الشرق الأوسط على طاولة "أمريكا الجديدة"

أنا أربح.. وأنتم وزِّعوا الأوراق!

شهد الشرق الأوسط مؤخرًا تطورات استثنائية، قد تمثل أخبارًا جيدة، على الأقل بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. لطالما كان الشرق الأوسط يعاني من الاضطرابات -ومن المُرجَّح أن يظل كذلك خلال السنوات الأربع المقبلة- لكن الاستجابات الجديدة لهذه الاضطرابات غيَّرت من المشهد في هذه البقعة المتوترة من العالم. السؤال المهم بالنسبة إلى السنوات الأربع المقبلة هو: هل ستستثمر الولايات المتحدة هذه التطورات على نحو صحيح أم أنها ستخاطر بتلاشيها؟

المرشحان الرئاسيان دونالد ترامب وجو بايدن

تشمل هذه التطورات الإيجابية، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، نشأة تحالفين جديدين لأصدقاء أمريكا الإقليميين. قد تكون هذه فرصة تنطوي على تقديم مساعدة جادة للولايات المتحدة في السعي لتحقيق مصالحها الوطنية في المنطقة، فضلاً عن المصالح الخاصة بالأطراف الأخرى. فإذا كان الأمر كذلك، فإنهم سيحققون أملاً أمريكيًّا طال انتظاره لتقليل الأعباء التي تحملتها الولايات المتحدة.

التطور الأول والأكثر وضوحًا هو التحالف الجديد بين إسرائيل واثنتين من الدول الخليجية، الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وهما عضوان في ما يُسمى بـ”الكتلة العربية السنية البراجماتية”. ومن المفهوم أن مثل هذا التحالف يحظى بالدعم الضمني على الأقل من الدول الأخرى، بما في ذلك المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، كما يوجد احتمال كبير أن يتسع هذا التحالف على نطاق أوسع ليشمل دولاً أخرى.

التطور الإيجابي الثاني، والذي لا يُسلَّط عليه الضوء إلى حد ما، هو التحالف الناشئ في شرق البحر الأبيض المتوسط، والذي من المفترض أنه تأسس بهدف حماية المياه الإقليمية للمنطقة وموارد طاقتها. ويتألف هذا التحالف إلى الآن من مصر، واليونان، وقبرص، وإسرائيل، والأردن، وفرنسا، والولايات المتحدة، مع وجود دور محتمل لإيطاليا.

هذه التحالفات هي نقيض للقوى المهددة للسلام والاستقرار في المنطقة، ومهددة أيضًا لمصالح الولايات المتحدة -من وجهة نظر واشنطن- وتضم هذه القوى 3 أطراف؛ طرفين داخليين في المنطقة: النظام الشيعي الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتوجه الإسلاموي الطموح والمتزايد لنظام الجمهورية التركية تحت قيادة رئيسها رجب طيب أردوغان. ويمكن أن يُضاف إليهم حلفاؤهم من الإسلاميين الراديكاليين الفاعلين في دول أخرى، لكن هذه الأطراف الداخلية يدعمها الآن طرف خارجي ثالث من القوى المناوئة للولايات المتحدة: روسيا والصين، اللتان تسعيان على نحو متزايد للعب دور قوي في المنطقة.

توظيف التحالفات الجديدة

بات بدهيًّا –للولايات المتحدة- أن التحالفين الجديدين خرجا إلى الوجود لمواجهة التهديدين القائمين داخل المنطقة. وهذا أوضح ما يكون في ما يتعلق بجمهورية إيران. فقد سعت الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، في ظل حكم نظام متواصل منذ 4 عقود، إلى تصدير ثورتها أو تحقيق هيمنة إقليمية على الأقل. وقد واصلت هذا المسار بنشاط خاص على مدى السنوات العشرين الماضية، مع حرصها على تشكيل ما يُسمى بـ”الهلال الشيعي”. وقد سهّلت الفوضى والحروب الأهلية التي تلت الثورات العربية منذ عام 2011، والمعروفة باسم “الربيع العربي”، من مهمة إيران التي تمارس حاليًّا نفوذًا واسعًا في العديد من الدول العربية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. ومع نفوذها المتصاعد، أحسّت الدول العربية السنية بتهديد متزايد. وتزعم الولايات المتحدة أن هذا التهديد أدى بهذه الدول في النهاية إلى إبرام اتفاقيات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

كان الاتفاق –الذي تراه واشنطن براجماتيًّا- بين الدول العربية وإسرائيل مدعومًا بعامل آخر مهم، وهو الضجر من جانب القيادات الفلسطينية الحالية التي تنتهج الرفض. وهنا تحديدًا يكمن التطور الإيجابي الثالث -من وجهة نظر كاتبي المقال- وهو أن الولايات المتحدة والمنطقة قد تخلت عن وجهة النظر التقليدية -التي طال التمسك بها- وهي أن إحراز التقدم في المنطقة يتطلب أولاً استرضاء المطالب الفلسطينية.

ترامب برفة نتنياهو وبن زايد والزياني أثناء توقع اتفاقات التطبيع
اتفاقات في مواجهة طموحات تركيا

هذا التحالف استُحدِث أيضًا بسبب تهديدات الجمهورية التركية، التي ترى واشنطن أنها شكّلت تهديدًا خطيرًا مُستترًا لفترة طويلة. فقد كان من المُغري تجاهل التهديدات الصادرة عن تركيا وإنكارها، وقد استسلمت واشنطن لهذا الإغراء.

ففي نهاية الأمر، كانت تركيا حليفًا للولايات المتحدة منذ ما يقرب من 70 عامًا في إطار حلف الناتو وغيره من العلاقات. إضافة إلى ذلك، استقبلت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الأخرى بدايات النظام الحالي للرئيس رجب طيب أردوغان بحماس شديد. لقد زُعِم أمريكيًّا أنه يقدم مشروعًا جديدًا يجمع بين الإسلام والديمقراطية، وقُبِل بوصفه مشروعًا يوفر آفاقًا لتقدم واستقرار إقليمي جديد.

بدءًا من العام 2010 تقريبًا، بدأ يتضح لواشنطن أن أردوغان كان يفكر في مسار مختلف تمامًا وجذري بالنسبة إلى تركيا. وقد انعكس ذلك على السياسات المُصممة على تصدير ثورته والترويج لإحياء العثمانية الجديدة من أجل تعظيم دور تركيا وهيمنتها. وقد سهّلت ذلك ثورات 2011 وما أعقبها على نحو ما.

وبمرور الوقت، أصبح من المستحيل تجاهل هذا الأمر ببساطة. لقد أوضحت الدول العربية التي طبَّعت لتوها علاقاتها مع إسرائيل، وكذلك الدول الأخرى التي باركت ذلك على نحو فعّال، أن التهديد التركي يحتاج إلى الردع والمواجهة في المنطقة.  

إضافة إلى ذلك، وسعيًا لتحقيق طموحاته في الآونة الأخيرة، ذهب أردوغان إلى حد المطالبة بالسيادة عمليًّا على شرق البحر المتوسط ​​بكامله، ودعّم مطالبه بالتدخل في ليبيا، وتهديد كل من مصر واليونان وإسرائيل.

إن طموحات أردوغان إلى “الوطن الأزرق” هي الجانب المظلم للتطور الإيجابي الرابع في المنطقة: فرصة استغلال احتياطيات الغاز الطبيعي الضخمة الكامنة في أعماق شرق البحر الأبيض المتوسط. لقد ازدادت احتياطيات الغاز المتوقعة من هذه الحقول، وسيؤدي ذلك إلى تعزيز اقتصاديات وأمن الدول الإقليمية الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك الأردن ومصر، وقوى أوروبية.

فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وحسن روحاني

وقد أدت الحاجة إلى ضرورة الرد على مطامع أردوغان في استغلال هذه الموارد، إلى نشوء التحالف الجديد الثاني الذي يربط إسرائيل بدول حوض البحر المتوسط ​​الأخرى. وقد لعبت القوة الجوية والبحرية الأساسية للولايات المتحدة دورًا، وستستمر في لعب دور مهم في تعزيز الثقة والتماسك لهذا التحالف الجديد، وفي السماح له باستغلال موارد الطاقة في المنطقة على نحو جيد.

التهديد الإيراني يظهر دائمًا على السطح. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، نجحت الولايات المتحدة من خلال برنامج “ممارسة أقصى قدر من الضغط”، إلى جانب أسعار النفط المنخفضة، في إضعاف النظام الإيراني. كما اغتالت الجنرال قاسم سليماني، عن طريق ضربة استهدفت تعطيل مسار الدور الإيراني في العراق. من هذه الجهود الناجحة لإضعاف إيران- وفق الزعم الأمريكي- يظهر التطور الإيجابي الخامس لمنطقة الشرق الأوسط.

وفي ما يتعلق بمواجهة سعي تركيا لتحقيق أحلام أردوغان في الهيمنة، ستواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها خيارات سياسية صعبة. فتركيا لا تزال حليفة في الناتو وقوة إقليمية رئيسة. ومن ناحية أخرى، لا تزال تركيا تساعد في مواجهة التأثيرات الضارة الأخرى في المنطقة، حيث يمكن أن يشكل موقعها الجغرافي معبرًا مهمًا للتأثير الروسي. وإذا ما تم دفع تركيا إلى الحدود القصوى، فإن تصرفات أردوغان -على سبيل المثال: السماح لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين بالفرار إلى أوروبا- يمكن أن تزيد من تعقيد آفاق حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين.

أنقرة وطهران

لطالما كانت تركيا منافسًا تاريخيًّا لإيران، ولكن أردوغان تحدث عن علاقاته الوثيقة المرتبطة بتلك “الدولة الثورية”. في الحقيقة، سوف تتسع مرونة الدبلوماسية الأمريكية والإقليمية من أجل موازنة هذه المصالح المختلفة، مع تحجيم ادعاءات أردوغان المتطرفة وطموحاته المزعزعة إلى الاستقرار.

 إجمالاً، وبالإضافة إلى التهديدات العديدة التي تواجه واشنطن في الشرق الأوسط، فإن في المنطقة مكتسبات إيجابية ستحاول الإدارة القادمة –سواء أكانت جمهورية أم ديمقراطية- توظيفها أو التوسع في استغلالها. وحتمًا ستكون هناك ضغوط للتضحية بهذه المكتسبات من أجل مصالح أخرى: تأمين “التسوية للمطالب الفلسطينية”، وحمل إيران على التخلي عن طموحاتها النووية، ومنع تركيا من تبني علاقات أوثق مع الصين أو روسيا أو إيران، على سبيل المثال.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة وتحرير

مصطفى الفقي

باحث ومترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram