زوايامختارات

الصادق المهدي “إمام التناقضات”.. صائد الأفيال.. اصطاد فأرًا صغيرًا للغاية!

بعد ميلاد الصادق الصدِّيق عبد الرحمن المهدي، بعشرةِ أعوام، أسّس جده لأبيهِ إمام الأنصار –حينها- عبد الرحمن المهدي، حزب الأمة القومي،

 

في تلك البُقعةِ التي اختارها جَدّه لأبيهِ عاصمةً لدولته الوليدة عام 1881، سربلت الصديق عبد الرحمن المهدي؛ فرحة غامرة عندما داعبت أُذنيه الصرخة الأولى لمولوده من زوجته الثانية وبنت عمته (رحمة عبد الله جاد الله)، فأطلق عليه اسم  الصادق، وتنبأ له بشأنٍ عظيم، وعُمرٍ مديد، وصولة وجولة.

بعد ميلاد الصادق الصدِّيق عبد الرحمن المهدي، بعشرةِ أعوام، أسّس جده لأبيهِ إمام الأنصار –حينها- عبد الرحمن المهدي، حزب الأمة القومي، وجعل عليه ابنه (الصِدِّيق) رئيسًا، وأحاط حفيده (الصادق) بالكثير من العناية والرعاية، التي لم يحظ بها الأحفاد الآخرون، فأرسله إلى المدراس الدينية يتلقى فيها المعارف الأوليّة، ثم من الابتدائية إلى الثانية بين مدرستي الأحفاد وكمبوني وكلية فيكتوريا بمدينة الاسكندريِّة بمصر (1948-1950)، ولم يلبثْ بِها طويلاً حتى طفق عائِدًا إلى أم درمان، واضعًا التعليم النظامي وراء ظهره، ليلتحق مُلازمًا للشيخِ الطيِّب السراج أحد أبرز عُلماء الدين واللغة.

الصادق المهدي

ويبدو أن الصبي آنذاك، كان قلقًا، بحيثُ لا يستقر به مقام في مدرسة واحدة لسنوات، ولا حال في ملازمة العلماء فيغادرهم سريعًا، فلم يمض عام ونَيِّف على ملازمته للشيخ السرّاج حتى قرر العودة مُجددًا إلى التعليم النظامي، فخاض امتحان شهادة أوكسفورد البريطانية التي أهلته للالتحاق بكلية العلوم بجامعة الخرطوم 1952، لكنه لم يحتملها كعادته لأكثر من عامين فغادر السودان كلها إلى إنجلترا بعد أن حصل  على مقعد لدراسة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة أوكسفورد وتخرج فيها عام 1957، وعاد إلى السودان ليعيش في كنف جده إمام الأنصار وأبيه رئيس حزب الأمة محفوفًا بنوع من التمييز عمن هم في سنه من سائر أفراد آل المهدي، فالتحق بوزارة المالية فور وصوله إلى السودان، لكنه تقدّم باستقالته عام 1958، ليتفرغ لإدارة مشاريع أسرته الخاصة (مشروعات زراعة القطن).

الإمام الصديق عبد الرحمن المهدي والد الصادق المهدي

دورة الحياة

ولد في أم درمان بالسودان في 25 ديسمبر/ كانون الأول 1935
طفولته كانت هانئة.. أحاطته العائلة بعناية فائقة فتلقى تعليمه الأوليّ في المدارس الدينية إلى أن ظهر الشيخ الطيب السراج!
كان صبيًّا قلقًا، ذكيًّا، شغوفًا بالتنقل والترحال.. ولم تهدأ له حال إلى أن استقر في إنجلترا
رحيل جده الإمام عبد الرحمن وأبيه في عامين متتاليين كان نقطة تحول هائلة في حياته
شارك في إسقاط نظام الفريق إبراهيم عبود في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1964 ليتولى لاحقًا رئاسة الوزراء
عانى حزب الأمة في عهد كثيرًا: الإمام المهدي يحلق في اتجاه الريح.. والصادق المهدي يرفرف عكس الريح
قلق الطفولة طارده طيلة حياته.. تارة مع الإخوان المسلمين وسيد قطب.. وتارة يدافع عن الديمقراطية والليبرالية!
سنه الآن 85 عامًا، ويرقد في أحد مستشفيات دولة الإمارات من جراء إصابته بفيروس كورونا
ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة!

إلى ذلك الوقت، كان يجري إعداد الصادق وتأهيله؛ للعبِ أدوارٍ كبيرةٍ في حزبِ الأُمَّة وطائفةِ الأنصار التي تُشكِّل القاعدة الجماهيرية للحزب، تمهيدًا لدفعه إلى قيادته وإمامة الطائفة، بهدوءٍ تام ودونما عجلٍ، بيد أنّ رحيل جده الإمام عبد الرحمن وأبيه على التوالي عامي  1959 و1961، وُضِع آل المهدي أمام الحقيقة عارية، فلا أحد أكثر تأهيلاً وإعدادًا بينهم مِن الصادق المهدي، فاختاروه رئيسًا لحزبِ الأمّة وإمامًا للأنصار، مُدعومًا بوصيّة تَمّ الترويج لها على أنّها صادرة عن الإمام عبد الرحمن المهدي تدعم هذا الاتجاه.

الإمام عبد الرحمن المهدي ابن مؤسس الدولة المهدية في السودان وجد الصادق

الآن، نحن في عام 1961، وها هو الصادق المهدي يتسلم رئاسة حزب الأمة وإمامة الطائفة، وسنّه لم تتجاوز 26 عامًا. وفي نفس العام ترأس الجبهة الوطنية المتحدة المُعارضة لنظام الفريق إبراهيم عبود (1958 – 1964) الذي سقط بثورة شعبيّة في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1964، ليُنتخب الصادق بعدها رئيسًا لحزب الأمة، ويتولى رئاسة الوزراء للمرة الأولى (1966 – 1967)، ثم مرةً ثانية عاد لرئاسة الوزارة عام 1986 بعد إسقاط  نظام جعفر النُميري الذي أطاح عام 1969 بحكومة محمد أحمد محجوب (حزب الأمة). لكن لم يمكث الصادق المهدي طويلاً –كما هي العادة-  لينقلب عليه عمر البشير عام 1989، بإسنادٍ وتخطيط من الجبهة الإسلامية القومية (الإخوان) برئاسة صهره حسن عبد الله الترابي (متزوج  بشقيقته وصال المهدي).

يتقلب بين إصبعي الحكومة والمعارضة:

منذ عام 1961، والصادق المهدي يلعب أدورًا كبيرة ومؤثرة في مُجمل الأوضاع السياسية بالسودان، مرةً في صفوف الحكومة وأخرى رئيسًا للحكومة، إلا أن الرجل الذي تولى رئاسة الوزارة لدورتين متفرقتين –كما أسلفنا– لم يُقدّم خلالهما مشروعًا سياسيًّا أو إصلاحيًّا جديرًا بالتقدير والاحتذاء، فقد أدخل البلاد خلال دورتيه الرئاسيتين في دوامات من الخلافات والمماحكات السياسية، بنزوعه نحو التحالفات غير المدروسة، وقلقه الدائم وضيقه وتبرمه السريع من حلفائه، والعمل على استبدال حلفاء جدد بهم، سرعان  ما ينقلب عليهم ليعيد التجربة مع من أطاح بِهم مرةً أخرى، وهكذا دواليك إلى أن تتهيأ الأجواء وتتماسك الأرضيّات لانقلاب عسكري جديد، بعد أن يضيق المواطن بالغلاء، وسوء الإدارة والإهمال، ويمل الخطب السياسية الجوفاء في حين تتردى الأوضاع المعيشية وتتدهور يومًا بعد آخر.

جناحان واهنان

خلال وجوده في رئاسة حزب الأمة منذ 1961 وحتى الآن، شهد الحزب الكثير من الانشقاقات بين صفوفه، كان أولها  في 1966، مع عضو الحزب، رئيس الوزراء ووزير الخارجية (1967 – 1969) الذي كان مدعومًا من الإمام الهادي المهدي (عم الصادق)، وكان بينه وبين ابن أخيه ما صنع الحدّاد من الخلافات السياسية، الأمر الذي بعثر الحزب وشقَّه إلى جناحين أحدهما للإمام الهادي والآخر للصادق المهدي، وفيما يُصفِّق الأول مع اتجاه الريح، يرفرف الثاني عكسها، فيتعب طائر الحزب وتخور قواه ويعجز عن التحليق. تنازع جناحا الحزب في رئاسة الحزب والحكومة وإمامة الأنصار، فأنهكا الديمقراطية وأدخلا البلاد كلها في حالة الاستقطاب “العائلي” الذي أدارته ماكينة سياسيِّة وطائفيِّة، في حين كان المواطنون يتضورون جوعًا، بعد أن تيبّست مفاصل الحياة بتوقفِ الإنتاج، وانهيار الأسواق، وارتفاع أسعار السلع الأساسية،  فجاء جعفر النُميري على ظهر دبابة ليأخذ البلاد من الديمقراطية إلى ديكتاتورية استمرت 16 عامًا حُسومًا.

الصادق المهدي

ويبدو أنّ الصادق المهدي لم يستفدْ مما حدث لحزبه من جراء الصراعات الداخليِّة، العميقة بما يكفي لإحداث إصلاحات هيكلية وإشاعة ممارسة ديمقراطية حقيقية داخله، تُجنبه خطر الانشقاقات مرة أخرى، فظل متشبثًا برئاسته، متوسلاً إليها بحيِّل وأحابيل كثيرة، فحدث انقسام جديد عام 2001 بينه وبين ابن عمه رئيس القطاع السياسي بالحزب حينها، مبارك الفاضل المهدي، فأعلن الأخير تأسيسه لحزب الأمة (الإصلاح والتجديد)، وترك الحزب التاريخي للصادق المهدي وأبنائه. ثم واصل الصادق المهدي احتكاره رئاسة الحزب، فحدث الانقسام الثالث عام 2013 إذ خرجت عن الحزب قيادات مؤثرة، في مقدمتها الأمين العام الهادي الدويحي، وطالبت بسحبِ الثقة من رئيس الحزب، الصادق المهدي، واتهمته بالاستئثار بالحزب واحتكار قراره، ووصفته بالعنجهي المُتعالي.

حزب وراثي وشركة عائلية!

مبارك الفاضل المهدي

لا يَخفى على أحد فشل الصادق المهدي، الذي اشتهر بالدفاع عن الديمقراطية ومنافحة الأنظمة العسكرية، في خلق حزبٍ بنفس المواصفات. ففيما ظلّ يصدح بالديمقراطية التعددية ويعتبرها النظام الأمثل لإدارة السودان، كان ولا يزال مغلول اليدين عن تكريسها داخل حزبه، فلا يزال هو رئيسه لأكثر من 50 عامًا، ولا تزال المناصب القياديّة العليا حِكرًا على أبنائه وبناته، فابنته مريم نائبته، وابنه الصديق مُساعده، وهكذا تجري الأمور داخل الحزب، ولا يدري أحد من أعضائه ما الفرق بين النائب والمساعد، غير أنّهما من أبناء رئيسه، فقد صار الحزب شركة عائلية وراثية بامتياز، بعد أن أضاع عنه الصادق المهدي صِفة القوميّة.

كتاب نحو مرجعية إسلامية متجددة

الشخصية الهجين

المُتأمل للصورة الكُليِّة للإمام الصادق المهدي، لن تعوزه الحصافة أو تخونه البصيرة، ليلحظ أنّه يُمارس ذات الإرباك الذي وَسَم أداءه داخل حزبه، في الفضاءين السياسي والفكري، ففي الوقت الذي يمتدح فيه الديمقراطية الليبرالية نجده يغازل الإسلام السياسي ويتقرّب إلى جماعة الإخوان المسلمين، بل يحشد خطابه السياسي والفكري بعبارات وأفكار مُنتَجة في مصانع جماعة حسن البنا وسيِّد قطب.

الصادق المهدي السياسي السوداني الشهير

ولعل الناظر إلى مؤلفاته الكثيرة يدرك بسهولة أنها  لم تخرج عن رؤية الإخوان، مع بعض التحويرات التي تجعلها قريبة من أيدولوجيا الأنصار (أفكار المهديّة)، فبعد أن أصدر كتابه الأول “العبادات للإمام المهدي” عام 1959، شرع فورًا في تدشين مشروعة الفكري الهجين بين ديمقراطية الغرب والإسلام السياسي، فنشر بين أعوام 1964 – 1994 العديد من الكُتب أهمها: (جهاد في سبيل الاستقلال، جهاد في سبيل الديمقراطية، الصحوة الإسلاميِّة ومستقبل الدعوة، مستقبل الإسلام في السودان، المنظور الإسلامي للتنمية الاقتصادية، المرأة وحقوقها في الإسلام، الإسلام ومسألة جنوب السودان، الإسلام والتجربة والسودانية، الغزو الثقافي، الإسلام والنظام العالمي الجديد، المشروع الحضاري الإسلامي العربي والمسألة الإسرائيلية)، وكُتب أخرى لا تخرج عن سياقِ تفسير الظواهر الكونيّة والسِياسيّة على هُدى أفكار حركات الإسلام السياسي، مُغلفة بأغشية رفيعة من الأفكار الغربية التحررية. فلا غرابة إذًا في أن يتبدى ذلك في كل تفاصيل حياته، فكثيرًا ما يظهر ليس على المستوى السياسي والفكري فحسب، بل على المستوى الشخصي أيضًا وهو يرتدي البدلة الإفرنجيّة ويضع على رأسه طاقيّة أو عمامة، ليوائم  بين الحداثة والتقليد على مستوى الزي أيضًا، وكثيرًا ما نُشرتْ له صور ترويجية يظهر فيها مُمتطيًا صهوة جواده، كناية عن الفروسية بشكلها التقليدي، ويظهر في أخرى مُرتديًا “شورت” إفرنجيًّا، ويُمارس رياضة التنس.

نعم للنظرية.. لا للتطبيق:

ظلّ التناقض بين الحداثة والتقليد سِمة بارزة للصادق المهدي على المستويات كافة، لكنه أكثر وضوحًا على المستويين الفكري والسياسي، وربما هذا ما جعل حزبه يتعرّض لانشقاقات مُتتالية حتى أصبح أشبه بالمؤسسة العائليّة الوراثيّة أكثر مِن كونه حزبًا سياسيًّا مدنيًّا للجميع. وأكثر من ذلك، انعكس هذا التناقض على أدائه السياسي إبان توليه رئاسة الوزراء لدورتين، فكان كُل ما اقترب من القوى الديمقراطية الحقيقيّة، ينفضّ عنها ليلتئم مرةً أخرى بالإخوان المسلمين، هذه اللعبة السياسيِّة، علاوة على نزعته “الأبديّة” نحو إنتاج خطاب سياسي فضفاض وتقاعسه عن وضع خطط وبرامج تنموية حقيقية يسهل تنفيذها على الأرض، كانت السبب الرئيس لقصم ظهر الديمقراطية، بل كانت الحجة الأولى للانقلابيين، في كل مرة.

صائد الأفيال

هكذا تبدو حال الصادق المهدي (85 عامًا) الآن، وهو يتلقى العلاج في دولة الإمارات من جراء إصابته بكورونا فيروس، فتارة تجده ضمن تحالف قوى الحرية والتغيير الذي يدير الفترة الانتقالية عبر تسوية سياسية مع العسكريين، وتارة أخرى معارضًا له، وتجده اليوم ضد الإخوان المسلمين ثم داعيًا لعودتهم، وكذلك الحال مع قوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، فبعد أن ناصبه العداء إبان حقبة عمر البشير حتى وصل الأمر بهما إلى أن زجا به في السجن، عاد ليقدم له الدعوة هو وجيشه للانضمام إلى حزب الأمة!

وهذا ما فعله مع المعارضة السودانية التي كانت تنشط ضد نظام البشير، بقيادة التجمع الوطني الديمقراطي. فبينما كان ضمنه، غادر فجأة إلى العاصمة السويسرية ليلتقي عراب النظام الحاكم صهره حسن الترابي 1999، وفي ذات العام طار إلى جيبوتي ليلتقي عمر البشير، رأس النظام الذي انقلب عليه، وله في ذلك مقولة ذائعة، عندما قال: “ذهبت إلى جيبوتي لأصطاد أرنبًا، فاصطدتُ فيلاً”، لكن لاحقًا اتضح أن البشير هو من اصطاد الفيل، في حين لم يُصِب الصادق المهدي فأرًا صغيرًا.

 

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى