زوايا

تدخين 2600 سيجارة في الثانية يقصي منافسي الشرقية للدخان

مع كل حركة لعقرب الثواني، يستهلك المصريون 2600 سيجارة. يدفع الدخان المتصاعد من صدورهم في الهواء منحنى مبيعات الشركة الشرقية للدخان “إيسترن كومبانى”، إلى أعلى. هكذا باتت الشركة المعمرة لأكثر من قرن والمصنفة ضمن الكبار عالميًا، أكبر مُنتِج عربي للسجائر بمختلف أنواعها، إلى جانب التُّنباك والمعسل.

تحتكر الشرقية للدخان، التي تأسست في يوليو 1920، بمحافظة الجيزة المتاخمة للقاهرة، صناعة السجائر المحلية بقوة القانون. وتمتلك تراخيص حصرية لإنتاج الماركات العالمية الشهيرة، بحجم تصنيع ضخم يتجاوز أربع مليارات علبة سجائر، تعادل 84 مليار سيجارة سنويًا، أغلبها موجهة للاستهلاك المحلي، جنبًا إلى جنب مع 34 ألف طن معسّل.

في حال عدد المدخنين بشكل عام دون نسبتهم من إجمالي السكان، فتعتبر مصر إذًا أكثر الدول العربية استهلاكًا للتبغ بجميع أصنافه، بعدد مدخنين يتجاوز 25 مليون مدخن، وفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية، ونحو 22.7 مليونًا في تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي يشير إلى تركز غالبية المدخنين في الفئة العمرية بين 15 و69 عامًا.

لكن في حال احتساب نسبة المدخنين من إجمالي عدد السكان، فتتراجع مصر في ترتيب الاستهلاك، إذ تأتي الأردن في المقدمة عربيًا بنسبة 70% من ذكورها على الأقل، وحال احتساب الاستهلاك وفقًا لما يدخنه الفرد الواحد سنويًا تأتي لبنان في المقدمة بواقع نحو 3023 سيجارة، ثم الأردن بـ1855 سيجارة، ثم تونس بنحو 1628 سيجارة.

الشرقية للدخان بديلًا عن السبرسة

في مصر، السيجارة بالنسبة لمستهلكيها، ضرورة أساسية، ما يكشف عن ذلك معدلات الإنفاق عليها، فمتوسط ما تنفقه الأسرة على السجائر سنويًا يناهز 5800 جنيه، بما يعادل 15% من إجمالي الإنفاق السنوي للأسر متوسطة الدخل. ولا مبالغة في اعتبارها أقوى من العملة التقليدية لدى جمهور السائقين والحرفيين، فجهدهم وعرقهم يُقدّر وفقًا لسعرها في السوق.

وعلى مدار السنوات الست الماضية، رفعت الحكومة أسعار السجائر بوتيرة متسارعة، بينها ضريبة 50% من سعر البيع للمستهلك، إضافة إلى مبالغ تتراوح ما بين 1.75 و2.75 جنيه لكل علبة وفقًا لسعرها. لكن ذلك لم يسهم في تراجع معدلات التدخين، بالمخالفة لدراسات منظمة الصحة العالمية، التي تشير إلى أن رفع سعر السجائر بنسبة 10% يقلل معدلات التدخين بنسبة 5% خاصة في الدول النامية.

وعلى العكس من ذلك، تتوقع تقارير اقتصادية متخصصة في استهلاك التدخين، احتلال مصر، خلال سنوات معدودة، المرتبة الرابعة عالميًا في الاستهلاك، بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإندونيسيا، رغم أن عدد سكان مصر أقل بـ60% من سكان إندونيسيا والولايات المتحدة كل على حدة، ولا يكاد يذكر أمام الصين ذات الـ1.7 مليار نسمة بنسبة 33.3% من مدخني العالم.

بدأ التعلق بالنيكوتين في مصر منذ مطلع القرن الـ19؛ كانت السجائر أجنبية، فازدهرت السبرسة وتجارة أعقاب السجائر بين الشرائح الأكثر فقرًا في مصر، فسُخّر الأطفال لجمعها كظاهرة، وتشكلت طوائف معلمين لهذه التجارة، حتى ظهرت الشرقية للدخان لتصبح مصدر الشعب للنيكوتين.

الإدارة الأولى للشركة، التي اختارها أحمد فؤاد، وكان لم يزل سلطانًا، عرفت من أين تؤكل الكتف في مواجهة الاحتكار الأجنبي لسوق السجائر في مصر. وبرأسمال لا يتجاوز 25 ألف جنيه، ركزت الشرقية للدخان على الطبقات دون المتوسطة.

وهكذا استطاعت الشركة أن تهيمن على الإنتاج محليًا برأسمال سوقي يناهز حاليًا 27.9 مليار جنيه (1.8 مليار دولار).

بعد سبع سنوات فقط على تأسيسها، وتحديدًا في 1927، تمكنت الشرقية للدخان من الاستحواذ على غالبية مصانع الأرمن واليونانيين، بالإضافة إلى شركتين بريطانية وأمريكية، مع الحفاظ على ماركات سجائرههما، وتعيين مديريها مدى الحياة. ثم اندمجت بالشرقية للدخان، شركة ماتوسيان الأرمينية صاحبة ماركة كليوباترا، خلال مرحلة التأميم في السنوات الأولى للجمهورية.

في الوقت الحالي، تمتلك الشرقية للدخان مدينة صناعية متكاملة، تتكون من تسع مصانع ومطبعة، على مساحة 350 فدانًا بالمنطقة الصناعية في مدينة 6 أكتوبر غرب القاهرة، إلى جانب خمسة آلاف منفذ توزيع ومخزن موزعة على القاهرة والمحافظات المختلفة، وعدد من المصانع القديمة أو غير المستغلة.

ويمنح القانون الشركةَ مرونة كبير لمزاولة أي نشاط استثماري أو مالي أو تجاري أو صناعي أو زراعي أو خدمي، بالإضافة إلى تملّك وتشييد العقارات، وتقسيم الأراضي، والتأجير، والبيع، والاستيراد والتصدير، والتوكيلات التجارية.

منافس مفاجئ لعملاق الدخان

هذه الهيمنة المنفردة على سوق السجائر من قبل الشرقية للدخان، المنتجة لـ31 ماركة سجائر ومعسل، يبدو أنها في طريقها نحو النهاية بدرجة ما، بعد أن قررت، مؤخرًا، وزارة التجارة والصناعة، ممثلة في هيئة التنمية الصناعية، فتح الباب أمام رخصة جديدة للصناعة، ستكون منافسًا للشرقية للدخان.

وتمثل الرخصة الجديدة مفاجأة بالنسبة لمساهمي الشركة الشرقية للدخان، متمثلين في: الشركة القابضة للصناعات الكيماوية بـ1.1 مليار سهم (ملكية حكومية) بما يعادل 50.50% من أسهم الشركة، واتحاد العاملين المساهمين بالشركة بـ138 مليون سهم بما يعادل 6.13%، وأسهم حرة التداول تبلغ 922.4 مليون سهم بنسبة 41.235%.

يُذكر أن الضرائب المفروضة على الدخان، والتي تدفع غالبيتها الشرقية للدخان، تبلغ 70 مليار جنيه في المتوسط، أي حوالي 8% من إجمالي الإيرادات الضريبية، بما يعادل تقريبًا نصف أرباح الشركات العاملة في مصر، وبما لا يبتعد كثيرًا عن ضريبة المرتبات المخصومة من المنبع، والبالغة 77.5 مليار جنيه

وخلال العام المالي الماضي، المنتهي في يونيو 2020، بلغ حجم إنتاج الشرقية للدخان من السجائر، حوالي 84.2 مليار سيجارة، بارتفاع طفيف عن العام الأسبق الذي أنتجت فيه 83.3 مليار سيجارة.

كما تنتظر الشركة في العام المالي الحالي 2020/2021، قفزة أكبر على مستوى المبيعات، في ظل تزايد الاستهلاك خلال فترة الحظر المنزلي، ومنع تقديم الشيشة بالمقاهي، حتى أن الشركة أنتجت في شهر نوفمبر 2020 وحده، ست مليارات سيجارة، بعد مبيعات خلال الربع الأول من العام المالي بقيمة 3.9 مليار جنيه، مقابل 3.7 مليار جنيه خلال نفس الفترة من العام الماضي.

هذا الحجم المهول من الإنتاج والاستهلاك، جعل مصر أكبر تاسع مستورد في العالم للتبغ الخام. يذهب 80% من حجم الاستيراد للشرقية للدخان، والنسبة الباقية لشركات صغيرة أغلبها متخصص في صناعة المعسل وتبغ سجائر اللف.

وبسبب سلسلة الضرائب والجمارك المعقدة التي تفرضها الحكومة على التبغ، فإن حصيلته للخزانة العامة باستيراده أعلى كثيرًا مما لو زُرع محليًا. وقد يكون هذا سبب رفض الحكومة لدعوات زراعة التبغ في توشكى بجنوب مصر، رغم صلاحية المناخ والتربة لذلك.

منافسة محدودة

ينعكس أثر الرخصة الجديدة، على السجائر التي تنتجها الشركة الشرقية للدخان لصالح الشركات متعددة الجنسيات، لكنها لن تقترب بالتأثير من منتجاتها الشعبية، بعدما ألزمت هيئة التنمية الصناعية، الفائز بالرخصة المقدر قيمتها بحوالي 340 مليون دولار، بالعمل في السجائر الفاخرة فقط، وتسعير أقل منتج لها بنسبة تزيد 50% عن أعلى منتج للشرقية للدخان.

هذا وتمثل حصة السجائر الأجنبية التي تصنعها الشرقية للدخان لصالح شركات أجنبية 18% فقط من حجم إنتاجها، موزعة على النحو التالي:

  • 12% لفيلب موريس.
  • 3% للشركة البريطانية الأمريكية للتبغ.
  • 3% لشركات أخرى.

بالنسبة للمعسل والتنباك، تستحوذ الشركة على 60% من الإنتاج، بينما تترك النسبة المتبقية لنحو 29 منافسًا محليًا، أقواهم مصنع أدخنة النخلة في المنوفية، الذي يستحوذ على 30% من سوق دخان الشيشة.

وعالميًا تحتل الشرقية للدخان مرتبة متقدمة بين كبرى شركات الدخان، بإيرادات بلغت قيمتها 15.9 مليار جنيه خلال العام المالي 2020/2021، وقيمة سوقية تصل لـ1.8 مليار دولار.

وتقترب الشركة كثيرًا من الشركة الوطنية الصينية للتبغ، التي تحتل المرتبة الـ13 عالميًا، برأسمال سوقي يناهز 1.9 مليار دولار.

مع ذلك لا يمكن وضع الشرقية للدخان في مقارنة مع الشركات العالمية متعددة الجنسيات، التي تنتج الشرقية للدخان نفسها بعض أنواع سجائر هذه الشركات بموجب توكيلات تجارية، مثل فيلب موريس التي تصل قيمتها السوقية إلى 128.9 مليار دولار، والشركة الأمريكية البريطانية للتبغ التي تبلغ قيمتها السوقية 84.670 مليار دولار، وغيرهما.

مع ضخامة الحصة السوقية للشرقية للدخان محليًا، وحتى إقليميًا، لن تخرج خاسرة من الرخصة الجديدة، خاصة وأن وزارة التجارة منحت الشرقية للدخان أيضًا رخصة جديدة تتيح لها تصنيع مستلزمات السجائر الإلكترونية ومعدات تسخين التبغ. وجنبتها، مع صاحب الرخصة الجديدة، أي منافسة مستقبلية، بأن منعت الوزارة طرح رخص جديدة لمدة 10 سنوات.

كما ألزمت الوزارة، الفائز بالرخصة الجديدة، إتاحة مساهمة الشرقية للدخان في رأسماله لنسبة 24%، ما يجعل الشرقية للدخان حاضرة في حسابات أرباح الكيان الجديد.

السجائر الفاخرة كلمة السر

لم تغير تلك الأحداث كثيرًا من طبيعة التدخين في مصر، فالجمهور الأكثر استهلاكًا للسجائر من فئة تُقدِّر السعر الرخيص مهما كانت الجودة، والزيادة السكانية الكبيرة تدفع بأعداد جديدة من المدخنين.

مع ذلك، تأثرت الشرقية للدخان على مستوى أسهمها في البورصة، منذ طُرحت الرخصة الجديدة، بعد أن شهدت تخفيف مراكز مالية لبعض المستثمرين طوال ومتوسطي الأجل، الذين حققوا ربحية من امتلاكها على مدار العقد الأخير.

لا يجد المحلل المالي ريمون نبيل في ذلك خطورة كبيرة: “ده طبيعي”، موضحًا: “أي كيان محتكر للسوق يظهر له منافس، يظهر معه أيضًا مخاوف من وضعيته وقدرته المستقبلية”.

ومنذ طرح الرخصة الجديدة، هبط سهم الشرقية للدخان بنسبة تتجاوز 8% وصولًا لمستوى 11.2 جنيه يوم الإعلان عن الرخصة الجديدة. لكنه استطاع التعافي بعض الشيء ليصل لمستوى 12.41 جنيه، بعد أن كانت قيمته عند مستوى يتراوح ما بين 22.5 و20.5% جنيه.

غير أن الشرقية للدخان تعاطت سريعًا مع الرخصة الجديدة بمرونة كبيرة، بالتعاقد مع الشركات العالمية العاملة في مجال الاستشارات التسويقية، لدراسة سوق التدخين في مصر، ومساراته المستقبلية، والاتفاق مع ثلاثة شركات صينية وأوروبية لإنتاج السجائر بالوسائل الإلكترونية، على أن تقدم باكورة إنتاجها منها في نهاية 2021. هذا إلى جانب إنتاج ستة أصناف من معسل النكهات.

هذا التراجع في أسهم الشرقية للدخان، كان له تبعات على أداء البورصة المصرية بشكل عام، إذ يمثل نحو 8% من الوزن النسبي للمؤشر الرئيسي “إيجي إكس 30”.

“لكن الأمر سيتضح أكثر بعد الإعلان عن ماهية المنافس الجديد، ومدى قوته وقدرته على إنتاج منتج بمواصفات يسحب عملاء من الشرقية للدخان لبضائعه، خاصة أن الشركة استطاعت على مدار عقود الحفاظ على حصتها رغم المنافسة الكبيرة من سوق السجائر الأجنبية”، يقول ريمون نبيل.

وعلى كل، يرى محللون في سوق المال المصري، أن تأثر الشرقية للدخان بطرح الرخصة الجديدة، قصير المدى، وأن الشركة امتصت الجزء الأسوأ من خبر الرخصة الجديدة، وأن قيمة أسهمها ستعاود الارتفاع في ظل القوة المالية الضخمة لها، وتوزيعات الأرباح التي تمنحها للمساهمين فيها، التي تعتبر من فئة الأعلى بسوق المال المصري.

وعلى ما يبدو فإن السجائر الفاخرة هي كلمة السر في عدم التأثر الكبير للشرقية للدخان، ذلك ما يشير إليه المحلل المالي نادي عزام، الذي قال لـ”ذات مصر”، إن الشركة التي ستحصل على الرخصة الجديدة، ستعمل في شريحة السجائر الفاخرة، وعليه ستأكل من حصة الشركات الأجنبية. على الأرجح، ستبقى إذًا الشرقية للدخان، عملاق نيكوتين الشعب.

محمد سيد

صحفي وباحث مصري متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى