زوايا

كاتب الشعوذات على فروج النساء.. من هو الشيخ “صادومة”؟

اختلى الأمير المملوكي يوسف بك الكبير بجاريته ذات ليلة، ليجد على فرْجها كتابة غامضة، فزع، ثم عرف أنّ وراءها رجلا اسمه الشيخ صادومة.

الشهرة التي اكتسبها أحمد صادومة كـ”شيخ” متمكن من السحر والعلوم الروحانية، لم تنفعه حين قرر يوسف بك الكبير الانتقام منه، بل من المقربين منه، وعلى رأسهم مفتي الشافعية في مصر، حسن الكفراوي.

الشيخ صادومة.. ساحر من سمنود

كان أحمد صادومة رجلًا مسنًا ذا شيبة وهيبة، كما يصفه عبدالرحمن الجبرتي في كتابه الأشهر “عجائب الآثار في التراجم والأخبار“.

يعود أصله إلى مدينة سمنود، التابعة الآن لمحافظة الغربية، وقد ذاع صيته كمتمكن في علوم الروحانيات أو السحر، واشتهر عنه قدرته على تحريك الجمادات، بل مخاطبة الجن وإظهارهم للعيان، كما يورد الجبرتي.

الشيخ صادومة

في نفس الوقت، جمعت بين صادومة والشيخ حسن الكفراوي، مفتي الشافعية آنذاك، علاقة وطيدة، يقول عنها الجبرتي:

“كان للشيخ الكفراوي به التئام، وعشرة ومحبة أكيدة، واعتقاد عظيم، ويخبر عنه أنه من الأولياء وأرباب الأحوال والمكاشفات، بل يقول إنه هو الفرد الجامع، ونوه بشأنه عند الأمراء، خصوصًا محمد بك أبو الدهب، فراج حال كل منهما بالآخر”.

اقرأ أيضًا: منابر المماليك.. آثار خالدة في قلب قاهرة المعز

والفرد الجامع من مصطلحات الصوفية التي يقصد بها الإشارة إلى ما يعرف أيضًا بالقطب، أو أعلى الأولياء مقامًا ودرجة.

لكن شهرة صادومة وتمكنه من أمزجة الناس في مصر آنذاك، لم تحمه من غضب الأمير يوسف بك الكبير، بعد ما رآه على فرج جاريته.

شعوذة الشيخ صادومة على فرج جارية الوالي

ما حدث أنه في ليلة اختلى يوسف بك الكبير بجاريته، ففزع من شعوذة كتبت على فرجها، فلمّا سألها مهددًا إياها بالقتل، عرف أن الشيخ صادومة وراء الأمر.

كانت الجارية قد ذهبت بعد نصيحة امرأة، إلى صادومة، بغرض مساعدتها في تحبيبها لسيدها يوسف بك الكبير، وكانت طريقة صادومة في ذلك كتابة شعوذات على فرج الجارية.

كان الشيخ صادومة ملجأ زوجات ونساء الأمراء في عصره، فوفقًا لما أورده حلمي النمنم في كتابه “الأزهر.. الشيخ والمشيخة“، سعت نساء الأمراء للشيخ صادومة ليقضي لهن حوائجهن، و”يبدو أنهم استشعرن منه نجاحًا في ذلك”، كما يقول النمنم.

ورغم ذيوع ذلك الأمر على ما يبدو، فإن وقوعه مع يوسف بك الكبير أزعجه، بالأحرى أشعره بـ”انتهاك رجولته”، لأن رجلًا آخر غيره رأى جاريته عاريةً تمامًا، بل مسّ فرجها وكتب عليه.

المماليك

لذلك أمر يوسف بك الكبير بمداهمة بيت أحمد صادومة والقبض عليه، ولمّا فعل الجند ذلك وجدوا فيه تماثيل قماشية بينها تمثال من القطيفة على هيئة عضو ذكري.

ثم أمر يوسف بك بقتل صادومة، وإلقاء جثته في نهر النيل، فيما يبدو رغبةً منه في إنهاء سيرته، وحتى لا يُبنى على قبره مزار.

ولم يكتفِ يوسف بك بذلك، بل أمر بعزل الشيخ حسن الكفراوي من إفتاء الشافعية، لأنه كان مقربًا من الشيخ صادومة، أو “داعية لصادومة”، وفقًا لما ورد في “دائرة المعارف المصرية في الأمثال والقصص الشعبية”.

يوسف بك الكبير ضد “خرافة” عصره

كان يوسف بك الكبير أمير مملوكي، يصفه صلاح عيسى في “هوامش المقريزي” بأنه كان على عكس أقرانه الأمراء “مفكرًا يتأمل في المسائل ولا يحب الخرافات”، هذا إلى جانب طبع الغضب، الذي يبدو أنه وجّهه بلا هوادة للمشعوذين والذين يدعون الكرامة.

اقرأ أيضًا: معركة عين جالوت.. كيف أنقذ المماليك عالم اليوم من الانقراض؟

مع ذلك، يلفت صلاح عيسى إلى أن يوسف بك الكبير لم يمس الشيخ صادومة إلا عندما وقعت حادثة جاريته.. قد يعود ذلك إلى ذيوع صيت صادومة والتفاف الناس حوله، وبينهم أعيان ومشايخ.

يقول “عيسى” إن صادومة استطاع خلق تحالف مع عدد من المشايخ الذين قبلوا خرافاته. وكما يبدو، كانت علاقته بالشيخ حسن الكفراوي في نفس السياق.. وبلا شكّ حماه ذلك طويلًا من يوسف بك، حتى وصلت أعماله إلى جواريه.

كان يوسف بك من أكابر أمراء محمد بك أبو الدهب، ذا سطوة وسلطان وثراء. وتشير “دائرة المعارف المصرية” إلى أنه بنى بيتًا كبيرًا على بركة الفيل في القاهرة، وبذل فيه مالًا كثيرًا.. جاء نصًا في دائرة المعارف: “كان يبني الجهة الكبيرة حتى يتمها بعد أن يبلطها ويرخمها بالرخام المزوق، ويسقفها بالأخشاب الجميلة، ثم يوسوس له شيطانه فيهدمها لأنها لم تعجبه”.

نفس الخرافة تسلب حسن الكفراوي مكانته

أمّا حسن الكفراوي، مفتي الشافعية قبل سلبه مكانته بسبب الشيخ صادومة، فيروي علي مبارك عن سيرته في “الخطط التوفيقية” أنه، أي حسن الكفراوي، حين جاء إلى القاهرة من المحلة الكبرى تزوج من بنت جزار بالحسينية.

وفي الحسينية أيضًا استقر الكفراوي، وفيها صارت له مكانة وعزوة ومنعة، وكثر ماله أيضًا بالهدايا والهبات، خاصة أنه أنشأ علاقة بالأمير محمد بك أبو الدهب حين كان واليًا على مصر تحت الحكم العثماني.

وحتى لمّا استقل أبو الدهب بمصر، حفظ علاقته بالكفراوي، بل توطدت أكثر، وقيل إنه كان يدخل عليه دون استئذان، حتى جعلت له رياسة التدريس ومشيخة الشافعية.

محمد بك أبو الدهب
رسمة لمحمد بك أبو الدهب

صحب الكفراوي الشيخ أحمد صادومة، بل كان “داعية له” عند الأمراء والأعيان، ويصفه بالولاية والكَشف، ثم بسببه، أي الشيخ صادومة، سلب الكفراوي مكانته.

لكن علي مبارك يسرد رواية مختلفة بعض الشيء بخصوص ما حل بالشيخ صادومة والشيخ حسن الكفراوي، تبدو أكثر منطقية، وهي أنه رغم ما حدث مع يوسف بك الكبير، فإنه لم يتمكن من المساس بالشيخ صادومة أو بحسن الكفراوي في حياة محمد بك أبو الدهب، لمكانة الكفراوي عنده.

ولم يتمكن يوسف بك الكبير الانتقامَ من الشيخ صادومة، وفقًا لعلي مبارك، إلا بعد وفاة محمد بك أبو الدهب، وفعل فيهما كما اتفقت المصادر من قتل الشيخ صادومة وإلقاء جثته في النيل، وعزل حسن الكفراوي من مناصبه.

معاذ سعد فاروق

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى