"الشيوخ" بلا شيوخ

"الأمان الوجودي".. حزب النور في المربع صفر

بلا مقعدٍ واحد، خرج حزب النور من سباق انتخابات مجلس الشيوخ المصري الأخيرة. شارك الحزب بـ16 مرشحًا فرديًا، خرج منهم 12 من الجولة الأولى، وخرج الأربعة الباقون بعد جولات الإعادة.

بعد حضور مكثف للحزب في برلمان ٢٠١٢، وجد الحزب نفسه في تموضع جديد في برلمان ٢٠١٥، تبعًا لخريطة وسياقات سياسية جديدة بعد يوليو/تموز ٢٠١٣، ومُثّل الحزب بعضو فقط في لجنة الخمسين الخاصة بكتابة الدستور الجديد، ثم فاز بـ12 مقعدًا فقط في مجلس نواب ٢٠١٥.

3 مراحل مرّ بها الحزب السلفي، ومن خلفه جماعة “الدعوة السلفية”، شكلت خياله السياسي منذ ٢٠١١، ارتكزت بالأساس على أرضية فكرية تنطلق من تصور عقائدي منذ وجود الدعوة السلفية وبداية اشتغالها فكريًّا بالقضايا السياسية، ومحدِّد هذا الموقف هو القرب أو البعد من “الشريعة الإسلامية”، وفق الفهم السلفي، مع اعتبار “المصالح والمفاسد الشرعية” في الموقف من السياسة.

المرحلة الأولى: الانكباب على الفضاء السياسي الجديد بعد يناير/كانون الثاني ٢٠١١، ومحاولة اقتناص “الفرص المتاحة” سياسيًّا لتأمين الوجود والتمدد الدعوي.

المرحلة الثانية: الانخراط الكامل في العملية السياسية بعد استشعار “التهديد الوجودي” لهم من جماعة الإخوان من جهة، والتيارات العلمانية كمعسكر مناهض لسيطرة الشريعة الإسلامية من جهة أخرى على الحكم.

المرحلة الثالثة: المناورة السياسية قبل وبعد يوليو/تموز ٢٠١٣ والحركة في الفضاء السياسي في إطار محدود وإستراتيجي، لتأمين أفضل قدر ممكن من النشاط الدعوي.

انتخابات مجلس الشيوخ

السؤال المركزي الذي ستجيب عنه الورقة هنا هو: هل ثمة تراجع سياسي واجتماعي حتمي لحزب النور والدعوة السلفية عقب نتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة؟ أم أن هذا التراجع حاصل بالفعل من قبل الانتخابات؟ ولماذا؟

سيساعدنا فهم المراحل الثلاث السابقة وكيفية تشكّلها في الخيال والممارسة السياسية للدعوة والحزب، للإجابة عن سؤال الورقة. كما سترتكز الورقة على تلك الإجابة لبلورة استشراف مقبول إلى حد كبير لمستقبل الوجود والفاعلية السياسية والاجتماعية للحزب والدعوة.

الطريق إلى السياسة من خلال رأس المال الدعوي

استثمرت الدعوة السلفية رأس المال الاجتماعي الذي كونته قبل يناير/كانون الثاني ٢٠١١ من خلال قواعدها الدعوية، في التحول من الانتشار الدعوي الاجتماعي إلى بناء كيانها السياسي الجديد، “حزب النور”. هذا الانتقال “الشكلي” من الدعوي إلى السياسي لم يكن اضطراريًّا كما يمكن تصوره، إنما انطلق بقناعة راسخة تقول إن أي عمل غير دعوي، والسياسي منه بالطبع، ينبغي أن ينطلق أولاً من المنصات والمراكز الدعوية، التي تشربت الأسس الشرعية والفكرية البنائية التي يعتمدها قيادات “الدعوة السلفية” منذ عقود، ما جعل العمل السياسي في هذه المرحلة يُدار ويتحرك من خلال “العقل الدعوي” وليس فيه أي بعد سياسي واقعي بلغة العلوم السياسية.

تشكلت هنا ملامح المرحلة الأولى لممارسة الكيان السياسي الجديد للدعوة السلفية، والذي تشكل مصحوبًا بتوجس وقلق من فشل التجربة السياسية الوليدة، ويمكن لمقاربة “هيكل الفرص المتاحة” أن تعطينا تفسيرات مقبولة إلى حد كبير للمسار الذي اتخذه الحزب والمنطلقات التي حرّكته في هذه المرحلة. وتقدم هذه المقاربة إطارًا تفسيريًّا لانخراط الحركات الاجتماعية في المجال العام في فترات الانفتاح السياسية (1).

مشاركة عضوات حزب النور في الدعاية الانتخابية

في المرحلة الثانية، وجدت الدعوة السلفية نفسها أمام إنجاز تمددي واضح، يلي في المرتبة تمدد جماعة الإخوان، واستشعرت الدعوة والحزب، ما يمكن استعارته من مي درويش بـ”تهديد وجودي للمتشابهين The Ontological (In)security of Similarity” (2). دفَع الدعوة والحزب لتسريع وتيرة التوسع “الشرعي” في إباحة الانخراط الكامل في الممارسة السياسية، والقفز إلى مرحلة متقدمة من التحالفات أو الاصطفافات مع القوى العلمانية، في مقابل هاجس الهيمنة المتزايدة لجماعة الإخوان بعد وصول محمد مرسي الإخواني إلى رئاسة الجمهورية، بدعوى مخاوف الدعوة من محاربة جماعة الإخوان لأدوات ومراكز سيطرة السلفية في مساحاتها الدعوية.

وللمرة الأولى نجد الدعوة السلفية أيضًا تقف بجانب مؤسسة الأزهر، كاصطفاف لأقرب المشابهين لهم في الفضاء الديني، وخوفًا من هيمنة الإخوان عليه.

ومع ترسخ فكرة “التهديد الوجودي” لدى الدعوة السلفية أمام جماعة الإخوان، وقفت الدعوة والحزب “على استحياء” مع القوى العلمانية والليبرالية ضد بقاء “مرسي” في الحكم، واتخذت إستراتيجية اعتمدت فيها المناورة والتأمين الذاتي، فوقفت إعلاميًّا مع القوى المناهضة للإخوان، وحاولت تقديم خطاب متوازن مع قيادات الجماعة والمجلس العسكري، وكان هدفها الأساسي الحفاظ على مكتسبات الدعوة والحزب على المستوى الدعوي والسياسي، أو كهذا تصورا (3).

مشاركة حزب النور الضعيفة بانتخابات الشيوخ

تولدت من رحم هذه الإستراتيجية إكراهات المرحلة الثالثة، واعتبر الحزب نفسه بعد عزل مرسي في يوليو/تموز ٢٠١٣ ناجيًا من موجة داخلية وإقليمية شديدة تجاه صعود الإسلام السياسي في مصر، وقبِل الحزب حينها أقل بكثير مما حازه في حقبة ما بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، سواء في لجنة وضع الدستور (لجنة الخمسين) أو القبول بحذف المادة المفسّرة للمادة الثانية من الدستور (المادة ٢١٩) أو الرضا بالحضور المنخفض جدًّا في مجلس نواب ٢٠١٥ (12 مقعدًا فقط)، وهنا بات الحزب والدعوة مشغولين مجددًا بالحفاظ على ما بقي من رأس المال الدعوي/الاجتماعي الموجود، والنظر في إعادة الترتيب التي تمت في الفضاء السياسي والاجتماعي والتي بدأت منذ أغسطس/آب ٢٠١٣.

أعضاء حزب النور في مجلس النواب 2012
أقصى درجات المناورة مقابل أقل درجات الوجود

قد تواجه التحليلات المبسطة لموقف وتموضع حزب النور الراهن، إشكالية في تقديم إجابة مقبولة للتحولات الحادة التي يمر بها الحزب منذ ٢٠١٣. إلا أن المقاربة المركبة قد تكون أقدر على تفسير هذه التحولات على نحو أفضل.

يمكن النظر إلى مراحل الانكفاء، والصعود، ثم التراجع الراهن، بأنها تعبر عن تركيز الدعوة السلفية وحزب النور على “البقاء” كهدف أساسي لوجودهما، وبصورة أخرى، فالدعوة بالأساس بقيت منكفئة في مرحلة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، بغرض التركيز على دورها “المقدس” في الدعوة والتربية ونشر التوحيد، واختارت خوض غمار السياسة عقب يناير/كانون الثاني ٢٠١١ للحفاظ على ما حققته من تمدد، ولتوسيع دوائر التأثير من خلال السياسة. ثم تبنّت سياسة المناورة مع التغيرات التي حدثت عقب حراك يوليو/تموز ٢٠١٣ لتجنب سياسة إقصاء الإسلام السياسي، الذي اتبعها المجلس العسكري والقوى الإقليمية الحليفة آنذاك، ونجحت الدعوة السلفية وحزب النور بالفعل في تحقيق هدفها هذا، لكنه آل إلى انحسار حتمي لحجم الدعوة والحزب مقارنة بوضعهما قبل ٢٠١٣.

 

هاجس الوجود، بأي شكل ودرجة، الذي يشغل صانعي القرار داخل الدعوة والحزب، لم يكن الأمر اللافت في سيرورة الدعوة والحزب منذ يناير/كانون الثاني ٢٠١١، بل إن قرار التحول من الموقف العقائدي الصُّلب تجاه القوانين الوضعية المخالفة للشريعة -كما هو مبثوث في أدبيات الدعوة في حقبة مبارك- إلى الموقف البراجماتي المتصالح بدرجة أو بأخرى مع ذات القوانين الوضعية التي لم تتغير كثيرًا عقب يوليو/تموز ٢٠١٣، بل حذفت المادة المفسرة لمادة الشريعة في الدستور. هذا المركّب من العوامل الذاتية والسياقية ينبئنا بطبيعة معالجة حزب النور للموقف الراهن عقب انتخابات مجلس الشيوخ.

يونس مخيون في مؤتمر انتخابي لدعم السيسي

“والله مش عايز أعلّق، أنت عارف الوضع، فاعفيني من التعليق على النقطة دي”.. هكذا علّق رئيس حزب النور، الدكتور يونس مخيون، على خوض الحزب السلفي الانتخابات على مقاعد أقل من المتوقع وخسارة جولتي الانتخابات.

وعن موقفهم من انتخابات مجلس النواب المقبلة يقول “مخيون”: “الحزب سيدرس الوضع وفق قانون الانتخابات وتقسيم الدوائر والوضع السياسي العام في البلاد، وبناء على الدراسة سيحدد شكل المشاركة فيها”. (4).

بجانب هذا التصريح، وإذا ما تابع المراقب صفحات الحزب على مواقع التواصل، الرسمي منها والمحسوب عليه، سنجد أن ثمة خطوطًا رئيسة ترسم سياسات الحزب الإستراتيجية منذ 2013، أبرزها:

– المرونة السياسية المطلقة في ما يتعلق بقواعد اللعبة السياسية والاجتماعية الجديدة، التي رسمتها مرحلة ما بعد إبعاد الإسلام السياسي في مصر والمنطقة منذ 2013.

– إعادة قضايا “الهوية” و”الشريعة الإسلامية” في بُعدها الخطابي، كقضايا مهددة من خصوم مصر الخارجيين، قطر وتركيا وإيران.

– إعادة العمل التعبوي الداخلي بقدر أكبر من ذي قبل، وإحياء الخطاب التربوي الداخلي كخطاب شاغل للقواعد المنتمية أو المحبة للدعوة السلفية.

– تكثيف الجهود الخدمية الاجتماعية في مراكز قوة الحزب والدعوة، من خلال أبرز مشايخها ونوابها في البرلمان، كأحمد خليل وشريف الهواري وأحمد الشريف، خاصة في محافظتي الإسكندرية ومطروح.

– القبول بهامش الحركة الدعوي المحدود المتاح، وتجنب الصدام مع توجهات وزارة الأوقاف الممانعة للحضور السلفي عمومًا في الفضاء الدعوي.

مجمل الأمور السابقة جعل الحزب يعالج خسارته في مجلس الشيوخ بنوع من الهدوء والرويّة، كما يظهر من تصريح يونس مخيون السابق، وارتضى التراجع السياسي الحاد الذي يواجهه راهنًا، والذي سيعنى بطريقة أو بأخرى تراجعًا اجتماعيًّا حتميًّا سيأتي بيانه لاحقًا.

من انتخابات مجلس الشيوخ
التراجع كضرورة حتمية في زمن "اللا-إسلام سياسي"

لا يختلف المراقبون على أن إعادة تشكيل خريطة الفاعلين السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط منذ يوليو/تموز ٢٠١٣ باتت تعنى بكل وضوح أننا في زمن “اللا-إسلام سياسي”، وأن محاضن الإسلاميين عمومًا في المنطقة، ومنافذ تأثيرهم، باتت تحت ضغوط شديدة تكاد تكون محدودة بدرجة كبيرة. هذا الأمر وعاه بدرجة كبيرة صناع القرار في الدعوة السلفية وحزب النور، منذ بواكير مؤشرات إسقاط حكم الإخوان في مصر، وتبنوا مبدأ المناورات السياسية البراجماتية منذ انتخابات الرئاسة بين مرسي ومنافسه آنذاك أحمد شفيق، وما تلاها لاحقًا، وأصبحت هي الطريقة التي تتبناها الدعوة والحزب في سياساتها التالية، بناء على هذا الوعي المبكر باحتمال قدوم هذا الزمن.

رغم احتضان الجبهة الجديدة التي تشكلت عقب إزاحة حكم الإخوان في ٢٠١٣ لكل القوى المدنية والدينية التي قبلت الوضع المتشكل الجديد، عدا جماعة الإخوان، فإن فكرة “تأميم الدين” عمومًا، كسياسة للدولة، باتت ممارسة جذرية وعملية للدولة المصرية منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم عام ٢٠١٤، رغبة منه في توحيد الفضاء السياسي والاجتماعي الداخلي العام، وهو ما وعاه حزب النور تمامًا، ورضي بنتائجه وتداعياته حتى الآن.

الدكتور محمد إسماعيل المقدم

يبدو هنا أن أسباب تراجع الحزب والدعوة سياسيًّا واجتماعيًّا متعددة الموارد. فالدعوة السلفية تعاني منذ عام ٢٠١١ من تصدّع داخلي مكبوت على مستوى القيادات، والحزب سيطر عليه فصيل واحد، كما أنه تعرض لحملات إعلامية من إعلام الدولة وإعلام الإخوان، خاصة بعد ٢٠١٣.

بدت إرهاصات التصدع الداخلي المكبوت على مستوى القيادات، بداية من موقف الدعوة السلفية من ثورة يناير/كانون الثاني 2011. فتصريح الدكتور محمد إسماعيل المقدم، أحد مؤسسي وقيادات الدعوة، الذي أثنى فيه على شجاعة شباب ميدان التحرير في إزاحة الرئيس الأسبق حسني مبارك، تسبب في رد فعل من الفاعل الحركي الأول داخل الدعوة، الدكتور ياسر برهامي، تجاه هذا التصريح، بدا فيه متأولاً كلام “المقدم” بتعسف، لضبط الجانب الفكري لقواعد الدعوة السلفية تجاه ثورة يناير/كانون الثاني.

وعبر سنوات ما بعد ثورة يناير/كانون الثاني ٢٠١١، بدا أن بين ياسر برهامي وسعيد عبد العظيم خلافًا متزايدًا، لكونهما شيخين يعملان بكثافة على القواعد الشبابية، وإن كان برهامي هو المفوّض بملف شباب الجامعات والطلائع من قبل مجلس إدارة الدعوة السلفية (5). إلا أن الانفتاح السياسي آنذاك فتح شهية الجميع للعمل الدعوي. وبلغ الخلاف أشده مع أحداث يونيو/حزيران ٢٠١٣، ثم مع عزل مرسي، إذ اتخذ عبد العظيم موقفًا مناصرًا للإخوان تمامًا، في حين سار برهامي في إستراتيجيات المناورة ومحاولات التهدئة.

مشاركة ياسر برهامي في انتخابات سابقة

تراكم هيمنة تيار برهامي على الدعوة والحزب، جعل من اختياراتهما السياسية محط انتقادات ومخاوف شعبية عديدة، خاصة أن برهامي نفسه تصدر للواجهة الإعلامية في بعض المراحل، وتسبب في تصريحات محرجة “سياسيًّا” للدعوة والحزب، كان من أبرزها محاولته التلميح مع الإعلامي وائل الإبراشي إلى حقيقة زيارته لأحمد شفيق قبل انتخابات الإعادة مع مرسي في 2012.

في المقابل، مارَس إعلام الإخوان قبل عزل مرسي وبعده، هجومًا عنيفًا على الدعوة والحزب واختياراتهما السياسية غير المناصرة للإخوان، وهو خطاب إسلامي مؤثر في عموم المناصرين والمتعاطفين مع الإسلاميين آنذاك.

الواقع أن الحزب وقع بين معسكرين إعلاميين خصَما من رصيده المجتمعي. ولضعف المنصات الإعلامية للحزب، وقع فريسة سهلة للتشويه والخصم من رأسماله الاجتماعي، وبالتالي الدعوي، وبالطبع أثر ذلك على المدى القريب في مجلس الشيوخ، وسيؤثر على المستوى المتوسط والبعيد حال تكررت الحملات الإعلامية على الحزب، وبالتالي في ما بقي له من حضور سياسي واجتماعي.

يمكن أيضًا اعتبار الاختيارات السياسية للحزب عبر العقد الأخير سببًا رئيسًا من أسباب فقدانه حيويته التعبوية، التي كانت تعتمد كثيرًا على الحشد والتعبئة الدينية. والحقيقة أن عموم الخطاب الديني واعتماده كمرتكز أساسي، ووحيد أحيانًا، للتعبئة والحشد لدى كل الإسلاميين الفاعلين في السياسة المصرية، نقل إلى الكثيرين إحباطات وإخفاقات مختلفة في فضاء من الوعود السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تهاوت منذ بواكير عام 2013.

قيادات حزب النور

الحزب السلفي اليوم في موقف لا يُحسد عليه بالطبع، وخياراته في ما يبدو باتت شحيحة للغاية، وأكثرها خيارات قهرية وحتمية. وخسارته التامة في مجلس الشيوخ تعني بدرجة كبيرة أن فرصه في مجلس النواب القادم ستكون أقل من وجوده في مجلس النواب الحالي، إنْ لم تتكرر خسارته الصفرية مجددًا، ما يعني تراجع وجوده في الحياة السياسية في مصر إلى أقل درجة يمكن لحزب سياسي أن يوجد فيها، خاصة أننا لا نتكلم عن حزب في صفوف المعارضة، بل حزب يعتبر من الواقفين على تخوم المناصرين للحكومة المصرية الحالية، ووقف بوضوح أمام استمرار الإخوان في الحكم عام 2013.

وبناءً على قراءة متأنية لتاريخ الدعوة السلفية منذ نشأتها، نجد أنها تضع حضورها الدعوي وفاعليتها الدينية كهدف أساسي ووجودي في أي معادلة سياسية أو اجتماعية، وانطلاقًا من كونها تعتبر نفسها فصيلاً يقوم بدور “حامي جناب العقيدة الإسلامية الصافية”، فإنها ستستمر مستقبلاً في تجنب أي خطوات أو ممارسات تستفز السلطة الحالية، وستبقى في إطار الحركة الدعوية المحدودة والآمنة، ووفق الحدود التي تقبلها الدولة، إلا في ما يتعلق بملفات التمدّد الشيعي، في حين سترضى بما ستسفر عنه أي منافسات انتخابية في المستقبل، وسيظل دعم الدعوة والحزب للرئيس السيسي بالكامل نظير الحصول على قدر من الأمان الوجودي النسبي.

المصادر والمراجع

For more info.:  1-McAdam, D., McCarthy, J. D., & Zald, M. N., “Comparative perspectives on social movements: Political opportunities, mobilizing structures, and cultural framings”, Cambridge University Press (1996).

2-  May Darwich, “The Ontological (In)security of Similarity: Wahhabism versus Islamism in Saudi Foreign Policy”, GIGA Working Paper, No. 263, December 2014.

3-  تحدث ياسر برهامي أكثر من مرة عن مساعي الدعوة السلفية وحزب النور لاحتواء حالة الاحتقان بين الجماعة والمجلس العسكري، إبّان اعتصامي رابعة والنهضة في ٢٠١٣، والتي سعى فيها برهامي وبعض أعضاء الدعوة والحزب لمحاولة وضع مبادرة لتدارك الأمر قبل تصاعده على النحو الذي حصل في أغسطس/آب ٢٠١٣. ويرى الكاتب أن هذا التحرك من برهامي ورفاقه كان يحمل في طياته الكثير من الدلالات التي تؤكد صحة فرضيته التي تدّعي حضور مبدأ المناورة والتحرك الإستراتيجي لدى صانعي القرار في الدعوة والحزب.

4-  إبراهيم عبد المجيد، مقال “هل تنذر انتخابات مجلس الشيوخ بـ(انطفاء) حزب النور السلفي؟”، موقع “إندبندنت بالعربي”، 8 سبتمبر/أيلول 2020.

5-  انظر لمزيد تفاصيل: “موقف الدعوة السلفية من الثورة المصرية بين المنهج والتطبيق”، إعداد ونشر: أكاديمية أسس للأبحاث والعلوم، الطبعة الأولى 2014. (يضم مجلس إدارة الدعوة السلفية حتى عام 2013 كلاً من: محمد عبد الفتاح – محمد إسماعيل المقدم – أحمد فريد – ياسر برهامي – سعيد عبد العظيم. وقد استقال المقدم لاحقًا من العمل الإداري، وسافر عبد العظيم خارج مصر عقب يوليو/تموز 2013).

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تحليل

محمد توفيق

باحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search