الصديق “الجوقة”.. التحايل الدرامي في السينما المصرية

من تعريفات “السيناريو” أنه فن تقديم المعلومات، عن كل شيء، ومن بينها خلفيات شخوصه وماضيهم وما يطمحون إليه مستقبلا.. ومن خلال مسار الحبكة الموضوعة سلفا، يمكن للكاتب تقديم شخصياته عن طريق الصورة والصوت، سواء بطريقة ساذجة ومباشرة وسطحية، أو في صورة ذكية من داخل الأحداث عبر فنيات وتقنيات وخيال يغنيه عن اللجوء إلى الحيل الدرامية المباشرة، أو الاستماع إلى حوار بين مقربين من الأبطال مثل الخادم أو الصديق.

وفن المسرح مثلا، مبني على الحوار، حتى قال الممثل القدير زكي طليمات: “المسرح كلمة”، وتاريخيا، كانت مسرحيات الإغريق قديما تعتمد على “الجوقة”، وهم مجموعة من المنشدين يقفون على المسرح قبل بداية الأحداث ليفصحوا عن الحكاية التي سيشاهدها الجمهور بطريقة الإنشاد الفني، كي يمرروا معلومات عن خلفيات الشخصيات وحالاتهم الحالية وما يتمنون فعله فيما بعد، تمهيدا لتقديم الأحداث والوقائع.. يسمي هذا الجزء من الحبكة الدرامية “برولوج” أو ما قبل الكلمة، فهو المقدمة والاستهلال الذي يسبق “الكلمة” أو “الحدث”.

مع تطور الزمن، والتقدم في فن المسرح، صرنا نشاهد وسائل موازية لتقديم المعلومات، كأن يفتح الستار فتجد خادمة وخادم يتعاونان في تنظيف المنزل، ومن خلال حوارهما نعرف أن الليلة سيقام حفل استقبال، أو استضافة شخصيات مهمة، وأن الخادمة تتسلل بخفة كي لا توقظ سيدتها التي تتصف بعصبية شديدة، والخادم يرد عليها قائلا: إن أسيادنا لا يستيقظون من النوم مبكرا في مثل هذه الساعة، فنعلم أنهم عائلة أرستقراطية وثرية، وسوف يقيمون حفلا الليلة، وأن السيدة صعبة المراس، فيتهيأ الجمهور لملاقاة شخصية كريهة عرف طبائعها قبل أن يراها أو يتابع الأحداث الدرامية، التي من الممكن أن يتغير رأيه خلالها بعد أن يكتشف أن الخادمة تدعي جنون السيدة طبقا لفهمها شخصيتها أو لمصلحة ما.. ومن الممكن اعتبار وظيفة هذه “الشخصيات” وهذا النوع من الحوار معادل الحديث عند الجوقة.

كتاب فن الشعر لأرسطو

تكتسب “جودة” فن تقديم المعلومات السابقة بصورة مشوقة وجميلة أهمية خاصة لتطور الحبكة، والتمهيد لخلق سياق منطقي لدي المشاهد، يقوده في متابعة الأحداث وترابطها والاستمتاع بتقلباتها. والتصنيف الأرسطي للحبكات كما ورد في كتاب Poetics “فن الشعر” يبين أن بعض الحبكات بسيطة وبعضها معقد، والتعقيد هنا معناه أن الحدث الرئيس يطرأ عليه تغيير، إما بالتعرف وإما بالتحول أو بكليهما، فتطور الحبكات يجب أن يأتي نتيجة للحبكة نفسها وليس بالصدفة أو نتيجة لعنصر طارئ من خارجها، أي يجب أن يتسبب كل مشهد في المشهد التالي، وأن يتطور عن المشهد السابق، وأن تتابع الأحداث في علاقة من السبب والنتيجة، لا أن يأتي التطور مقحما أو عن طريق الصدفة مما يقلل من ترابط الحبكة وتلاحمها في متوالية بنائية سليمة.

وبالرغم من تسامح أرسطو في اللجوء إلى الصدفة في نقطة بداية الأحداث الحقيقية أو كما تسمى حديثا point of attack  أو نقطة الهجوم التي يبدأ عندها الحدث الرئيس، كمثل أن يصل للبطل الفقير رسالة تخبره أنه الوريث الشرعي لعمه الذى هاجر إلى البرازيل منذ عشرين عاما، فإنه  يبدو من غير المستحب استخدامها في منطقة الانقلاب الدرامي.

وعادة ما يحدث ذلك الانقلاب في الثلث الثاني من الحبكة التي ربما تعاني بعض الركود، فيلجأ السيناريو لتجديد دماء العمل بتحويل الصراع إلى اتجاه مغاير عبر انقلاب درامي متولد من منطق الأحداث، بناء على معلومات زرعت بإتقان فيما سبق، مما يثير اهتماما أكبر، بعكس ما حدث ومازال يحدث في أفلامنا المصرية، التي تلجأ إلى “الحيلة” لتطوير الأحداث وقلبها إلى اتجاه معاكس لتتخذ مسارا دراميا مختلفا، بمنطق “ميلودراما الصدفة”.

 يمكن أن نمثل للطريقة الشائعة في الدراما المصرية بفيلم حب ودموع، للمخرج كمال الشيخ، عام 1955 عندما لم تستطع فاطمة/ فاتن حمامة اللحاق بحبيبها أحمد/ أحمد رمزي، ضابط البحرية في الباخرة التي كان من المنتظر أن تقلهما إلى الخارج لقضاء حياتهما سويا بعيدا عن ديون الأب محمود سلام/ مختار عثمان، الذى يتمنى زواج ابنته من شخص ثري يدين له بالأموال، فكانت هذه المصادفة هي السبب الوحيد لتغيير مسار الأحداث، حيث اضطرت فاطمة إلى الخضوع للخواجة باولو/ استيفان روستي، الذي استقبلها بأحد أشهر إيفيهاته “الكونياك مشروب الفتاة المهذبة”.

لقطة من فيلم أغلى من حياتي

وكذلك فيلم “أغلى من حياتي” لمحمود ذو الفقار، سنة 1965، والذي لا يختلف كثيرا عن تيمة فيلم كمال الشيخ، حيث فات مني/شادية القطار الذي تقابل فيه أحمد/صلاح ذو الفقار، ليهربا سويا ويكملا حياتهما معا.

 أما في الكوميديا الهزلية، فالصدفة تقلب أحداث الفيلم من البداية وتحولها إلى سلسة من الأحداث الكوميدية التي قد تتخللها الصدف أيضا، مثل أفلام إسماعيل ياسين، “المصباح السحري” لفطين عبد الوهاب، 1960، حين تحول البطل الفقير سيدا للجني، يأمره بما يريد لجعل حياته أسهل وأفضل.. أو فيلم “المليونير” لحلمي رفلة، 1950، عندما تصادف أن قابل عاصم بك الاسترليني مع شبيه له طبق الأصل يدعى جميز عسل، ويتبادلان الأدوار.

 وحتى لو بدت تلك “الصدف” غير منطقية أو مستحيلة في الحياة، إلا إنها داخل منطق العمل الفني والنوع الفيلمي ورغبة المشاهد في الاستمتاع بإسماعيل ياسين تُقبل في إطار “الحيلة الفنية” أو “التحايل الدرامي”.

وتستخدم الدراما حيلة فنية أخرى هي “الصديق/ الجوقة” الذي تصبح حياته مسخرة تماما لمدة 24 ساعة لمرافقة البطل. ياسين نفسه اشتهر بتقديم دور الصديق/الجوقة في السينما المصرية، ومثله عبد السلام النابلسي قديما بصورة شبه دائمة، وكذلك محمد هنيدي، وأحمد حلمي، حديثا في بداياتهما الفنية.

استخدمت الأفلام المصرية حيلة الصديق/الجوقة بغزارة.. توظف الصديق المقرب من البطل ليلعب دور المتحدث الرسمي نيابة عنه، يتحدث عنه مع الآخرين ليمرر معلومات لم يستطع الكاتب أن يقدمها من خلال الصورة أو الحوار، فيلجأ لتقديمها من خلال الآخرين مثل الصديق أو الخادم أو عبر حوار بينه وبين شخصين من الغرباء العابرين التقوا مصادفة، كي يتعرف المشاهدون من خلال حوارهم على معلومة سابقة سوف تبنى عليها أحداث تالية.

في السينما المصرية اهتز المفهوم الأرسطي لترابط المعلومات وتطورها حدثيا، فأصبح استخدام أحد تعريفات السيناريو كما ذكرنا وهو فن تقديم المعلومات، مجرد إلصاق صديق بالبطل يلازمه كأنه نتوء عظمي خارج منه، حتى يتسنى للكاتب تقديم المعلومات عن البطل عن طريق الحوار مع هذا الصديق، وكأنه تطبيق مختل لمقولة سقراط الشهيرة “تحدث حتى أراك” بحيث تصبح “تحدث حتى أرى الآخر”، وبغض النظر عن الصورة التي ينتظرها الجمهور لكي يستمتع باستنباط تاريخ بطله في سنوات عمره قبل أن يقف لأداء أحداث حبكة السيناريو الرئيسة، وكافة المعلومات التالية التي تدفع الحدث إلى الأمام.

لقطة من فيلم الأب الروحي

ليس هناك مجال للمقارنة بين الأعمال التي اضطرت إلى استخدام “الصديق/الجوقة”  مثل فيلم يوم من عمري لعاطف سالم 1961 وأستناد صلاح/ عبد الحليم حافظ في تقديم نفسه ورغباته وتاريخه على صديقه المصور الذي يلتقط صوره منبطحا أرضا رغم استمتاعنا بأدائه، وبين أعمال مثل  the God father الاب الروحي 1972 لفرانسيس فورد كوبولا،  الذى حصلت فيه شخصية مثل “فيتو كورليوني” / مارلون براندون رئيس العائلة وزعيم المافيا على قبيلة من الأبناء والاصدقاء والأتباع والمريدين الذين يلتفون من حوله لخدمته وطاعته أو حتى تحديه، ويمثلون بأفعالهم وحواراتهم مرآة متعددة الزوايا عاكسة لأبعاده ومطورة للحبكة، دون الاستسلام لجمل الحوار التي توظف فقط لتقديم المعلومات للمشاهدين كما كان يفعل فريق الجوقة قديما أو الأفلام والمسرحيات المصرية الحديثة.

في الأفلام الجيدة فنيا يشعر المتلقي بنوع من السلاسة في تلقى المعلومات التي تتضح له بصورة أشبه بالترسيب تدريجيا من خلال تفاصيل الصورة والحوار الذكي الذي يسير بتدرج محكم لإيصال المعلومة بحرفية شديدة للمشاهدين، كمثال فيلم المخرج فيليب كوفمان “كائن لا تحتمل خفته” 1988 المأخوذ عن رواية ميلان كنديرا الشهيرة، حيث نتعرف على الشخصيات الأربع الرئيسة من خلال متابعة مشاهد تتضمن تفاصيل مسموعة ومرئية عن حياتهم دون اللجوء الى “الآخر” الذي يروي عن هؤلاء الأبطال وهم: توماس/ دانيال د لويس الذى يتأرجح بين الخفة والرزانة، أي أنه شخصية لا طاقة لها بتحمل المسئوليات والالتزامات، ونراه يتعامل على هذا الأساس دون أن يظهر صديق له يملي علينا طبيعة شخصيته هذه، من خلال علاقته بزوجته تريزا/جولييت بيونشه، المحافظة، وعشيقته سابرينا/ لينا أولين، بالإضافة الى البروفيسور فرانز/ديريك دي لينت، الذى هو أيضا على علاقة بسابرينا.

فيلم كائن لا تحتمل خفته

استطاع السيناريو أن يرسم شخصية كل منهم بدقة وسلاسة تعبر عن ما يدور بأنفسهم من أفكار مختلفة وسمات متمايزة تجعل كل شخص منهم لا يمت للشخص الآخر بصلة، ونتفهم من خلال جمل حوارية مكثفة طبيعة العلاقات المتشعبة ما بين الأربعة، من خلال المشاهد وتسلسل الأحداث، حيث يظهر كل منهم على حقيقته كما أراد السيناريو له، فتريزا محافظة من خلال طريقة ملابسها ونهمها للقراءة، وسابرينا الفنانة المتحررة من خلال عشقها لممارسة الجنس أمام المرآة، والتقاط الصور لنفسها عارية، وارتباطها بشخصين في نفس الوقت، وفرانز المثالي الذي يشبه إلى حد ما تريزا زوجة توماس.

وحين تبدأ المشاهد الأولى في الفيلم كما في افتتاحية رواية كنديرا، حيث “نري” تيريزا تصلي وتدعو لتوماس بالهداية، لنتعرف من خلال صلاتها أنه شخص ملول لا يتحمل الأعباء، أو حين نشاهد سابرينا تهاتف توماس في مكالمة ساخنة تدعوه فيها للمضاجعة وسط ضحكاتها المستهترة التي ترسم ملامح تحرر وفجور الفتاة، لتستمر رحلتنا في استمتاع فني مع شخصيات الفيلم وتصاعد أحداثه وتعقيداتها من خلال معلومات نتلقاها بصورة فنية دون وسيط من صديق/جوقة يمليها علينا.

بمشاركة

رسوم

أحمد بيكا

قصــة

نرمين يسر

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram