وجهات نظر

الشيخ حاتم فريد.. والخلاف مع الإخوان وإيران

الكاتب الصحفي مصطفى زهران

يمثّل الشيخ السلفي “حاتم فريد” واحدا من أبرز الوجوه السلفية التي عُرفت خلال العقدين الفائتين، مقترناً بإمامة الصلاة في مسجد القائد إبراهيم في الفترة ما بين (2005 – 2012) الذي يعد من أبرز المساجد الكبرى في الإسكندرية، لما يحظى به من مكانة كبرى على المستوى الشعبي، ومن لدن التنظيمات الإسلامية منذ منتصف الستينيات، إذ كان الشيخ أحمد المحلاوي أبرز الرموز الإسلامية التي اعتلت منبره للخطابة.

وأكثر ما كان يلفت الانتباه الحضور الكثيف لآلاف المصلين والمأمومين خلف الشيخ “حاتم فريد” خاصة في شهر رمضان من كل عام، لأداء صلاة التراويح والقيام خلفه، تجذبهم من كل أحياء المدينة الساحلية تلاوته العذبة للقرآن الكريم، وحين تتوزع مكبرات الصوت وتنتشر في الساحات القريبة من المسجد والأزقة والشوارع المتاخمة له، يقترن معها اصطفاف المصلين رجالا ونساء صغارا وكبارا على امتداد الطريق المحاذي لطريق الكورنيش، ما كان يسبب هذا الكم من الحضور في تلك الميادين القريبة من المسجد شللا تاما في حركة المرور في المنطقة بأكملها، استدعت معها حالة استنفار أمنية دائمة خاصة طوال شهر رمضان.

مع مرور السنوات تحول إمام مسجد القائد إبراهيم إلى ظاهرة تعدت إطارها المحلي السكندري، عززه ما كان يتمتع به الشيخ من حضور لافت حلق به إلى مساحات استدعت تسليط الضوء عليه، وإمامته لواحد من أهم المساجد التي تمثل نقطة ارتكاز للإسلاميين الحركيين، خاصة من أعضاء وأنصار جماعة الإخوان المسلمين، إلى أن أصبح اسم الشيخ ومسجده يذكران جنبا إلى جنب كل عام في شهر رمضان وخاصة في ليلة 27 أو ما تعرف بـ”ليلة القدر” في سياق المقارنة مع نظيريهما الأقدم عليهما والأكثر بروزا آنذاك مسجد عمرو بن العاص بالقاهرة وإمامه الشيخ محمد جبريل.

ظل الشيخ على هذا الحضور إلى قيام ثورة يناير 2011 بحكم موقعه كإمام لمسجد القائد إبراهيم الذي كان أحد المراكز المهمة التي انطلقت منها الاحتجاجات آنذاك.

 عقب ثورة الثالث من يوليو تم إيقاف عمله في مسجد القائد إبراهيم، ومع الوقت تم منعه من الإمامة والخطابة من كل مساجد الإسكندرية، ومن المواقف الشهيرة في هذا السياق وأثناء درس له بعد صلاة في الفجر في أحد مساجد المحافظة قاطعه الدكتور عبدالناصر نسيم وكيل أوقاف الإسكندرية في ذلك الوقت، وسؤاله عن تصريح الخطابة، وعلى إثرها توقف الشيخ عن الحضور الوعظي والإمامة في كل المساجد والزوايا وغيرها، فانطلق نحو السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإمامة أحد مساجدها التابعة للمراكز الإسلامية هناك.

حاتم فريد والإخوان

كانت تجمع الشيخ السلفي علاقات ود برموز الدعوة السلفية السكندرية وخاصة القيادي سعيد عبدالعظيم، إذ إن تكوينه العقدي المنهجي يقترب من فهمهم، وفي الوقت ذاته لم يكن على وفاق مع جماعة الإخوان المسلمين.

بعد فترة قضاها في مسجد المركز الإسلامي بأمريكا خرج الشيخ في موقف مفاجئ للجميع وعبر صفحته الشخصية على موقع التواصل المجتمعي، متهما جماعة الإخوان المسلمين هناك بأنها تحاول أدلجة خطابه، وتوظيفه سياسيا فيما يخدم مشروعها السياسي والدعوي، معرجاً إلى مسألة التبرعات التي تجمع ولا يعرف إلى أين تتوجه وإلى من تقدم، ونظراً لرفضه ذلك قاموا بحملة تشويه له تضمنت إبلاغ السلطات الأمنية الأمريكية بأنه إرهابي بهدف إبعاده عن البلاد بشكل كامل.

الشيخ وغزة وإيران

جاءت أحداث غزة الأخيرة لتعيد الشيخ حاتم فريد المثير للجدل مرة أخرى للأضواء، بعد أن اشتبك معها من خلال مجموعة من التغريدات التي توازت مع بدء الأحداث في الشيخ جراح ثم تطورها بعد ذلك من خلال الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، كانت في مجملها داعمة ومؤيدة للفلسطينيين ومن ثم المقاومة ومنددة بالاعتداءات الإسرائيلية ومحفزة على القيام بأية تحركات من شأنها أن توقف العدوان على الشعب الفلسطيني ووقف تحركات المستوطنين في أحياء القدس.

بيد أن ما أثار موجة من الجدل والاشتباك الذي وصل إلى النقد حول تغريدات الشيخ المتضمنة تعليقاته على الأحداث، خاصة بعد وقف إطلاق النار الذي نظر إليه على كونه انتصارا للمقاومة الفلسطينية في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، تمثل في انتقاده لما صرح به قادة حماس من إعلان الشكر والثناء للدولة الإيرانية.

واعتبر الشيخ السلفي أن حماس وأقدامها على هذا الأمر قد وضعت الأمة في فتنة كبيرة، خاصة أن إيران تقتل المسلمين في سوريا واليمن والكرد وتشعل الفتن وهم أصحاب ‏مصالح ولا يؤمن شرهم، حسب وصفه.

وتتبلور رؤية الشيخ لإيران على أنها هي من مكنت لأمريكا في العراق وتم قتل أهل السنة فيها، فضلا عن كون ما من فتنة في بلاد الإسلام إلا وللشيعة يد فيها، مكر وخبث وتقية وخداع ظاهر وباطن، مؤكدا على أنه من الضروري أن تعرف الأجيال من هي إيران وما هي أهدافه؟

لاقت تصريحات الشيخ موجة غضب عارمة من كل التوجهات السياسية والدينية، خاصة أن البعض اعتبرها مزايدة وفي غير موضعها، ومحاولة لتقزيم الدور الذي لعبته المقاومة في صد العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع.

إشكاليات الشيخ فريد

تتمثل إشكالية الشيخ فريد في تأثيرات تحولاته الفكرية العديدة على أنماط وآليات التعبير عنده، فهو في خضم دعمه للمقاومة الفلسطينية وانبهاره بأدائها رغم القيود القائمة حولها، إلا أنه لم يستطع الخروج من جدلية الصراع الأيديولوجي البيني الذي كرست له مدرسة السلفية السكندرية منذ ثمانينيات القرن الفائت، فالشيخ لا يزال يحتفظ به في مخيلته وينعكس ذلك على أقواله وأفعاله.

لاشك أن الدولة الإيرانية لها الكثير من السوءات القائمة حتى اللحظة في كثير من دولنا العربية في منطقة الشرق الأوسط وغيرها، إلا أن اجترار المعركة التقليدية التي دأب عليها السلفيون منذ عقود، على أسس المواجهة بين أهل السنة والجماعة من جهة والشيعة – الرافضة – من جهة أخرى، في قلب ميدان غزة ومشهد المقاومة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي يحمل الكثير من الخلط.

وذلك بالرغم مما منيت به السلفية الوهابية من تراجع واضح وملموس في السنوات الأخيرة، نتيجة سياسات التمدن القائمة وتقويض السلفية الوهابية في المملكة العربية السعودية.

ومع تصاعد حالة الإنكار والانتقاد لما صرح به الشيخ حاتم، شعر خلالها بأن ثمة خطأ أوقع نفسه فيه، إلا أن ذلك لم يزحزح عنه إيمانه بما صرح به فهو معتقد أصيل لديه، إلا أنه حاول معادلة الأمور لكسب التعاطف معه من خلال إعلانه عن تهديدات تعرض لها من إيرانيين وشيعة بالقتل.

اقرأ أيضا: الشيخ توفيق أبو عشرة وتحولات الحالة الدينية بصعيد مصر

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى