زواياقصص مصورة

الشيخ حسانين.. صلى على الماء و”عمل زي الخضر”

في قلب مدينة المنصورة تقريبًا، يقع مقام الشيخ حسانين الشهاوي، في واحدة من أقدم الأماكن بعاصمة محافظة الدقهلية، شرق دلتا النيل.

ينظر إلى المسجد كعلامة فارقة في تاريخ المدينة ذات الألف عام تقريبًا، وذلك من ناحية الشهرة والأقدمية، وأيضًا من ناحية صاحبه الشيخ حسانين، “قطب التصريف” في المنصورة، وقلب المدينة مكانًا وعرفانًا.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

ما يعرف عن الشيخ حسانين قليل، من ذلك أنه عاش في القرن التاسع عشر، وأنه جاء إلى المنصورة من قرية منية البصل، حيث ولد، وهي من قرى مدينة المحلة الكبرى، بمحافظة الغربية.

ويعرف أيضًا أن نسبه يعود لموسى أبو العمران، شقيق القطب الصوفي إبراهيم الدسوقي صاحب المقام المشهور في مدينة دسوق بكفر الشيخ.

ويعرف أيضًا بكرامات وخوارق عادة تنسب إليه، حتى بعد وفاته.

صلى على الماء

اشتغل الشيخ حسانين في النسيج.. كان يعمله على النول اليدوي، قبل أن يتفرغ للعبادة وسط جماعةٍ التفت حوله في المنصورة، وسُمّي قطب المنصورة ولقب بـ”المحافظ الباطني” للمدينة.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

كان من بين مريديه علي باشا القريعي.. وتروى في ذلك حكاية تضيء على إحدى أشهر الكرامات في ميثولوجيا التدين الشعبي: المشي/الوقوف على الماء.

تقول الحكاية إن القريعي باشا كان في عوّامته المستقرة على ساحل النيل، بصحبة عدد من كبار الشخصيات في المدينة وباشاواتها، عندما دخل عليهم الشيخ حسانين بثياب رثّة، فنهروه، ففرش الشيخ سجادته على الماء وصلى!

سُقِط في يد القريعي، وأجزل للشيخ العطاء، وصار في خدمته هو وجماعته، ويقال إن الشيخ كان يوزع كل ما يأتيه من هبات ومال على فقراء المدينة، وحين توفي، بنى القريعي مقامًا على ضريح الشيخ حسانين، ومسجدًا ملحقًا به.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

“بيأكل الفقرا في حياته ومماته”

قمتُ بجولة في مملكة الشيخ حسانين أو منطقة الشيخ حسانين كما تعرف الآن، بدأت بالمسجد، وانتهت بمطالعة ما حوله.. حياة كاملة: سكان، بيع وشراء، وشعائر، أسست حول المسجد والمقام.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

استقبلنا عم محمد، صاحب الورشة المقابلة للمسجد.. روى لنا شيئًا من تاريخ الشيخ حسانين، ولمحة عن طقوس استقبال المولد الذي يقام له في شهر أغسطس من كل عام: البداية بالنظافة الشاملة للمسجد والمقام وما حولهما، ثم تعليق الأنوار والزينة.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

“الناس بتيجي تدعي وتقول: والنبي يا عم الشيخ.. واللي دعوته بتتقبل يُولّع شمعة”، هذه علامة استجابة الدعوات.

هناك أيضًا علامة أخرى، هي توزيع الخبز واللحم على فقراء المنطقة: “ييجي الواحد فيهم يقدم النذر لو دعوته استجيبت.. واللي دعوته تستجاب ينفذ النذر ويوزع العيش واللحمة على الفقرا”، يقول عم محمد: “بيأكل الفقرا في حياته ومماته”.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

ارتبط عم محمد بمقام الشيخ حسانين منذ كان طفلًا صغيرًا يرافق والدته التي حرصت على حضور المولد وصناعة مشروب القرفة الساخنة لرواد المولد: “من وقتها بازوره أول بأول وأقرأ الفاتحة”.

لم يُقم مولد للشيخ حسانين العام الماضي.. السبب بطبيعة الحال فيروس كورونا المستجد.

وفي حين يتوق رواده وسكان المنطقة وأصحاب المحال، أو معظمهم، لمولد يقام هذا العام، متفائلين باللقاحات، قال لي صاحب معصرة مقابلة للمسجد: “مش مقتنع بحكاية الكرامات دي.. مش مقتنع غير إني أقول يارب”، رغم أنه لا ينكر أن مولد الشيخ حسانين موسم لزيادة أرباح معصرته.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

“عمل زي الخضر”

حاولتُ دخول المقام.. كنت أقف عند زاوية توفر إطلالة مناسبة لالتقاط صورة للمسجد، عندما رآني أبو مهند ليسألني: “عاوزه إيه؟”، أجبته: “باحاول أدخل أقرأ الفاتحة للشيخ حسانين”.. عرفت من “أبو مهند” أن المقام مغلق بقرار وزاري، والسبب مرة أخرى كورونا.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

في يناير 2021، جددت وزارة الأوقاف المصرية قرار إغلاق الأضرحة والمقامات الذي أصدرته أول مرة في مارس 2020، ضمن سلسلة الإجراءات الاحترازية التي أقرتها الحكومة المصرية للحد من انتشار الفيروس.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

سرد لنا أبو مهند، صاحب الكشك المقابل للمسجد منذ 30 عامًا، حكاية شائعة للشيخ حسانين، تعرف بـ”قسط اللبن”.

تقول الحكاية إن فلاحة كانت تجول المنطقة لبيع لبن في قسط تحمله.. حين كان الشيخ حسانين جالسًا فمرّت به المرأة، ضرب قسط اللبن بعصاه، فوقع وانكسر، ليخرج منه ثعبان كبير.

أعرف أن هذه القصة شائعة بين مريدي الطرق الصوفية، وتنسب لشيوخ آخرين غير الشيخ حسانين، لكن، بصرف النظر عن مدى صحتها، تروى هذه القصة بتناقلها على ألسنة الناس، ليس حدثًا موثّقًا، وإنما رؤية معرفية للغيب والقدر.

مقام الشيخ حسانين الشهاوي في محافظة الدقهلية

صورة أخرى لهذه الرؤية تتمثل في تبجيل أصحاب المقامات مثل الشيخ حسانين، تستلهم من النص القرآني وقصة الخضر مع النبي موسى.. يعلق أبو مهند على حكاية قسط اللبن: “عمل زي الخضر”.

شاهد أيضًا: صورٌ للعبور في الزمن

أميرة السواح

مصورة مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى