الشيخ المسلوب.. حافة الغناء المُدرك

 

غضب المطرب والملحن الكبير الرائد محمد عثمان، بعد أن بلغه أن منافسه العملاق عبده الحامولي، يغني دور عشنا وشفنا، الذي لحنه عثمان وغناه، فكان له دوي في الأوساط الفنية المصرية كلها.. كان الحامولي يلحن الأدوار ويغنيها فيخلب الألباب، لكنه كان يغني أيضا أدوارا من تلحين محمد عثمان، وكان الأخير يسعد كثيرا بجريان ألحانه على أوتار الحامولي، فهو مطرب العصر الذي لا ينازع ولا يبارى.. أرسل الحامولي بعض أفراد بطانته إلى المحافل التي يحييها عثمان، ليحفظوا اللحن وينقلوه له، حتى إذا أتقنه أخذ يغنيه في محافله، فاضطر صاحب اللحن إلى رفع شكوى إلى “شيخ أرباب المغاني” محمد عبد الرحيم، الشهير بالمسلوب، وكان في مقام ما يعرف اليوم بنقيب الموسيقيين، وكان من سلطته أن يمنح الإذن بالغناء لمن يراه قد امتلك القدره، أو أن يمنع الدخلاء على الفن ممن أرادوا إقحام أنفسهم فيما لم يتأهلوا له.. هذه الواقعة، يرويها كمال النجمي، ويذكر أنه سمعها بنفسه من المطرب الكبير صالح عبد الحي عام 1943، في كازينو بديعة مصابني بميدان الأوبرا.

ويكمل النجمي: أراد المسلوب أن يوفق بين العلمين الموسيقيين، فجمعهما في مجلسه، وبادر قائلا: “ماذا أغضبك يا سي محمد من سي عبده في غنائه لدور عشنا وشفنا؟.. أليس بينكما اتفاق على أن يغني أدوارك في أي وقت يشاء؟.. فقال عثمان: لا أعتب عليه في غناء أدواري، فأنا أسعد الناس بهذا، لكني أعترض على ما فعله بهذا الدور تحديدا، فقد وضعت نغماته من مقام الراست، فغناه الحامولي من مقام الدلنشين… ولأن المسلوب خبير بمقامات النغم، فقد أدرك على الفور التغيير الدقيق الذي قام به الحامولي في لحن عثمان، ودار بين الرجلين حوار طويل، حاول الحامولي خلاله أن يؤكد أن التغيير طفيف، لأن الدلنشين من فروع الراست، وأن ما فعله لا يعد تحريفا للحن الأصلي”. كانت مكانة الشيخ المسلوب ترفعه إلى مقام الحكم بين الحامولي وعثمان، وهما العلمان الكبيران، وقطبا الغناء والتلحين بلا منازع.

 

محمد عبد الرحيم المسلوب، الموسيقي المعمر، الشيخ الأزهري، رأس الغناء المصري المدرك، وأستاذ أعلام هذا الفن، ورائدهم الأكبر.. عاش ما يقرب من 130 عاما، تخللت ثلاثة قرون، فقد ولد قبيل الحملة الفرنسية على مصر، وعاش القرن التاسع عشر كاملا، والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين.. كان عمره يقترب من الستين حين ولد محمد عثمان، وفي العام الذي ولد فيه سيد دوريش كان المسلوب قد تجاوز التسعين، لكنه عاش بعد درويش أربع أو خمس سنوات.

تلقى المسلوب تعليمه الأولي في الأزهر، واشتغل منشدا في الموالد، ثم وجد في نفسه قدرة وميلا إلى التلحين، فاتجه بقوة إلى تحصيل علوم المقامات والإيقاعات، وحفظ الموشحات حتى صار راوية كبيرا لها.

والمسلوب يكاد أن يكون مؤسس قالب الدور في الغناء المصري، فلم تُعرف قبله أدوار.. والدور من أهم قوالب الغناء العربي وأصعبها، وظل نحو 70 عاما الوعاء الرئيس لروائع الغناء، والمجال الأرحب للتنافس بين عمالقة التلحين، لاسيما بعد أن بلغ ذروة عليا بألحان الحامولي ومحمد عثمان، ومن جاء بعدهم، كإبراهيم القباني وكامل الخلعي، وصولا إلى داوود حسني، وسيد درويش، وزكريا أحمد.

من ألحان المسلوب، دور يا مصر أنسك عال، بصوت عبد الحي حلمي

فتحت جهود هذا الرائد الكبير، أبواب النهضة والتجديد واسعة للغناء المصري، وزادت مساحة الاحترام لمحترفي الغناء العباقرة، ولما بلغ الفن ذروته على يد الحامولي، بدأ بعض علماء الأزهر في كتابة النصوص الغنائية من قوالب مختلفة على رأسها الدور والقصيدة، ومن هؤلاء العلماء الشيخ علي الليثي، والشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية، والشيخ علي أبو النصر، والشيخ أحمد وهبة، والشيخ محمد الدرويش.. ثم انضم إليهم علمان كبيران هما محمود باشا سامي البارودي، وإسماعيل باشا صبري.

يمكننا أن نعتبر المسلوب واضع الأساس ورافع القواعد لقالب الدور، ثم جاء محمد عثمان فصعد بالقالب إلى الذروة، لتنفتح الأبواب أمام الملحنين، الذين وجدوا في الدور ميدانا رحبا للإبداع، والتفكير الموسيقي، وبلوغ الغاية في فنون الطرب.. وعرفت العقود التالية أسماء: سلامة حجازي، ومحمود الخضراوي، وعلي القصبجي، وإسكندر شلفون، وإبراهيم القباني، وداود حسني، وسيد درويش، وزكريا أحمد، وغيرهم من أساطين هذا الميدان الصعب.

 

ومن المؤكد أن الشيخ المسلوب لم يوف حقه في حركة التأريخ الموسيقي، بسبب حالة الانقطاع والتجهيل التي مورست ضد موسيقى عصر النهضة، وأيضا بسبب توقف المطربين عن أداء الأدوار بعد أن توقفت عنها أم كلثوم وعبد الوهاب منتصف الثلاثينات، مما حول “الدور” إلى قالب تراثي تؤديه فرق الموسيقى العربية جماعيا، بطريقة لا تظهر جمالياته ولا توضح مساحة الارتجال الكبيرة فيه.. لكن كل رصد جاد لمسيرة الغناء وتطوره لا يمكنه أن يغفل دور المسلوب باعتباره الرائد الأكبر، والأب المعلم لأعلام هذا الفن.
كان المسلوب راوية للموشحات، وعنه تلقاها عدد من أعلام الفن، وقد عاصر الشيخَ شهاب الدين محمد إسماعيل، صاحب كتاب “سفينة الملك ونفيسة الفلك”، وهو أهم مرجع في الموشحات.. لكن المسلوب لم يكن من أرباب تلحين الموشح، فلم يضع من هذا القالب، إلا موشحين، ذكرهما العالم الموسيقي الفذ كامل الخلعي، في كتابه المرجع “الموسيقي الشرقي”، هما: رشيق القد، من مقام النوا أثر، وجل منشي حسنك، مقام جهاركاه.

موشح رشيق القد.. بصوت الشيخ درويش الحريري

وجانبت الدقة والانتباه المؤرخ الموسيقي الكبير الراحل كمال النجمي، عندما جزم بنسبة موشح “لما بدا يتثنى” إلى المسلوب، وهذا الموشح -على شهرته التي لم ينلها موشح غيره- مازال مجهول الملحن.. والغالب أن الأستاذ النجمي وقع في الارتباك، بسبب أن الخلعي ذكر “لما بدا يتثني” ضمن قائمة موشحات مقام النهاوند وفروعه بعد أن ذكر موشح “رشيق القد” للمسلوب، فظن النجمي أنه له.. والتأمل الدقيق للترجمة التي وضعها الخلعي للشيخ، تثبت له التفوق في تلحين الأدوار، ولا تثبت له في الموشحات إلا الرواية والأداء المتقن، ونص الترجمة يقول: “الشيخ محمد عبد الرحيم، الشهير بالمسلوب.. هو المنشد الشهير، والملحن المصري الكبير، وشيخ مشايخ منشدي الأذكار الصوفية، وهبه الله مزية الإتقان في إلقاء الموشحات والألحان.. كما له الباع الطويل والذوق السليم في صياغة الأدوار العربية، على الطريقة الشجية المصرية.. حفظه الله وأبقاه”.

ترجمة المسلوب في كتاب الموسيقي الشرقي لكامل الخلعي

تكاد كلمات المؤرخين والنقاد والباحثين تتطابق، عندما يتحدثون عن جهود المسلوب التلحينية، ولاسيما في فن الدور، فيرى الموسيقي والباحث السوري الراحل محمود عجان، أن المسلوب “يعتبر زعيم المدرسة القديمة للدور، وإليه يعود الفضل الأول في ترقيته، فقد كان رئيس منشدي الأذكار الصوفية والموشحات في تلك الحقبة من الزمن، كما إنه يعتبر من أئمة ملحني الدور في عصره الذهبي، وقد لحن ما يقرب من المائة دور، ووصل فيه إلى مرحلة الإبداع والتجديد”.
ويقرر كمال النجمي أن المسلوب “هو الذي ارتاد طريق الدور لزملائه الملحنين قبل مئة عام، وتلقفه منه عبده الحامولي فغناه ونسج على منواله، ثم تقدم محمد عثمان فزاد فيه كثيرا حتى استكمله واستبحر في صناعته”.
وصحيح أن عثمان أدخل على الدور من التطوير والجماليات ما جعل كثيرا من المؤرخين يعتبرونه مؤسس هذا القالب، لكن التطوير والتجديد والإضافة لا يمكن أن تُبنى على عدم، ولابد لها أن تكون واقعة على محل، بل على هيكل قوي واضح، وكان المسلوب هو واضع هذا الهيكل ومنشئه.. وقد بدأ محمد عثمان نفسه حياته الفنية بغناء أدوار المسلوب، كما جاء في كتاب إبراهيم شفيق ومحمود كامل عن حياة محمد عثمان.

كان الشيخ المسلوب عالما بالمقامات العربية والإيقاعات الشرقية، واتسمت ألحانه للأدوار بالتنوع والثراء، فطرق فيما لحنه مقامات عدة، وقد حصر محمود عجان 23 دورا للمسلوب من مقام الراست، و3 من النهاوند، و4 من النوا أثر، و11 من البياتي، و2 من الحسيني، ودورا واحدا من القارجهار “الشوري”، وواحد من الصبا، وخمسة من الحجاز، ودورين من العشاق، و5 من العراق والأوج، و3 من السيكاه، و3 من الجهاركاه.

دور الورد في وجنات بهي الجمال بصوت يوسف المنيلاوي

وشاعت أدوار المسلوب عبر أصوات كبار مطربي عصر النهضة الموسيقية، وعلى رأسهم الحامولي وعثمان، ثم استمرت مع الجيل التالي، لاسيما مع دخول شركات الاسطوانات مصر، فسجل فطاحل أهل المغنى أدوار الشيخ، ويأتي في مقدمة هؤلاء المطربين: الشيخ يوسف المنيلاوي، وعبد الحي حلمي، وسليمان أبو داود، والشيخ سلامة حجازي، وزكي مراد، والشيخ أبو العلا محمد، وداود حسني، وعلي عبد الباري، ومحمد سالم الكبير، ومحمد السبع، وصالح عبد الحي، وإبراهيم شفيق.
ومع اندثار عصر الاسطوانة، وبزوغ عهد الإذاعة وبدء عصر جديد للغناء يختلف تماما في تفاصيله وملامحه عن غناء الحقبة الحامولية، سجل بعض المطربين الإذاعيين أدوارا للمسلوب، ومنهم بديعة صادق، وكارم محمود، وعائشة حسن، وسيد مكاوي، كما سجلت الفرقة القومية للموسيقى العربية بقيادة عبد الحليم نويرة بعض أدوار الشيخ.
ومن أمثلة أدوار المسلوب في مقام الراست: أدبني الحب أدبني، وسجله سليمان أبو داود، وخلي صدودك وهجرك، وسجله عبد الحي حلمي، وسباني سهام العين، وسجله زكي مراد وأبو العلا محمد، وشربت الراح في روض الأنس، وسجله عبد الحي حلمي، والورد في وجنات بهي الجمال، وسجله يوسف المنيلاوي.

دور سباني سهام العين بصوت أبو العلا محمد

ومن أدواره في مقام النوا أثر، جمال خدك بيتعاجب، وسجله عبد الحي حلمي، وفي زمان الوصل الهني، وسجله المنيلاوي وزكي مراد، وإن كان الأخير يغنيه من النهاوند، ودور يا منية الأرواح جد لي، بصوت سليمان أبوداود، وأيضا دور العفو يا سيد الملاح، وسجله عبد الحي حلمي، وسليمان أبو داود، وبمبة العوادة، وبديعة صادق.

دور العفو يا سيد الملاح بصوت بديعة صادق

ومن مقام البياتي، لحن المسلوب أدوار: جميل زمانك لك صفا، وسجله عبد الحي حلمي، وأحمد صابر، والحبيب لما هجرني، وسجله محمد نجيب ومحمد نور، وسيوف لواحظ حبيبي، ويا قلب مين قالك تعشق، وياللي أوصافك مليحة، وسجله عبد الحي حلمي وسليمان أبو داود.

دور ياللي أوصافك مليحة بصوت عبد الحي حلمي

ولحن المسلوب عددا من الأدوار بمقام الحجاز، منها: حسن الحبيب فاتن، وسجله محمد سالم الكبير، وسليمان أبو داود، وفريد المحاسن بان، وسجله عبد الحي حلمي وسليمان أبو داود، وداود حسني، وفي مجلس الأنس الهني، وسجله عبد الحي حلمي، وسليمان أبو داود، وصالح عبد الحي، والفرقة القومية للموسيقى العربية.

دور في مجلس الأنس الهني- أداء فرقة عبد الحليم نويرة

عاش الشيخ المسلوب حياة طويلة، وإن كان لا يعرف عام ميلاده على وجه الدقة، وبينما اختار كمال النجمي أن الشيخ ولد أواخر عهد المماليك، وتحديدا في إماردة المملوك “البرديسي بك”.. وأنه عاش إلى عام 1928.. حدد محمود عجان عام ميلاد الشيخ بـ 1794، وحدد بدقة تاريخ وفاته في 13 يوليو 1927.. وبالطبع فإن بعض الباحثين يشككون في دقة هذه التواريخ، لاسيما تاريخ الميلاد، لكنهم متفقون جميعا على طول عمر الرجل، وأنه عاش قرنا من الزمان على التقدير الأقل.
من أهم الأسباب التي دفعت كل من يتابع تاريخ الفن الغنائي المصري لأن يجعل المسلوب هو الرأس، والمنتهى، وشيخ الشيوخ، أن لم يصلنا لحن يعرف صاحبه، قبل المسلوب.. بالطبع هناك ألحان أقدم، لكنها مجهولة الملحن.. وكل تتبع للألحان المدركة التي يعرف ملحنها، ومحاولة الوصول إلى أبعد نقطة في هذا الميدان وأقدمها، توقفت وانقطعت عند اسم الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب، فصار بهذا رأس الغناء المصري المدرك، وشيخه الأول، الذي حظي بالتقدير والإجلال من كل من عاصره وأخذ عنه علوم المقامات والإيقاعات.

بمشاركة

رسوم

أحمد بيكا

قصــة

هيثم أبو زيد

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram