المحافل.

في هذه الأجواء المرتبكة، جاء فيديو محمود الشحات، الذي يصف فيه الشيخ حمدي الزامل بأنه “مايع شوية”، وكان طبيعيًّا أن يكون رد الفعل واسعًا، لأن محمود الشحات، وأخاه أنور، يُعتبران مضرب المثل في التلاوة المتكسّرة البعيدة عن الأداء الرصين، والإتيان بجمل نغمية نافرة، لا تمت بصلة للأداء العربي الكلاسيكي المتزن، الذي يضع حدًّا فاصلاً واضحًا بين تنغيم الآيات القرآنية وتجميل الصوت بها عبر المقامات العربية، وبين الغناء الدنيوي الذي يؤديه أي مطرب أو مطربة في فرح شعبي أو ملهى ليلي.. فجاء النقد اللاذع على مواقع التواصل يقول: اترك هذه المؤاخذة لغيرك، لأنك في هذا الجانب “بيتك من زجاج”.

لكن أزمة مقطع الشحات، ورد الفعل الكاسح عليها، أعمق كثيرًا مما تبدو عليه للناظر المتعجل، الذي يلخصها في وصف سلبي صدر من قارئ يعده الناقد البصير أبرز تجليات تراجع فن التلاوة، ضد قارئ رحل، هو بلا شك أجود منه صوتًا وأمتن أداءً وأقوم سمتًا، فالتراجع والإفساد الذي أصاب فن التلاوة تراكم عبر عقود ليؤثر في جمهور المستمعين وطرائق تعاملهم مع القراء رفضًا أو إعجابًا.. وما بدا لكثيرين على اعتباره وعيًا وفهمًا وانتصارًا للقارئ الأفضل ضد قارئ صار عنوانًا للتراجع والتدهور لم يكن في حقيقته إلا تعميقًا للأزمة.. فالمنتقدون –أكثرهم- بنوا هجمتهم ضد محمود الشحات على مكانة القارئين ووزنهما الصوتي والأدائي، وكانت أكثر الجمل تكرارًا في التدوينات والتعليقات الناقدة هي: “مَن أنت لتنتقد الزامل؟”

والحقيقة أن هذا المنحى في النقد هو في ذاته يمثل مظهرًا مهمًّا جدًّا من مظاهر الأزمة، وإفساد العقلية النقدية لدى الجماهير، حتى أصحاب السمع المرهف منهم.. فعبارة “مَن أنت” تحمل أخطاء منهجية خطيرة، من أبرزها أن قائلها يظن أنه لا يجوز لأحد أن ينتقد أحدًا إلا إذا كان في مكانته.. ووفقا لهؤلاء، فإن من يريد أن ينتقد شيخًا، فعليه أولاً أن يكون في شهرته، ويحمل تاريخًا فنيًّا كتاريخه، وربما ذهب بعضهم إلى ضرورة أن يحمل صوتًا مثل صوته.. وهذا موقف لا وجود له في الحياة العلمية، ولم تعرفه أمتنا عبر تاريخها، فالمآخذ والانتقادات والاستدراكات والاستدراك على الاستدراك يملأ تراثنا كله في كل مناحيه ومذاهبه.. وإنما يكون النظر في انضباط نقد الناقد، ومدى التزامه بقواعد العلم.. فمن ينتقد رواية لنجيب محفوظ مثلاً، لا يقال له: من أنت لتنتقد أديب مصر العالمي؟ فلتحُز جائزة نوبل أولاً ثم انتقد نجيبنا الأغر.

أيضا عبارة “مَن أنت؟” تحمل خللاً خطيرًا يسهم بقوة في ترسيخ الحالة المزرية التي يمر بها فن التلاوة في السنوات الأخيرة، لأن من يطلقون هذه العبارة لا يطلقونها إلا عند النقد وذكر السلبيات.. وإذا كان أصحابها صادقين في حرصهم على أن يكون الناقد متأهلاً ممتلكًا لأدواته اللازمة للنقد، لأطلقوها كذلك عندما يستمعون إلى كلمات المديح والثناء.. بل إنها في هذه الأيام أوجب وأحق أن تقال لمن ملؤوا عالم التلاوة بكلمات الثناء الفارغة المكذوبة التي لا تقوم على شيء من العلم أو الحقيقة، وإذا أخذنا الحجم أو الكم في الاعتبار، فإن عبارة “مَن أنت؟” يجب أن تنصرف إلى أصحاب المديح الفارغ، وهم بها أولى من أصحاب النقد الذي لا يمثل واحدًا في الألف من أنهار المديح والثناء والإعجاب التي تغرقنا كل يوم.

إن الإعجاب والثناء هو في حقيقته عملية نقدية، تحتاج إلى الدراية والمعرفة وامتلاك الأدوات اللازمة، وإذًا، فالمدح كالقدح، وذكر السلبيات كذكر الإيجابيات، وكل منهما مجرد نتيجة يخرج بها خبير لا تختلط عليه أعيرة الذهب، ولا تضل أنامله عندما تمس أنواع الحرير.. أما الفساد والإفساد، فينتعش بتصدير الخفة والبلاهة، وإرهاب أصوات النقد العلمي، ليفترس المديح الجهول سرادقات العزاء ومحافل التلاوة ومواقع التواصل، عبر نقاد مزيفين، لا تفرق أعينهم بين الذهب الخالص والحديد الصدئ، ولا تدرك أناملهم نعومة الحرير من خشونة الحصير.

فيديو الأزمة، حمل في تفاصيله ما هو أدهى وأمر من انتقاد محمود الشحات للشيخ حمدي الزامل، فالقارئ الشاب وهو يجيب على سؤال المتحيّرين: من نسمع؟ ذكر أولاً اسم الشيخ أبو العينين شعيشع، ثم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ثم الشيخ محمد صديق المنشاوي.. ثم ذكّره مجاوره باسم الشيخ مصطفى إسماعيل، فذكره على ثقل.. وبعد هؤلاء الأربعة مباشرة، يتساءل: مين كمان؟ ثم يجيب من فوره: “والشيخ أنور طبعًا.. ده أساسي…”، إذًا، ينصح محمود الشحات جلساءه، وهم من غير العرب، بالاستماع إلى  أخيه القارئ أنور الشحات محمد أنور، ويذكره مباشرة بعد المنشاوي ومصطفى إسماعيل.. لم تجد هذه الكارثة الفنية والعلمية صداها المناسب على مواقع التواصل، لأن العقلية النقدية الشائعة مبرمجة على رفض الذم، والتغاضي عن المدح، فاهتم المدوّنون بمواجهة الانتقاد الموجه إلى الشيخ الزامل، وتركوا هذا المدح المجاني الذي لا يقبله عقل أعتى السذج، ولا يرضاه من له أذنان تسمعان ليس بهما صمم.. هذا تشويش متعمد، وإرباك للجمهور بوسيلة مكشوفة تتلخص في خلط الماس الحر بتراب الأفران.

يذكر المتابعون حوارًا تليفزيونيًّا مع محمود الشحات، قال فيه بثقة بالغة: “القراء الحاليون لا يقلون عن القدماء.. وربما يتفوّقون عليهم”.. وهكذا تكلم بصيغة الجمع، دون أن يخصص نفسه، إذ من المؤكد أنه لا يحتاج إلى تذكيرنا بمكانته في مصر وخارجها.. فمواقع التواصل، وصفحات سماسرة الحفلات، وقنوات المصورين على “يوتيوب” تصفه دائمًا بـ”قارئ العالم الأول”.. ولو كانت المآتم والسرادقات تقام في المريخ، أو على أقمار زحل، أو على أطراف السديم العظيم، للقبوه بقارئ المجرة الأول.. لذلك، اكتفى بذكر اسم أخيه أنور بعد المنشاوي ومصطفى إسماعيل.. وحين ذكر جليسه اسم رفعت والبهتيمي، بادر قائلاً: وبابا.

لقد بلغ الانحدار في فن التلاوة المصرية مبلغًا مأساويًّا، ولم يعد الأمر يحتمل صمتًا أو مجاملات.. وعلى كل غيور صاحب ضمير أن يواجه القبح والرداءة، لأن السمعة التاريخية التي حازتها مصر في هذا الميدان صارت على المحك.. وأول طريق الإصلاح يتمثل في حركة نقدية تنشر الوعي، وتضع في يد المستمع ما يستطيع به أن يفرق بين الأصلي والمزيف.. وعندما ينطلق النقد العلمي الحقيقي، فإنه حتمًا سيلاقي فرقين: أصحاب أذن واعية، يرجون الإصلاح والجمال.. ومغاليق لا مفتاح لها، صم بكم عمي فهم لا يعقلون.

 

 

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى