وجهات نظر

“الشيخ جراح”.. حدث متعدد الرؤوس

محمد السيد الطناوي

“يمكن لحدث ما أن يُعاكس ويُقمع ويستعاد ويخان، لكن يتضمن، رغم ذلك، شيئا يستعصي على التجاوز، والمارقون وحدهم هم من يقولون: لقد تم تجاوزه، فحتى لو كان الحدث ذاته عتيقا، فإنه لا يقبل التجاوز: إنه انفتاح على الممكن، ينفذ إلى داخل الأفراد بقدر ما ينفذ إلى أعماق المجتمع”. ومسايرةً لرؤية جيل دولوز للحدث، فحتى لو أفضى حراك “الشيخ جراح” إلى التهدئة، فلن يتم تجاوزه، مع هذا، إذا كان ثمة درس تعلمناه خلال السنوات الماضية، فهو أن البدايات المجيدة ربما لا يعقبها نهايات على غرارها، لكن لِمَ علينا دائما أن نُحمّل الحدث معنى؟!، الحدث هو ذاته المعنى، هو “سطح لا عمق له”.

هذا لا يمنع أبدا أن يلعب الحدث دورا جوهريا من خلال “الاستبصار” voyance، فالمجتمع يعلن عبر الحدث عما كابده ولم تعد لديه قدرة على كتمانه، كأن لسان حاله يقول: “بعض الممكن وإلا سأختنق”، وفي ذات الوقت يستبصر إمكانية جديدة، فالممكن لا يوجد قبل الحدث إنما يصنعه الحدث.

قد يرى البعض أنه من المبكر الكلام عن قيمة حدث “الشيخ جراح” ومفعوله في تاريخ الصراع، لكن، بحسب المؤرخ الفرنسي فرانسوا دوس، فإن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تفرض اليوم الحدث الآني كتاريخ، تصحبك في التو إلى ما يجري، وتقتحم بك ميدان الأحداث، مؤكدة بذلك أن التاريخ، ليس كما كان يُعتقد سابقا، يُكتب بعد حين، فأنت تشاهده وهو يقع أمامك وتَخبُره وهو لا يزال يتشكل، يفرض الإعلام “مزيدا من المعيش” ليحل الحاضر محل الماضي.

وما يجعل لـ”الشيخ جراح” أهمية فارقة، هو تمهيده لمرحلة جديدة، وتحريره وبصورة فجائية لممكنات كانت حتى وقت قريب غير ممكنة.

لأول مرة يتجاوز العالم الغربي عتبة الأسطورة الإسرائيلية عن حق الدولة العبرية في الدفاع عن نفسها، لتتعاظم موجات التعاطف على امتداد العواصم الغربية عبر فعاليات تضامنية مع ما يحدث في حي الشيخ جراح من قمع وتهجير قسري وما يرتكبه جيش الاحتلال في غزة من جرائم.

استعاد الفلسطيني كذلك الأمل في التحرير، بعيدا عن خطابات حركة المقاومة المكتنزة أبدا بالوعد والوعيد، وبمنأى عن التعاطف العاجز دائما للشعوب العربية، بعدما أدرك أنه مركز الثقل الحقيقي، وأن حركته ـ في الداخل ـ هي الأشد تأثيرا والأكثر إرباكا والأعظم خطرا.

هناك إلى جانب ذلك، القطاع المنكوب عادة في أي تفجير للوضع، وما وصل إليه حال أهله من لا مبالاة ناجمة عن اليأس من حياة طبيعية وفقدان الأمل في المستقبل، ولا ينذر هذا بأقل من انفجار مستقبلي، يلقي بحمم الغضب إلى أبعد مما يتخيل القادة الإسرائيليون.

هذه المفردات تقول بأن مثل ذلك الحدث مؤهل لأن يكون من تلك النوعية التي “من غير الممكن التحكم في امتداداتها”، أو بتعبير ميشيل فوكو حدث “متعدد الرؤوس” لديه القدرة على كسر رتابة الصيرورة الواقعة في التكرار والباعثة على الملل، ولا تنقصه الإمكانية على إفراز فاعلين جدد يلعبون أدوارا مهمة على مسرح الحدث فيما بعد.

كل هذا يعني أن “الشيخ جراح” يمثل فيما يمثله “فورة الواقع” كاشفا عن “الواقع في صفائه” والصفاء في عبارة دولوز لا يعني النقاء والطهارة بل الشفافية والوضوح، لهذا فالحدث أبعد ما يكون عن توصيف بعض المعلقين له بالأزمة، لأن الأزمة حالة عابرة تتطلب التجاوز، مرض يستوجب العلاج، خلل يستأهل المعالجة.

والواقع أنها حالة مقيمة لا عابرة، فالاحتلال منذ عام 1967 هدم 5 آلاف منزل في القدس وحدها، منها 1700 بين عامي 2000 – 2017، مثلما أن الثورة في وجه المحتل ليست مرضا، بل علاج لداء مزمن ومعالجة لخلل ينحو البعض إلى التعاطي معه كأنه من طبائع الأمور.

اقرأ أيضًا: اقتصاد إسرائيل في كَبَد.. خسائر تفوق التوقعات تحددها صواريخ المقاومة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى