الشيخ محمود علي البنا

فخم الصوت والأداء

للكاتب الراحل محمود السعدني محاولة طريفة لتشبيه أصوات القراء الكبار بأصناف الفواكه، أحسبه كان موفقًا فيها إلى حد كبير، شبَّه فيها صوت الشيخ محمد رفعت بالتفاح، والشيخ الشعشاعي بالرمان، والشيخ مصطفى إسماعيل بالعنب، وحين وصل إلى صوت الشيخ محمود علي البنا شبَّهه بالبطيخ، وأحسبه بلغ في هذا التشبيه غاية التوفيق، فالترميلة التي في قوام البطيخ هي التي تتذوقها الأذن في صوت الشيخ البنا.

ولو عبرنا بالتشبيه إلى حاسة اللمس كعادة السمّيعة في تشبيه الأصوات بالقماش فإننا نُشبه صوت البنا بالقطيفة، قماشة القطيفة ناعمة مشوبة بقدر لذيذ من الخشونة، يداعب اليد حين تلمسها فتعاود الكَرّة، هكذا تلمس الأذن صوت الشيخ البنا، وما الترميلة والقطيفة إلا مجازات نحاول بها الإبانة عن صفة الفخامة.

تتجلى هذه الفخامة أشد ما يكون في تسجيلاته الإذاعية في أوائل الخمسينيات، حيث يكاد صوته لشدة عرضه وامتلائه ينتشر في كل ذرة من ذرات الأستوديو، وهي التي جعلت تغيّرات صوته في العقود التالية مع تقدم العمر واضحة، يمكن من خلالها تمييز حِقب التسجيلات بسهولة، فلا يلتبس صوته في الخمسينيات بصوته في الستينيات، ولا صوته في السبعينيات بالثمانينيات، على أن صوته احتفظ في جميع مراحله بقدر وافر من فخامته.

هذه الفخامة جعلت تقليد صوته شبه مستحيل، فلم يكن له مقلدون في عصور التقليد إلا على سبيل الاستعراض والإغراب، وعلى المدى القصير في الآية والآيتين.

لكن السبب الأهم الذي صرف القراء المقلدين عن تقليده يرجع إلى ملامح صعوبة في أسلوبه تجعل تقليده مخاطرة، وسنبسط الحديث حول ثلاثة ملامح منها:

الأول: أن صوت الشيخ البنا واسع المساحة يتجاوز الديوانين إلى بداية الديوان الثالث، وأداؤه منتشر في كامل مساحته متوزع بشكل ظاهر بين القرار والجواب وجواب الجواب، وأحيانا في تلاوات الاستوديو يبدأ التلاوة من قرار عال يقترب من جوابه ليرتفع منه إلى جواب عال يقترب من جواب الجواب، وهذه طريقة في الأداء لا يقدر عليها من الأصوات إلا القليل النادر، خاصة في زماننا.

الثاني: أنه كان قادرًا على الإتيان بالعُرب الدقيقة في المواضع غير المتوقعة، وأكاد أقول إن عُربَه في تلاواته دائمًا مفاجِئة، كأنما يلذ له التوسع حيث تظن الضيق، فيُخلف ظنَّك.

الثالث: أنه أحد كبار القراء القفّالين، صُناع القفلات بروية وحنكة وإتقان، وقفلاتُهُ كثيرة ومتنوعة، كما يمتاز ببراعة في القفل على المد العارض للسكون، والمد العارض موطن هروب من القفل عند أكثر القراء.

قفلاته صعبة أيضا، فإنه يبدو في كثير من قفلاته ونقلاته مهندسًا وخرَّاطًا، يخرط القفلة والنقلة على بناء نغمي دقيق كما يفعل الخراطُ بحِلية الخشب أو الرخام، وتكثر قفلاته وتتنوع في معظم المقامات، ومِن عمله في الصنعة أنه كان يشتق القفلة من الأخرى، فتجد الواحدة عنده تُنبت ثلاثةَ وأربعةَ أشكال.

وقد مارس اشتقاق القفلات بعضها من بعض بأكثر من طريقة، منها زيادة المد في موضعه، وتعريب القفلة البسيطة وزخرفتها، ومناظرة قفلة على مقام بقفلة على مقام آخر، وزيادة وحدة نغمية لم تكن في القفلة الأولى، وتحويل النغمة الأخيرة إلى طريق مختلف.

أما القفل على المد العارض للسكون فمكمن صعوبته أن القفل يحتاج إلى القطع لا المد، فالقفلة إنهاء وحسم يجب أن يأتي منطقيًا في نهاية بناء الجملة النغمية، لذا يسهل على كل قارئ أن يصنع قفلة جيدة في كلمة لا تنتهي بمد مثل (عليكم) و(يوسف) و(سِراعا) و(حديثا)، أما القفل على كلمة منتهية بمد بعده سكون مثل (يؤمنون) و(الحساب) فأمر لم يُجده إلا قلة من القراء على رأسهم الشيخ البنا، إذ كان يفعل ذلك ببراعة عن طريق شغل مساحة المد بجملة نغمية مقفولة تناسب طول حركاته، فتُشعر المستمر بالحسم وتقنعه بالنهاية المنطقية للجملة النغمية.

هذه الصعوبة لا تطرأ على القراء والمنشدين فحسب، بل طرأت على كبار الملحنين أيضًا، وكان الموسيقار محمد القصبجي رائدًا في تلحين القفلات على المدود باصطناع الجمل الطويلة الدسمة في داخلها، مثل قفلة (أقابله ع البعد وأضمه وأشكي إليه) في أغنية (يا قلبي بكرة السفر) وقفلة (أنعم عليه بالوصال) في أغنية (رق الحبيب).

على أن مساحة الاصطناع المتاحة للملحن، ومساحة الارتجال المتاحة للمطرب، غير متاحة للقارئ المحكوم بسِت حركات طبيعية، فكان عليه أن يصنع قفلة ممدودة في مساحة الحركات الست أو أقل منها، وهو ما كان يفعله الشيخ البنا بجُمل سهلة رشيقة شافية في مواضعها، وقد عددتُ له ثمانيةً وعشرين قفلة على المد العارض للسكون، انتظم استعماله لها في عموم تسجيلاته، فضلا عن غيرها مما لم يُكثر استعماله.

على أنه فاق وأوغل وأبعد في نمط مختلف من القفل ليس كثيرًا من يُعنى به من القراء، وهو قَفل ختام التلاوة، فتجده إذا اقترب مِن ختام التلاوة عاد إلى مقام البياتي، وهو مقام الختام الطبيعي كما أنه مقام الاستهلال، وهو أشد المقامات خشوعًا وسكينة، فينزل إليه مِن موضعه نزولًا مدروسًا مُركزَ الخشوع والحنان، كأنما اجتمع إليه البياتي بأسراره في هذه الدقائق الأخيرة، ويُطيل كالذي يحُطُّ بطائرة حتى تستوي على مَدرَجها وتمشي هادئة حتى لا يبقى إلا الوقوف، وقد يُطيلُ في ختام التلاوة جدًا حتى يبلغ الختام وحده ثماني دقائق وعشر دقائق، كما في حفلات الأنبياء، وحفلة إبراهيم من دمياط عام 1979.

وكثير من تسجيلات الاستوديو، منها (آل عمران والنساء)، و(الأنعام) القديمة من أول الخمسينيات، في هذه التسجيلات أجد ختام التلاوة وحدة فنية قائمة بذاتها، يمكن استعادتها منفردة مرات ومرات وإفرادها بالدراسة، أما المستمع فيخرج من هذه الختامات المركزة بخلاصة مقام البياتي بطاقة خشوع وسكينة تلزمه بعدها لساعات، وكثيرًا ما يختم الشيخ التلاوة ويبقى ختامها يتكرر في الذهن حتى تقع في أسر تلاوة أخرى. 

ويبدو أن هذا الميل إلى القفل في مقام البياتي صحب الشيخ إلى ترتيله أيضا، ففي مصحفه الشهير الذي سجله عام 1967 يميل أداؤه على البياتي إلى النسق النغمي الهابط باتجاه القفل، يُكمله كل عدة دقائق بالقفلة المنطقية، التي لم تعد أذنك تنتظر سواها، هذا السياق النازل يغرق المستمع في أجواء خشوع المقام وقفلاته، وهو في ظني سر خشوع ترتيل الشيخ مع سُرعته الملحوظة. 

البنا المولود في المنوفية عام 1926 حضر إلى القاهرة عام 1945، وقرأ في الإذاعة عام 1948، وحتى وفاته في العشرين من يوليو عام 1985 امتدت رحلة شهرته قرابة أربعين عامًا أدركنا منها عدة ختمات ومئات التسجيلات الإذاعية والمحفلية. وقد بلغت ثروة محافله المتداولة على الإنترنت قرابة 250 تسجيلًا، لا خلاف بين السميعة على أن الموجود فعلًا يبلغ أضعافها، نظرًا لتأخر وفاة الشيخ إلى حقبة بات التسجيل فيها سهلًا ميسورًا لكل أحد في المدن والقرى.

لكنّ هذا التراث سيئ الحظ إذ وصلنا مائل الكفة في توزيعه الزماني بشكل صارخ إلى الحقبة الأخيرة من حياة الشيخ، فإذ لا نعرف بين مائتين وخمسين تسجيلا حفلة وحيدة ترجع إلى الأربعينيات، لا نعرف إلا عشر تسجيلات فحسب من حقبتي الخمسينيات والستينيات، وهو رقم هزيل جدا لقارئ من قراء الصف الأول من الجيل الذهبي لقراء الإذاعة المصرية، بينما تنتمي الكثرة الكاثرة من حفلاته المتداولة على الإنترنت إلى حقبتي السبعينيات والثمانينيات، وهو خلل غريب لا نعرفه في تراث قارئ كبير غيره، مع تأكدنا من وجود تسجيلات كثيرة لمحافله لم تخرج إلى النور، وهو أمر لا ينفيه حفظة التراث ولا تبرح تخرج علينا دلائله من تسجيلات ومقاطع، لكنّ أحدًا لم يحمل على عاتقه هم نشر هذا التراث بما يليق بقيمة الفنية واسم صاحبه.

لكن يبقى تراثه المتاح ثريًا كمًّا ونوعًا، مُرحبًا بالسميع المتأمل غير المتعجل، مؤنسًا لكل من أحب استماع آيات الله بأداء يُنزل السكينة على قلبه ويزيده خشوعًا واطمئنانا.

قصة

بمشاركة

عبدالرحمن الطويل

كاتب مصري

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

Start typing and press Enter to search