بورتريهمختارات

الصادق المهدي.. مجمع المختلفين والمجاهد المدني

 

برحيل السياسي السوداني المخضرم الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة وإمام الأنصار، آخر رئيس وزراء سوداني منتخب، والذي توفي بإصابته بفيروس كورونا في أحد مستشفيات العاصمة الإماراتية، تُطوى صفحة مثيرة من التاريخ السياسي للسودان، حيث اشتغل الراحل بالعمل السياسي منذ بداية ستينات القرن الماضي، بعد سنوات من تخرجه في جامعة أكسفورد البريطانية.

ومنذ تلك المرحلة المبكرة كان الصادق المهدي ثالث ثلاثة ملؤوا دنيا السياسة السودانية وشغلوا أهلها، إلى جانب صهره الراحل الدكتور  حسن الترابي، زعيم الإخوان المسلمين، وعبد الخالق محجوب زعيم الحزب الشيوعي السوداني الراحل.

كان “الصادق” إذًا، من تلك الطينة من السياسيين المخضرمين، وبهذه الصفة، شبه المنقرضة بين سياسيي الزمن الراهن، ظل يمارس فصولاً من السياسة تقلب فيها بين السلطة والمعارضة بصور متعاقبة، في حين أبقى على اشتغاله بالكتابة في قضايا فكرية وتنظيرية واكبت المنعطفات التي مر بها السودان والعالم العربي.

بموازاة جماعتين حزبيتين اختطفتا النخب المتعلمة والحديثة من أبناء الطبقة الوسطى منذ أواسط خمسينات القرن العشرين في السودان، هما الإخوان والشيوعيون، ظل الصادق المهدي يراهن على هوية حديثة لحزب الأمة، فخاض من أجل ذلك صراعًا مع عمه إمام الأنصار في الستينات (الإمام الهادي المهدي) لأنه، من ناحية، كان يبحث عن تعبير معاصر للدعوة المهدية من خلال الإسلام، ومن ناحية ثانية كان يزايد باستمرار على منافسة خصميه اللدودين على اليمين واليسار، الترابي وعبد الخالق، لمنع أتباعه من الانجذاب إلى هذين الحزبين.

بدا اعتقاد الرجل في شرعية خاصة به لحكم السودان عبر الإرث المهدوي حافزًا قويًّا لرهانه المستمر مع منافسيه.

الصادق المهدي

راهن الصادق المهدي على الديمقراطية، وكان من رعيل يدرك معنى العمل بروح ديمقراطية في علاقاته مع المجتمع والآخر، كما كتب اجتهادات نظرية في قضايا مختلفة ظل يواكب بها مستجدات الفكر الحديث، إلى جانب اهتمامه بالفضاء العربي والإسلامي والدولي.

انشغال “المهدي” بالمعاصرة.. لم يقطعه عن الطبيعة الدينية المنفتحة، وطالما راهن على القطيعة مع الإسلام السياسي، فهو من طبقة سياسيين عاشوا زمن الفصل بين ما هو سياسي وما هو ديني، فتشكلت بدايات وعيه في ظل حزب الأمة، الذي تأسس على يد جده الإمام عبد الرحمن المهدي عام 1945.

وبطبيعة تفاعلية وتجديد مستمر في أفكاره، تميز الصادق المهدي، بصرف النظر عن طبيعة تلك الجدّة من عدمها، لكن حسّه التاريخي كان في قلب الاستجابات التي ظل يدعمها في كل منعطف من منعطفات السياسة السودانية.

فعلى مستوى اهتماماته المتعددة الوجهة والمكان، طوّر الصادق المهدي تقليدًا في الكتابة البحثية حيال كل إشكالية واجهها، عبر التنظير ومحاولة الإحاطة، التي تقتضي منه أحيانًا تفرغًا كاملاً للكتابة رغم زمنه الذي يبذله للناس جميعًا.. الزمن الذي خاض فيه غمار السياسة والفكر، والذي بدا زمنًا مخضرمًا بامتياز، لكن العجيب أنه ظل حاضرًا بذهنه الوقّاد على مدى 60 عامًا في مسار طويل شهد فيه أطوارًا مختلفة من مراحل التحول التي كانت تضرب المجتمع السوداني وتنعكس عبره على العديد من تجاربه السياسية والمجتمعية.

حاول المهدي بقدر الإمكان أن يكون متعاملاً مرنًا مع تحديات واقع متحول باستمرار، واشتهر بقدرته على تطوير أجندات نظرية تستجيب لأوضاع سياسية مختلفة، وتعكس الحماس ذاته، الذي ظل يمارس به عمله في السياسة والحياة.

ولعل من أهم التعبيرات التي تعكس موقع القدوة في التجربة العائلية للصادق المهدي أنه أخرج للمجتمع السوداني عائلة سياسية من ذريته، عبر بناته أو أبنائه، وتلك خصلة يبدو واضحًا فيها أثر القدوة والقدرة على التنشئة السياسية المستقلة لأفراد عائلته.

أما في ما يتعلق بعلاقاته بالمجتمع، فقد ظل كتابًا مفتوحًا للجميع في أي درجة من درجات الاختلاف، محافظًا على صورة الاحترام، وكان بيته بأم درمان مجمعا للمختلفين من أهل الخرطوم، ومقصدًا للأجانب والسياسيين والصحفيين والباحثين.. هناك كان يستقبل كل داخل عليه مهما علا شأنه أو صغر، دون ضيق أو تبرُّم.. ما جعل منه مرجعًا اجتماعيًّا سياسيًّا وزاده كبر السن والمقام أهليةً واعتبارًا.

الصادق المهدي وعمر البشير

كان إيمانه العميق بالديمقراطية من أهم ما سار عليه، فكتب وهو في السجن عقب انقلاب عمر البشير في عام 1989 كتابه الشهير “الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة”، وكان في ذلك يعبر عن يقين مستقبلي لا يتزحزح بصيرورة الديمقراطية في السودان، ولعله قد أضمر في عنوان كتابه الأخير  (الإنسان بنيان الله: القضية الإنسانية) محاولة للتعبير عن آفاق إنسانية تتجاوز إلى أفق إنساني أكثر تركيبًا وتعقيدًا.

كيفما قلّب المرء النظر في تجربة الصادق المهدي لا يخطئ ذلك العنفوان الذي لازم حراكه المتحفز دائمًا إلى ما هو راهن وعصري، فلقد جعل من تجاربه السياسية والحياتية مُختبرًا عرف كيف يطور عبره باستمرار رؤية أكثر إنسانية وأفقًا أكثر رحابة في العيش.

كان الرجل النباتي المحب للرياضة ملتزمًا بمنهجها الصارم في ترويض جسده وتجديد روحه، وورّث ذلك النشاط إلى أبنائه، فضلاً عن موهبة تثقيف الذات ومهارات البحث، فصار حتى في أواخر أيامه حاضر الذهن مستفيدًا من تجربة مرضه الأخير، التي كتب فيها مقالاً مؤثرًا بعنوان “تأملات في فقه السعادة والمشقة أو المراضة” بتاريخ 5 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي اختتمه ببيت شاعر المهجر إيليا أبو ماضي وهو يقول:

إن نفسًا لم يشرق الحب فيها .. هي نفس لم تدر ما معناها

عتاب شفيف خفيف أبداه الصادق المهدي لبعض الذين شمتوا به في مرضه، لكنه كان في لومه يؤكد للناس أنه واحد منهم، وأن حياته لم تكن حياةً صافية من المشقة، فقد ذكر أنه سُجِن ثماني سنوات ونصف، فضلاً عن قضائه 12 سنة في المنفى، وتعرضه لحكم بالإعدام مرة، ومواجهة اتهامات أخرى كانت عقوبتها الإعدام 3 مرات في يونيو/ حزيران 1970م، وفي مايو/ أيار  2014، وفي إبريل/ نيسان 2018م.

الصادق المهدي

كان مفاجئًا للحد الذي صدم رسام الكاريكاتير السوداني الشهير، عز الدين عثمان، الذي جمع رسوماته الكاريكاتورية في نقد الصادق المهدي إبان الديمقراطية الثالثة (1985 – 1989) في كتاب وعرضه عليه، فاقترح الرجل أن يكتب بنفسه تقديمًا لكتاب يهاجمه.. كان يمثل المعارضة المسالمة عبر جهاد وصفه بـ”الجهاد المدني”.

 

محمد جميل أحمد

كاتب سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى