سياسةمختارات

الشوبكي لـ”ذات مصر” : طالبان ستلجأ للمواءمات السياسية دون التخلي عن أفكارها المتشددة

أجرى الحوار – هبة ياسين

تتواصل تطورات وتعقيدات الوضع الأفغاني بشكل مأساوي، مع وقوع تفجيرين انتحاريين مساء الخميس (26 أغسطس 2021) في محيط مطار كابول، استهدفا حشودًا من الأفغان الساعين لمغادرة بلادهم. وأشارت التقديرات إلى سقوط نحو 150 شخصًا بين قتيل وجريح، بينهم 13 عسكريًّا أميركيًّا من قوات «المارينز»، إضافة إلى عناصر من القوات التابعة لحركة «طالبان»، فيما أعلن تنظيم «داعش خراسان» مسؤوليته عن التفجيرات.

وتتسارع وتيرة الأحداث بشكلٍ، فشل معه المحللون في التنبؤ بكل هذه التغيرات المباغتة، وتعقَّدَ الوضع على الأرض، ليشي بأن أفغانستان ينتظرها مزيد من الفوضى والاضطراب، ومستقبل غامض دموي، وسط تداعي الوضع السياسي والأمني، في هذا البلد الآسيوي الذي يعاني الحرب والدمار منذ عقود.

مشاهد سيطرة «طالبان» على السلطة في أفغانستان، وهزيمة القوات الحكومية المدعومة من الولايات المتحدة، ثم وقوع هذه التفجيرات المروعة، معلنةً عن ظهور «تنظيم الدولة» (داعش) بقوة في ساحة النزاع، أصاب الجميع بالذهول، وأحيا مزيدًا من المخاوف.

حول المشهد الأفغاني الحالي، ودلالات ظهور «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، وأسباب شنه هذه الهجمات، إضافة إلى مستقبل حركة «طالبان»، وعلاقاتها الدولية وأوضاعها مع محيطها الإقليمي، أجرى «ذات مصر» هذا الحوار مع الدكتور عمرو الشوبكي، الخبير في شؤون جماعات الإسلام السياسي، بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

الدكتور عمرو الشوبكى، الكاتب والباحث السياسى، والبرلماني السابق
الدكتور عمرو الشوبكى، الكاتب والباحث السياسى، والبرلماني السابق

أفغانستان بين مطرقة «طالبان» وسندان «داعش»

ما تفسير اتجاه «تنظيم الدولة» (داعش) لتصعيد عملياته الإرهابية في أفغانستان على هذا النحو؟

يجدر القول إن مثل هذه العمليات كانت متوقعة؛ إذ أعلنت الولايات المتحدة الأميركية وأجهزة استخبارات غربية منذ عدة أيام، توقعهم حدوث هجمات من قبل عناصر «داعش».

ويمكن النظر إلى استهداف مطار كابول، باعتباره صيدًا ثمينًا لـ«داعش»؛ نظرًا لوجود عناصر أميركية ومتعاونين معها، وهؤلاء يقعون على رأس لائحة المستهدفين في عمليات «داعش»، الذي سبق له تنفيذ عمليات مماثلة في العراق وسوريا، كما أنه نوع من العمليات الانتقامية يمثل حالة ثأرية ضد أي قوات أميركية في العالم، وكذلك ضد المتعاونين معها.

وتوضح هذه الهجمات حدوث صراع بين «داعش» و«طالبان»، خصوصًا أن ثمة تاريخًا من المواجهات الدموية بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن خلايا «داعش» تبلغ أعدادها المئات، ومعظمها خلايا نائمة، ولا تسيطر على أي منطقة في أفغانستان في الوقت الراهن.

ويكمن أحد أسباب قيام «داعش» بهذه العمليات في محاولتها إضعاف «طالبان»، فخوضها صراعًا مسلحًا مع «طالبان» ينطوي على نزاع واضح على السلطة أو النفوذ. فهذا النوع من التنظيمات دائمًا ما يتصارع على حيز، وحدثت من قبل صراعات بين «داعش» و«القاعدة» في العراق وسوريا، من أجل السيطرة على مناطق متنازع عليها؛ لكن «داعش» لن يمكنه السيطرة على أفغانستان، كما لم يعد متاحًا له السيطرة على أي بلد، لا سوريا ولا العراق.

 صورة من محيط مطار كابول

صورة من محيط مطار كابول

كيف ستتعامل «طالبان» في صراعها مع «داعش»؟

أتوقع أن تقوم استراتيجية «طالبان» عقب هذه التفجيرات على تأكيد عمق خلافها مع «داعش»، وأن تاريخ وإرث «طالبان» في صراع دائم مع «تنظيم الدولة الإسلامية»؛ إذ ستحاول توظيف عداءها مع «داعش»، لتظل حاضرة في المشهد الدولي، وتقديم نفسها على أنها مختلفة؛ خصوصًا أن هذا النوع من الأعمال الإرهابية مرشح للتكرار خلال الفترة المقبلة، وسيكون جزءًا من التحدي الذي ستواجهه «طالبان»، وستحاول من خلاله إثبات أنها تخوض مواجهة حقيقية مع «داعش»، حتى تحافظ على مواءمتها وعلاقاتها مع المجتمع الدولي، وكي لا تفقد قنوات الاتصال المفتوحة، والتفاهمات التي وصلت إليها على مدار العامين الماضيين، عبر «حوارات الدوحة». كما ستدخل في مزيد من المواجهات مع «داعش»، ما سيجعلها مقبولة غربيًّا، وهو ما سيفرض تحديًا أمنيًّا مركبًا على «طالبان»؛ لأن منطقة بانغشير ما زالت خارج سيطرتها؛ لكن هناك مؤشرات تشير إلى إمكانية تفاهم «طالبان» مع المجتمع الدولي، بينما سيظل «داعش» تحديًا أمنيًّا حقيقيًّا.

إقرأ أيضا:حركة طالبان.. رحلة القتال والحكم من “قندهار” إلى “مفاوضات الدوحة”

هل ستشكل عمليات «داعش خراسان» محفزًا وعامل جذب لمزيد من عناصر «تنظيم الدولة» حول العالم، يدفعهم للانتقال إلى أفغانستان؟

هذا الاحتمال يصبح ضعيفًا مع خروج القوات الأميركية من أفغانستان، فشوكة «داعش» انكسرت في سوريا والعراق، وفي رأيي عنصر البقاء الدائم لـ«داعش» هو وجود العناصر الأجنبية الذي كان دائمًا جاذبًا للعناصر الجهادية والمتشددة، منذ الغزو السوفييتي مرورًا بالغزو الأميركي؛ لكن خروج هذه القوات وانتهاء مشاهد الإجلاء في مطار كابول لن يجعل أفغانستان بؤرة جذب للعناصر «الداعشية» الموجودة في أماكن أخرى.
قد توجد في أفغانستان عناصر من مقاتلي «داعش» يُقدَّرون بالعشرات أو بالمئات؛ لكن ستظل أعدادهم محدودة، وغالبيتهم خلايا نائمة. ومن الوارد قدوم أفراد ينتمون لـ«داعش»؛ لكن لن يكون هناك نزوح كامل لعناصره، بجانب أن «داعش» غير مؤهل للسيطرة على أي منطقة في أفغانستان، فهذا لم يحدث خلال الفترة التي حدثت فيها مواجهة بين «داعش» و«طالبان»، لذا فمن الصعب بعد سيطرة «طالبان» على زمام الأمور حدوث ذلك.

شهدنا الاستيلاء المباغت والخاطف لحركة «طالبان» على مقاليد السلطة في أفغانستان دون مقاومة تذكر من قبل القوات الحكومية. ما الأسباب التي جعلتها تحسم الصراع بهذه الوتيرة خلال فترة وجيزة؟

ثمة تفسير شامل وكلي، وثمة مجموعة أخرى من التفسيرات الجزئية المرتبطة بما جرى على الأرض. أولًا، التفسير الكلي يشي بأننا لم نكن فقط أمام هزيمة عسكرية وسياسية للقوات الأفغانية – الأميركية؛ بل مثلت هزيمة لنموذج سعى لتصنيع نخبة سياسية خارج الحدود، ومحاولة زرعها في بيئة سياسية مغايرة لها، وهو قوام المشروع الأميركي منذ عام 2001 الذي اتضحت تجلياته في أفغانستان ثم العراق. ورأيي أن ما حدث في أفغانستان يطوي صفحة هذا المشروع القائم على تصنيع نخب وجيش وجهاز إداري ومؤسسات ذات طابع وشكل ديمقراطي؛ لكن جوهرها مختلف، ومن ثم على مستوى النظرة العامة، فقد تهاوى هذا النموذج سريعًا.

 

صورة لمواطنين أفغان من مطار كابول

صورة لمواطنين أفغان من مطار كابول

وعلى مستوى التفسيرات الجزئية على أرض الواقع، فإن «طالبان» استثمرت البيئة الحاضنة من «البشتون» وهي القومية الأكبر التي تمثل نصف عدد السكان، كما أن غالبية أعضاء الحركة والبيئة الحاضنة الداعمة لها من «البشتون»؛ إذ يمكن القضاء على أي تنظيم متطرف في حال لم يكن له أساس أو بُعد عرقي أو قومي أو قبلي، وهذا الأساس لم يتوفر في حالة القوات الحكومية.
كما عملت «طالبان» بشكل مستتر منذ السنوات الأولى التي أعقبت الاحتلال الأميركي؛ حيث فتحت قنوات اتصال مع القيادات العشائرية والقبلية في القرى والمدن المحيطة بالولايات الأفغانية الواقعة تحت سيطرة القوات الحكومية التي تركت القرى والمناطق النائية تحت نفوذ الحركة المتشددة، وبالتالي كان يسيرًا سقوط هذه القرى الصغيرة، ووجدت القوات الحكومية نفسها في بيئة معارضة لها.
وثمة سبب آخر لهذا السقوط، يكمن في فكرة تصنيع الجيش الأفغاني الذي غابت عنه العقيدة القتالية للجيوش الوطنية، ويمكن وصفه بـ«الجيش الاتكالي»، فطوال العقدين الماضيين اعتمد بشكل كامل على الغطاء الجوي الأميركي، وعلى القيادات الأميركية؛ ولم تكن نصائح وتوجيهات الأميركان أحيانًا ذات قيمة؛ لا سيما مع انتهاج سياسة تحصين المدن والمعسكرات، مع ترك القرى والمناطق النائية لـ«طالبان». وبالتالي حين انسحبت الولايات المتحدة أصبحت قيادات الجيش الأفغاني عاجزة عن اتخاذ أي قرارات، وفي ظل غياب العقيدة القتالية شهدنا هروب آلاف الجنود إلى الدول المجاورة.

كيف ستدير «طالبان» علاقاتها مع دول العالم؟

ما زالت «طالبان» تحافظ على جوهر مشروعها وبنيتها الفكرية والعقائدية كتنظيم ديني متشدد؛ لكنها ستعمل على إجراء نوع من المواءمات السياسية، أكثر منه مراجعة لإطارها الفكري والتنظيمي، في ظل حرصها على ألا تدخل في عداوات مع المجتمع الدولي؛ إذ صنعت «طالبان» مواءمات مع الولايات المتحدة، وهو ما يؤكده المشهد الراهن الذي نتابعه أمام مطار كابول؛ حيث الجنود الأميركان يقبعون على بعد أمتار قليلة من عناصر «طالبان» دون أن تحدث بينهم أي اشتباكات أو مواجهة مسلحة. كما أن الجانب الأميركي أشاد أكثر من مرة بتعاون «طالبان» في بعض الملفات؛ خصوصًا ملف الإجلاء. وهذا السقوط السلس واليسير لكابول، ما كان له ليحدث دون تفاهم ما مع الولايات المتحدة الأميركية.

صورة من أفغانستان
صورة من أفغانستان

علاقات إقليمية بين الحذر والتربص

 

وماذا سيكون شكل علاقة «طالبان» بمحيطها الإقليمي؛ خصوصا مع باكستان وإيران وتركيا؟

تختلف «طالبان» 2021 عن نظيرتها في مطلع الألفية؛ فـ«طالبان» الحالية أكثر حرصًا على المواءمة السياسية؛ لكن مع التأكيد -مرة أخرى- على أنها لم تُجرِ مراجعة لإطارها الفكري والعقائدي ولا لبنيتها التنظيمية، فهي ما زالت جماعة دينية؛ لكنها تعمل على صناعة مواءمة مع محيطها الإقليمي والدولي، وتتسم علاقاتها مع محيطها الإقليمي بالحذر، على خلاف الوضع الذي كانت عليه في الفترة بين 1996 و2001، حرصًا منها على عدم التورط في مواجهات مع جيرانها.
فثمة علاقة من عدم الارتياح والحذر والتربص والمخاوف المتبادلة مع إيران، لاعتبارات مذهبية؛ لكن ستظل حريصة على ألا تدخل في مواجهة مع إيران أو باكستان.
أما علاقتها بتركيا فهي بمثابة علاقة «انتظار»، في ظل رغبة تركيا في وضع موطئ قدم في أفغانستان، عبر إدارة مطار كابول؛ لكن ما زالت حتى هذه اللحظة تلقى رفضًا، ولم يتم التوافق بشكل نهائي على إدارة تركيا للمرفأ.

ماذا عن الزيارة الأخيرة للأمير طحنون بن زايد –مستشار الأمن الوطني بدولة الإمارات– لتركيا، والتي ربطها البعض بما يجري في أفغانستان؟
لا شك في أن أفغانستان هي أحد ملفات الزيارة؛ لكن ثمة قضايا أخرى عالقة بين الجانب الإماراتي والتركي تشغل بال البلدين أكثر من ملف أفغانستان الذي لا يتخذ موضع الأولوية، فهناك ملفات تتعلق بالمنطقة العربية، بينها الملفان الليبي والسوري؛ بينما يتذيل الملف الأفغاني قائمة ملفات هذه الزيارة.

ماذا عن الاستغلال الروسي والصيني للانسحاب الأميركي من أفغانستان؛ خصوصًا أنهما منافسان استراتيجيان للولايات المتحدة؟
هناك استثمار سياسي من الجانب الروسي والصيني، وكلا البلدين يستثمر الفشل الأميركي في أفغانستان، فروسيا ما زالت سفارتها مفتوحة، ولم تُغلَق في أفغانستان، وهذا جزء من التنافس السياسي بين روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية؛ لكن بالتأكيد ثمة مرارة بين أفغانستان عمومًا و«طالبان» بشكل خاص، وبين الجانب الروسي؛ بينما العلاقة مع الصين مرشحة للتطور؛ لأن الصين لم تحتل أفغانستان.

وما مستقبل العلاقة بين «طالبان» وتنظيم «القاعدة»؟ وما إمكانية أن تصبح أفغانستان ملاذًا آمنًا لعناصره؟
على مستوى المستقبل المنظور، فإن أفغانستان لن تكون ملاذًا آمنًا لتنظيم «القاعدة» كما كانت عليه الحال في فترات ماضية؛ خصوصًا في ظل سريان ورقة التفاهم مع الولايات المتحدة التي ستمارس الضغط الاقتصادي على أفغانستان؛ لا سيما أن جزءًا كبيرًا من الجهاز الإداري لأفغانستان خلال العشرين عامًا الماضية ما زالت رواتبه تُموَّل من المساعدات الدولية، إضافة إلى أن الوضع الاقتصادي الأفغاني شبه منهار، كما أن نتائج ما حدث بين عامي 1996 و2001 بسبب التحالف بين «طالبان» و«القاعدة» كانت كارثية على «طالبان» وأفغانستان.
على مستوى المستقبل القريب، ستستمر حركة «طالبان» في إجراء مواءمة سياسية، ولن تصبح ملاذًا آمنًا للعناصر الإرهابية، مثل «القاعدة»؛ لكن قد يُوجَد أفراد مستترون ينتمون إلى «القاعدة» في أفغانستان.

ألا يمكن أن يصل كل من «طالبان» و«القاعدة» إلى تفاهمات أو تقاطعات في المصالح خلال مراحل مقبلة؟
التقارب مع «القاعدة» يعني أنها ستدخل مواجهة جديدة مع المجتمع الدولي؛ هذه المواجهة لن تكون مسلحة؛ لكن ستُستخدَم خلالها أوراق الحصار الاقتصادي والسياسي، وبالتالي من الوارد أن تكون أفغانستان «ملاذًا آمنًا خاملًا» -إن جاز التعبير- لـ«القاعدة» في أفغانستان، وهناك بالفعل عناصر من «القاعدة» موجودة على الأراضي الأفغانية. لكن حتى هذه اللحظة وجود «القاعدة» في أفغانستان هو حضور لأفراد، وليس من الوارد في ظل التفاهمات الحالية قيامهم بعمليات إرهابية.
لكن من المهم التأكيد والأخذ في الاعتبار أن هذا ليس نتيجة أن «طالبان» أصبحت أكثر اعتدالًا، أو لكونها صنعت مراجعة عقائدية وتنظيمية لبنيتها؛ لكنه نتاج المواءمة السياسية مع العالم الخارجي. فهي لم تقم بمراجعة وصلت من خلالها إلى قطيعة مع «القاعدة»؛ لكن تحركها البراغماتي الآن هو أحد أشكال شروط التفاهم مع المجتمع الدولي والولايات المتحدة، وإذا تعرض هذا التفاهم إلى شرخ أو أزمة فيمكن أن يتحول «الملاذ الخامل» إلى «ملاذ آمن فاعل»، وتتحول «القاعدة» إلى ممارسة العنف انطلاقًا من أفغانستان.

صورة-أرشيفية-لقادة-من-حركة-طالبان-في-محادثات-الدوحة
صورة-أرشيفية-لقادة-من-حركة-طالبان-في-محادثات-الدوحة
  • بالنسبة للتنظيمات الإسلامية، مثل جماعة «الإخوان المسلمين»، أو المجموعات المتطرفة والمسلحة في سوريا أو ليبيا؛ هل يمكن أن تكون أفغانستان بؤرة لتجميع شتات هذه المجموعات؟
    من الوارد أن تستضيف «طالبان» بعض عناصر التنظيمات الإسلامية، مثل «الإخوان المسلمين»، وإن كنت لا أتوقع أن يجري ذلك على نطاق واسع؛ لأن تركيا ما زالت الملاذ الأول الآمن لـ«الإخوان»، والتي قد تضع قيودًا على نشاطهم السياسي والإعلامي؛ لكنهم ما زلوا يفضلون البقاء فيها عن الذهاب إلى أفغانستان. وإذا حدث فستكون حالات فردية. لذا لا أتوقع نزوحًا إخوانيًّا من تركيا لأفغانستان.
    بالنسبة للعناصر الموجودة في سوريا، فهذا لن يتم بمبادرة مستقلة من «طالبان»؛ بل عبر تفاهم دولي؛ خصوصا أن «حوارات الدوحة» المستمرة على مدار العامين الماضيين خلقت «تفاهمًا ما» بين «طالبان» وبين المجتمع الدولي، فـ«طالبان» لن تفتح ذراعيها للجماعات الجهادية والتكفيرية المختلفة الموجودة في أكثر من بلد إلا في إطار التفاهم الدولي، وتحديدًا في حالة ليبيا. ومن الوارد في سبيل حل أزمة الصراع الليبي أن يُجرَى نقل جزء من المقاتلين والعناصر المسلحة السورية الموجودة في ليبيا إلى أفغانستان، على أن يتم ذلك بالتفاهم مع المجتمع الدولي.

 

  • ما زال إقليم بانغشير –معقل مقاتلي التحالف الشمالي الذين انضموا إلى الولايات المتحدة للإطاحة بنظام «طالبان» في عام 2001- خارج سيطرة «طالبان»، ويقود تمرده نجل أحمد شاه مسعود. هل سيشكل هذا الإقليم معقلًا أفغانيًّا لمقاومة «طالبان»؟ وإلى متى سيصمد؟ وما مصير الصراع بين الطرفين؟
    رأيي أن فرص التسوية السلمية وإيجاد تفاهم كبيرة وراجحة؛ خصوصًا أن الولايات المتحدة تلعب دورًا مؤثرًا في هذا الإقليم، ويمكنها دفع الطرفين («طالبان» وشاه مسعود) إلى الوصول إلى تفاهم؛ لكن التحدي من وجهة نظري سيكون في المستقبل المنظور، متمثلًا في قدرة «طالبان» على إدارة منظومة حكم تستوعب الأطراف الأخرى الموجودة؛ سواء ما يمثله أحمد مسعود أو أطياف واتجاهات عرقية وقبلية أخرى. وهذا هو التحدي الحقيقي والاختبار لكيفية إدارة «طالبان» الحكم، وقدرتها على الاستمرار؛ لكن الوقت الراهن، وفي ظل الضغوط الدولية للوصول إلى تفاهمات، أرى أن الوضع الأقرب هو محاولة الوصول إلى اتفاق أكثر منه اللجوء إلى المواجهة؛ لكن هذا التفاهم سيكون معقدًا.
أحمد مسعود، قائد آخر منطقة متبقية خارج سيطرة حركة طالبان الأفغانية
أحمد مسعود، قائد آخر منطقة متبقية خارج سيطرة حركة طالبان الأفغانية
  • ألا يمكن أن تسعى الولايات المتحدة لوأد هذا التفاهم، كي يكون أحمد مسعود شوكة في ظهر «طالبان» واستخدامه ضدها وقتما تشاء؟
    هذا الإقليم هو جزء من الأوراق التي ستكون في حوزة الولايات المتحدة، لاستخدامها في حال الخلاف، أو في حال خروج «طالبان» عن التفاهمات والشروط المتفق عليها. وأحمد مسعود ليس شوكة؛ لكنني أعتبره إحدى الأوراق، مثل الأوراق الاقتصادية والسياسية التي ستكون في يد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للضغط على «طالبان» في حال أخلت بالتزاماتها.

 

  • أعلنت «طالبان» أنها ستسمح بتعليم النساء وخروجهن للعمل. فهل يمكن تصديق ذلك؟ أم هي مجرد تصريحات براغماتية لتجميل وجهها القبيح أمام العالم؟ وما الأوضاع المرتقبة للمرأة؟ وهل ستكون بمأمن في ظل هذا الحكم؟
    «طالبان» حركة تكره المرأة، وسيخضع مستقبل تعليم وعمل النساء للقيود؛ لكنها أيضًا لن تستطيع منعهن من التعليم، وإن كانت ستظل حركة غير مؤمنة بحقوق المرأة. وحتى لو سمحت «طالبان» للنساء بالتعليم -وهو ما أتوقعه- فإن هذا لا يعني أن المرأة ستكون بمأمن. وهذا يفرض على المجتمع الدولي، بما فيه الدول العربية والإسلامية، مواجهة أي انتهاكات من هذا النوع، سواء ما تمس حقوق المرأة أو الأقليات، فهذا يتعلق بالقيم الإنسانية الأساسية وليس تدخلًا في النظام السياسي. فتغيير النظام السياسي مسؤولية الشعب الأفغاني، أما القيم الأساسية المتعلقة بالانتهاكات أو امتهان كرامة المرأة أو الأقليات، فلا بد للمجتمع الدولي من أن يكون حاضرًا لمواجهتها.
    ومن المؤكد أن «طالبان» ستظل حركة معادية للديمقراطية والمفاهيم المدنية الحديثة؛ لكن التغيير الأكبر سيكون مع العالم عبر المواءمة، ومحاولتها أن تصبح حركة براغماتية.

 

  • وماذا عن أوضاع الأقليات تحت مظلة سيطرة «طالبان»؟
    ثمة محاولة إدماج بعض العناصر داخل منظومة الحكم الجديدة، مثل الطاجيك؛ لكن ستظل المشكلة الرئيسة مع أقلية «الهزارة» –الشيعة الأفغان– خصوصًا مع كون حركة «طالبان» سُنية متشددة. وهذه الإشكالية مستمرة؛ لا سيما مع وقوع عمليات إرهابية استهدفت مدارسهم من قبل «طالبان». وستظل هناك مشكلة مع الأقليات؛ خصوصًا أنها حركة غير مرحبة بالأقليات المخالفة لها في المذهب السُّني.

 

  • ما أفق ومستقبل حركة «طالبان» في أفغانستان؟
    يتوقف ذلك على منظومة الإدارة التي ستطرحها خلال الفترة المقبلة. فالحكم من خلال جماعة دينية هو حكم ضد التاريخ والحداثة، وشرعية السلطة تخضع لتفسيرات جماعة دينية وليس للشعب والمؤسسات. ومن ثم، على مستوى المستقبل المنظور، قد تستمر في الحكم؛ لكن أفغانستان ستكون مرشحة لخلق نموذج محلي حداثي يتجاوز نموذج تصنيع النخب والمنظومة السياسية التي صنعتها الولايات المتحدة، ويتجاوز نموذج حكم «طالبان»، أي سيكون نموذجًا ليس من صنع «قوة احتلال»، ولا من صنع «جماعة متشددة» مثل «طالبان».

هبة ياسين

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى