الشيخ محمد رفعت

70 عاما من النور

عجيب شأن الشيخ محمد رفعت، فكل مظهر من مظاهر الضعف عنده ينقلب بقوة قاهرة إلى مظهر من مظاهر القوة والعنفوان.. ذهب نور بصره صغيرا، فلما اشتد عوده قارئا كاد الناس أن يلمسوا بصيرته في صوته، فتلك تلاوة من رأى رأي العين لا من سمع فآمن عن غيب.. لم يكن صاحب مساحة صوتية واسعة، لكن المعاني كانت تتسع وهي تنساب من بين شفتيه.. ولم يكن أقوى صوت بين القراء، ولا قدرة لديه على إسماع سرادق يغص بالناس، لكن المبكرين إلى مسجد فاضل باشا قبل صلاة الجمعة بساعات كانوا يشعرون أن عتبة المسجد هي الحد الفاصل بين متاع الدنيا وجنة الخلد التي تجري من تحتها الأنهار.. تفوق عليه زملاؤه من أصحاب الأصوات القوية، فلما ظهر الميكرفون انقلب ضعفه قوة، واحتل صوته مكانة قرب النجوم.. رحل وليس بصوته لدى الإذاعة سوى تسجيلين، فصارت تسجيلاته التي تظهر تباعا تمثل جزءا غاليا من وجدان هذه الأمة.. حتى “الخشخشة” في تسجيلاته، أضفت على تلاواته سحرا وغموضا، وأسهمت في تعميق أسطورته في الذاكرة.  

يشعر من يستمع إلى الشيخ رفعت بقشعريرة تسري في أوصاله، فيحدث نفسه بسؤال مشروع: هل هذا صوت بشر كان يمشي بين الناس ويعيش معهم؟ وما هذا الذي يصيبنا حين يصل صوته إلى آذننا؟.. ربما كانت إجابة هذا السؤال هي التي تفسر سبب تنافس الإذاعات العالمية الكبرى: لندن وباريس وبرلين، في إذاعة القرآن الكريم بصوته خلال سنوات الحرب العالمية الثانية لتجذب المستمعين إلى نشراتها وبرامجها.

في حي المغربلين بالدرب الأحمر ولد رفعت، وفي كتاب مسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب حفظ الطفل الموهوب القرآن الكريم قبل أن يتم العاشرة، وتعلم أحكام التجويد، ثم أتقن علم القراءات.. فلما بلغ خمسة عشر عاما عين قارئا للسورة بنفس المسجد، وكان يوم الجمعة لقاؤه الأسبوعي مع الجمهور الذي تزدحم به الطرقات والشوارع المجاورة، ويعيش المستمعون في حالة اندماج كامل مع صوت الشيخ، فيبكي أكثرهم، ويصاب بعضهم بالإغماء.. ورغم شهرته التي طبقت الآفاق، ظل رفعت وفيا لهذا المسجد الصغير الذي حفظ فيه القرآن، فاستمر في قراءة الجمعة به ثلاثين عاما متصلة.. وهذه الأخيرة أعجوبة أخرى من أعاجيب الزهد والترفع عن الشيخ.. فمثله تنفتح أمامه الأبواب ليكون قارئ أي من المساجد الكبرى الثلاثة: الإمام الحسين، أو السيدة زينب، أو الجامع الأزهر.. لكنه آثر مسجده الصغير، الذي كان يتحول يوم الجمعة إلى أفسح مكان لمعاني السمو المفتقدة خارج مساحته.

أدرك الشيخ رفعت مبكرا أهمية الدراية الموسيقية، فدرس مقامات النغم الشرقي، واطلع على شيء من الموسيقى الغربية، ووظف هذه الدراية بصوته لخدمة آيات القرآن، وإخراجها في أداء راق مؤثر يخلب الألباب، ويشعر المستمع أنه يحلق في سماوات روحية، وأجواء قدسية.

وجاء عام 1934 وأطلقت الحكومة أول إذاعة رسمية مصرية، وكان رفعت أول صوت ينطلق من الإذاعة، مرتلا قوله تعالى “إنا فتحنا لك فتحا مبينا”، وتعاقدت الإذاعة مع الشيخ لتلاوة القرآن مرتين أسبوعيا مساء الاثنين والجمعة، لمدة 45 دقيقة، مقابل خمسة جنيهات عن كل تلاوة.. ولأن الشيخ كان شديد التحفظ في كل ما يخص القرآن، لم يقبل القراءة للإذاعة إلا بعد أن استفتى كبار علماء الأزهر في هذا الشأن، وأكدوا له أن بث التلاوة في الإذاعة جائز، بل يعد خدمة جليلة للدين وللقرآن.

وعرفت القاهرة لأول مرة ما يسمى بمقاهي الشيخ رفعت، التي فرضت على روادها نظاما صارما وقت بث التلاوة على الهواء، فلم يكن مسموحا فيها بألعاب الورق أو الطاولة، أو إحداث أي ضجة، كما كان عمالها يتوقفون تماما عن تلبية رغبات الزبائن.

عبر الإذاعة، وصل صوت رفعت إلى آفاق أوسع، وطلبت هيئة الإذاعة البريطانية تسجيل تلاوات خاصة بها، واختارت سورة مريم ليتلوها الشيخ في أول تعاقد بينه وبين الهيئة العريقة التي قدرت أجره عن تلاوة نصف ساعة بخمسين جنيها، مع منحه خمسة جنيهات عن كل مرة تبث فيها التسجيل إلى المستمعين.

بلغ الشيخ رفعت ذروة المجد، لكن المقادير ادخرت له ابتلاء عظيما، ففي عام 1942 بدأت معاناته مع مرض “الفواق” أو “الزغطة”، الذي لم يكن إلا سرطانا أصاب حنجرته الذهبية.. قاوم الشيخ المرض، واستمر في التلاوة عاما أو عامين بغير التوهج الذي كان عليه، إلى أن استبد به المرض وحرم الجماهير من صوته الخالد.

مقطع فريد من سورة طه

ويروي الناقد والمؤرخ الموسيقي الراحل كمال النجمي شهادته عن آخر لقاء لرفعت مع الجماهير فيقول: “في سنة 1943 رأيت مشهدا مبكيا من مأساة صاحب أرقى حنجرة وأسمى فن غنائي يعتمد على بديهة الارتجال في عصرنا.. رأيت مأساته في لحظات رهيبة تشبه الحلم المرعب، وقد أحاط به مئات المستمعين بمسجد فاضل باشا، وبدأ يقرأ من سورة الكهف، فداهمته “الزغطة” حتى انحبس صوته… حنى الشيخ العظيم رأسه جريح القلب، ثم أخرج من جيبه زجاجة دواء صغيرة فتناول قدرا منها، فأطاعه صوته في آيتين أو ثلاث، ثم قهره الداء.. توقف حائرا.. ثم ترك مجلسه لقارئ آخر.. وفي تلك اللحظة المأساوية انفجر الناس في المسجد بالبكاء، وعلا نحيب المقرئين الشبان، وتحول الموقف إلى مأتم رهيب للصوت العبقري الذي ضاع”.

ومما ضاعف من أثر المصيبة أن الإذاعة في تلك اللحظة لم تكن تملك من تسجيلات رفعت إلا شريطين، أحدهما لآيات من سورة مريم والثاني لآيات من سورة يوسف.. وكان مدير الإذاعة سعيد باشا لطفي قد حاول مع الشيخ مرارا لتسجيل تلاواته على أشرطة لتكون ذخيرة للبث حينما يعجز المقرئ الفذ عن الإذاعة بشخصه على الهواء، لكن الشيخ رفض رفضا باتا متأثرا بهواجس ابنه الأكبر من أن الإذاعة قد تستغني عن دعوته اكتفاء بتسجيلاته.

لكن رحمة الله تداركت الناس.. فكان ما كان من قصة زكريا باشا مهران أحد المفتونين بصوت الشيخ، إذ سجل له عددا كبيرا من التلاوات على اسطوانات، وقدمها هدية نفيسه وتراثا خالدا دون مقابل.

سورة البلد بصوته.. من الروائع

قضى الشيخ رفعت السنوات الثماني الأخيرة من حياته يواجه المرض، ويعاني الفقر، بعيدا عن الأضواء.. ثم زارته مجلة المصور في بيته، وأجرت معه حوارا، والتقطت له عددا من الصور التي تظهر سوء حالته، وكتب مندوب المجلة في تقدمة حواره: “إن الشيخ الذي كان صوته يملأ الدنيا، وكانت الملايين تهتز قلوبهم وهو يرتل القرآن، وكان المجرمون والمتجبرون تفيض أعينهم من الدمع حينما يسمعونه.. هذا الرجل لا يجد اليوم سبيلا إلى شراء الدواء إلا تأجير القسم الأكبر من منزله”.

بالتأريخ الميلادي، ولد الشيخ محمد رفعت في التاسع من مايو 1882، ورحل أيضا في التاسع من مايو 1950، عن 68 عاما، كان فيها نجم القرآن المفرد الذي لا يطال، خشع لصوته أصحاب القلوب القاسية، وبكى من تلاوته عتاة الإجرام، وأسلم كثيرون متأثرين بجلال الآيات من حنجرته.. كان صاحب الصوت الأجل في تاريخنا.. لم يكن رحيله نهاية، بل لم يحمل من معاني النهايات قليلا ولا كثيرا، وإنما كان أول خطوة في الخلود الشعبي.. ثم ها هو اليوم يحقق معجزة أخرى.. فمرور سبعين سنة على رحيله، كان الدليل الأكبر على الحضور.. مع صوته، لا معنى للغياب.. إلا بانتقال من الدنيا وأكدارها، إلى عتبة مسجد فاضل باشا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search