صراع على وطن المُختار

لمن الغلبة اليوم ؟

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

رغم مضي أكثر من ثماني سنوات على الإطاحة بنظام القذافي، إلا أنّ ليبيا لا تزال تعيش تحت حكومتين تتنازعان السلطة، في شرق البلاد بقيادة الشريك السياسي في الملف الليبي المشير خليفة حفتر وغربها بقيادة حكومة الوفاق فايز السراج المنبثقة عن اتفاق الصخيرات في 2016.

ومنذ الرابع من أبريل 2019، شَهد الملف الليبي منعطفات متسارعة على الصعيدين السياسي والعسكري. فميدانيا دخل طرفا النزاع في عمل عسكري تركز في الغرب الليبي باتجاه العاصمة طرابلس، ويؤكد المشير خليفة حفتر في تحركاته العسكرية على ضرورة إنهاء وتفكيك المليشيات المنتشرة في الغرب الليبي، بالمقابل تعتمد حكومة الوفاق استراتيجية لمنع سقوط العاصمة، وتستميت في الدفاع عنها، ومع تسارع زخم العمليات اتضح بعد مضي بضعة أشهر أنها تحولت إلى عمليات استنزاف على وقع تدخل أطراف جديدة على خط النزاع والتي ساهمت بشكل مباشر في تعديل ميزان القوى على الأرض بين طرفي الصراع الرئيسين، حيث دخلت تركيا في الساحة الليبية بموجب توقيعها مع حكومة السراج مذكرتي اتفاق في 27 نوفمبر من العام الماضي، وعلى إثرها تنامي الدور الروسي في ليبيا بهدف ملء الفراغ الناتج عن هشاشة الدورين الأوروبي والأمريكي في المنطقة.

وقد دفعت كل هذه التطورات مؤخرًا إلى تحرّك الأطراف الإقليمية والدولية لعودة إحياء المسار السياسي خشية من اندلاع حروب مباشرة تقضي على مصالحهم الجيواقتصادية في ليبيا، بالإضافة إلى تنامي مخاوف الأوروبيين من انهيار عوامل الاستقرار المجتمعي داخل ليبيا إلى أجل غير مسمى، وبموجبه وضمن صراع المحاور سارعت روسيا أوائل يناير الماضي إلى احتواء الموقف، فدعت كلا من المشير خليفة حفتر وفايز السراج إلى موسكو لتوقيع هدنة لوقف إطلاق النار، لكن جهود روسيا فشلت، بالمقابل تحرك الأوربيون من جديد ورعت ألمانيا مؤتمرًا للحوار الليبي في برلين 11 يناير الفائت بهدف إيجاد حل مستدام لوقف إطلاق النار والعودة لطاولة المفاوضات، وعلى الرغم من إن المؤتمر لاقى صدى كبيرا داخل الأوساط الأوربية والعربية لإنهاء حالة التشظي الليبي، وتبنى ثلاثة مسارات تفاوضية سياسية وعسكرية واقتصادية، إلا أنها لا تزال مُعطّلة بعد استمرار خروقات الهدنة وعودة إزكاء العملية العسكرية نحو العاصمة طرابلس، وعلى إثرها تبادل الطرفان الاتهامات حول الهجوم المتكرر على ميناء طرابلس ومطار معيتقية.

هذه التداعيات طرحت عدة تساؤلات عن ماهية الجهود الدولية المبذولة لتخفيف حدة النزاع، في ظل عدم التزام كامل بمخرجات قمة برلين، واستمرار تزويد معسكري الصراع بالسلاح. كما إنَّ تعقيد الأزمة وتداخل مصالح اللاعبين لا يسمح بوجود أرضية خصبة لبناء حل سياسي مستدام يتم عبره حل القضايا الرئيسية الخلافية ومنها مصير السلاح في أيدي الجماعات المسلحة، والموقف من حكومة السراج- كما يراه أطراف معينة بأنه ممثل شرعي للبلاد-، بالإضافة إلى دمج البرلمانين المنعقدين في طرابلس وطبرق ضمن برلمان موحد.

حفتر - غرفة عمليات الجيش الليبي

ليبيا مراحل تطور الصراع ونشوء التشكيلات العسكرية

على وقع إسقاط حلف الناتو لنظام معمر القذافي في العام 2011، دخلت البلاد في فراغ سياسي على أعقاب الفوضى الأمنية التي أنتجت خليط من المليشيات، وقد قاد عدم التوافق بين المؤسسات السياسية والفصائل المسلحة في البلاد، إلى زيادة التدخل الدولي في ليبيا وتكريس للنفوذ، واستمرت حالة الفوضى حتى دخول حفتر على مسار الأزمة مدعومًا من قبل عدة حلفاء والذي سرعان ما امتلك زمام الأمور بعد إعلانه في 14 فبراير 2014، عن حل المؤتمر الوطني وتجميد العمل بالدستور، وتشكيل حكومة تصريف أعمال ولجنة للإشراف على الانتخابات، وهو ما اعتبرته الحكومة الليبية المؤقتة برئاسة علي زيدان آنذاك انقلابا عليها ورغم أن المؤتمر واصل حينها عمله في إدارة أمور البلاد، إلا أن ذلك لم يقوض من طموح حفتر الذي يريد تحرير كامل ليبيا، حيث أعلن مجلس النواب في طبرق 17 نوفمبر- 2014 اعترافه الرسمي بعملية الكرامة بقيادة حفتر، واعتبرها عملية شرعية تابعة لرئاسة الأركان في الجيش الليبي والحكومة المؤقتة، وعلى إثر ذلك استطاع الجنرال خليفة حفتر في الفترة ما بين 2014 و2018 السيطرة على منطقة الهلال النفطي، في عملية أطلق عليها عملية البرق الخاطف في سبتمبر/ أيلول 2016، أعقبها توسيع سيطرته في شرق وجنوب البلاد، وأنشأ عددا من القواعد العسكرية على رأسها القاعدة الرئيسية في بنغازي.

منطقة الهلال النفطي الليبي

وتعد إنجازات حفتر حينها نتيجة حتمية لغياب أي دور للمجتمع الدولي في إنهاء حالة النزاع، رغم اعترافه باتفاق الصخيرات في العام 2016 والذي أنتج حكومة السراج في العاصمة طرابلس وأكسبها ما تراه هى نفسها شرعية دولية، وعلى إثر ذلك أصبح في ليبيا معسكرين لهما ميول وتوجهات مختلفة يمكن النظر لها وفق الآتي:

تعقد الأزمة بعد التوجه نحو طرابلس

التطور الأبرز الذي عقَّد المشهد الليبي تمثّل في إعلان المشير خليفة حفتر عملية الزحف العسكري في 4 أبريل 2019 نحو طرابلس، وذلك بعد نجاحه في السيطرة على مناطق الهلال النفطي وشرق البلاد، وأجزاء واسعة من الجنوب الليبي ويبدو أن أهمية الغرب الليبي وما يمثله من ثقل استراتيجي دفعه للإقدام على هذه الخطوة مستغلا دعم حلفائه الذين يطمحون لتأمين مصالحهم لا سيما فرنسا التي تُولي للساحل الغربي أهمية عالية كونه يتمتع بأهمية استراتيجية في حركة الموانئ البحرية والتجارة مع دول أوروبا، كذلك حفتر يرغب في إنهاء العمق الاستراتيجي لتمركز المليشيات الموالية لحكومة الوفاق، وإبعادها عن المناطق الحيوية المتحكمة بتوريد النفط مع شرق وجنوب البلاد.

وتتوزع ثروات ليبيا النفطية والغازية كما في الشكل التالي:

وبعد مرور بضعة أشهر على العملية العسكرية دون إحراز أي تقدم يذكر لقوات الجيش الليبي سرعان ما تحولت الحملة إلى حرب استنزاف بسبب تعادل القوى، وبروز دور فاعل للطرفين الروسي والتركي.

ومع تدفق السلاح على كل فريق من حلفائه الدوليين، تحول النزاع الليبي إلى مسألة صراع دولي، واحتدام الصراع بين القوى العظمى المتنازعة على ثروات ليبيا، والتي تتمتع بثروات جعلتها عبر التاريخ محل أنظار مطامع الدول الكبرى، ما استدعى في نهاية المطاف تحركا دبلوماسيا مكثفا لتخفيف حدة النزاعات والحفاظ على المكاسب، لا سيما أن الأطراف التقليدية المنخرطة في الملف الليبي بدأت تستشعر مهددات المحور الروسي التركي والذين سعيا إلى سحب البساط من يد الأوروبيين في محاولة لاستنساخ إلى حد ما التجربة السورية في ليبيا.

أردوغان والسراج

المحور الروسي التركي أربك حسابات الأوروبيين

بعد تنامي الفاعلية التركية الروسية مع المعسكرين الليبيين الشرقي والغربي حاولت كل من روسيا وتركيا إقناع الأطراف بضرورة وقف العمليات العسكرية، وإعلان وقف إطلاق نار تمهيدًا لبناء محادثات سلام بينهم بيد أن الاتفاق لم يتم.

الأمر الذي مهد الطريق أمام الأوروبيين لإعادة الإمساك بزمام الأمور بهدف تشكيل حالة ردع تقلص المساحة السياسية والعسكرية التي يعمل عليها المحور الروسي التركي، كما شكلت التطورات الجديدة إزالة بعض التباينات الجانبية القديمة التي كانت موجودة بين فرنسا وإيطاليا وارتقى الطرفان إلى ضرورة توحيد الموقف الأوروبي وتشكيل قوة ردع صلبة أمام توجهات تركيا وروسيا، لكن بنفس الوقت خف الزخم العسكري لمعركة طرابلس بعد إدراك الأطراف الداعمة لحفتر أن الاستمرار في الحسم العسكري دون إنهاء الفاعلية الروسية التركية ستقود إلى تعقيد المشهد الحالي وقد تتغير أدوار الفاعلين الرئيسيين وتستبدل لتصبح ثانوية، لا سيما بعد خلق مقاربات عسكرية جديدة في المشهد الليبي أحدثت توازنًا عسكريًا في مجالات سلاح الجو وتوفير منظومات دفاع جوي تركية الصنع أصبحت بيد حكومة الوفاق.

كل ذلك أدى إلى عودة أوروبية لإدارة الأزمة من جديد فتصدرت ألمانيا كطرف محايد جهود السلام كونها مقبولة من جميع الأطراف ورعت مؤتمر برلين للسلام بالتعاون من الولايات المتحدة التي أصابها استياء من تنامي النفوذ الروسي في المنقطة.

مؤتمر برلين مناورة أوروبية لكسب الوقت والهدف وقف النفوذ التركي

عقب انتهاء قمة برلين التي سبقها ترويج إعلامي لنجاحها في وضع خارطة حل نهائي لوقف إطلاق النار بين معسكري الصراع، دعت الأطراف المشاركة في بيانها لإنهاء الأنشطة العسكرية والالتزام بقرار الأمم المتحدة الخاص بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا مع وقف دائم لإطلاق النار، مؤكدين أن الحوار الليبي وحده هو الكفيل بإنهاء الصراع وفرض السلام.

كما حمل البيان دعوة إلى تشكيل لجنة عسكرية لتثبيت ومراقبة وقف إطلاق النار، تضم 5 ممثلين عن كل من طرفي النزاع، ودعا الأمم المتحدة إلى تشكيل لجان فنية لتطبيق ومراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، ولعب دور في مفاوضات تثبيت وقف إطلاق النار، فضلا عن احترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ومحاسبة كل من يتورط في شن هجمات على مدنيين أو المناطق المأهولة أو أعمال خطف وقتل خارج إطار القانون أو العنف الجنسي والتعذيب وتهريب البشر. كما حث المجتمعون في برلين جميع الأطراف الليبية على إنهاء المرحلة الانتقالية بانتخابات حرة وشاملة وعادلة، وإنشاء مجلس رئاسي فاعل وتشكيل حكومة موحدة وشاملة وفاعلة تحظى بمصادقة مجلس النواب، وشدد البيان على ضرورة حل الأزمة الليبية بواسطة الليبيين أنفسهم من دون تدخل خارجي.

وفي مسألة النفط، دعا المؤتمر إلى توزيع عادل وشفاف لعائدات النفط والامتناع عن الأعمال العدائية ضد المنشآت النفطية، ودعم تأسيس منظومة أمن وطنية موحدة في ليبيا، تحت سيطرة السلطة المركزية والمدنية، وقصر استخدام القوة على الدولة وحدها.

ورغم تطرق الحاضرين للمشاكل الرئيسية للملف الليبي لكنهم بنفس الوقت لم يوضحوا آليات التنفيذ ومسائل المحاسبة للأطراف التي قد تنفذ عمليات اختراق، إضافة إلى أن التفاهمات على البنود الرئيسية افتقرت لجدول زمني واضح المعالم، يلزم جميع الأطراف تنفيذ كامل البنود، ما يشي أن القمة جاءت على عجل بهدف إعادة الزخم للاتحاد الأوروبي وقطع الطريق على المحور التركي الروسي، بدليل أن مسألة حظر توريد السلاح لا تزال حاضرة دون أي تحقيق يذكر، فلا تزال الأسلحة تصل لطرفي الصراع برا وبحرا في وقت لا تزال فيه بعض الدول الأوروبية تدرس مقترحات لكيفية مراقبة المداخل البرية والبحرية التي يصل من خلالها السلاح.

الأمر الذي جعل من مؤتمر برلين كسابقه سواء في لقاءات باريس في 2017- 2018 وباليرمو التي رعته إيطاليا ومبادرة عربية رعتها بعض الدول العربية. فيما الأمر الوحيد الذي يختلف فيه هذا المؤتمر عن المؤتمرات السابقة، هو رفض رئيس حكومة الوفاق فائز السراج لقاء خليفة حفتر والجلوس معه وهو ما أربك بعض الحضور من جهة وكشف عن تخبط في الرؤية الأوروبية من جهة أخرى على أعتاب دخول روسيا وتركيا على الخط وتصدرهما مبادرات كانت قد سبقت قمة برلين التي تبيّن أنها جاءت كمناورة أوربية على عجل ومن دون خطة عمل واضحة.

استقالة المبعوث الأممي

عقب انتهاء قمة برلين وفشل الجهود الأولى في تفعيل المسارات الثلاثية المتفق العمل عليها في بنود قمة برلين، واحتدام المواقف جاء إعلان مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة عن استقالته بدعوى أنه وضعه الصحي لم يعد يسمح له باستكمال مهمته في ليبيا، لكن وبحسب مصادر خاصة فإن غسان سلامة اختار الهروب للأمام والتملص من أي مسؤولية تجاه شرذمة الوضع في ليبيا بعدما وجهت له بعض التهم عن انحيازه لطرف على حساب الآخر، وبالتالي عندما استشعر أن الملف الليبي تحول إلى صراع دولي اختار الاستقالة وإبعاد كامل الشبهات عنه.

على ضوء كل ذلك ومن خلال تسارع الأحداث بعد مؤتمر برلين يظهر على السطح أن معركة كسر الإرادات السياسية والعسكرية لا زالت حاضرة وقد ترتفع حدتها بعد بلورت محور تركي روسي صاعد أمام دور أوروبي متصدع ويعاني من هزات ارتدادية غيرت حساباته التقليدية في ليبيا حتى أصبحت الأولويات الآن تتمثل في محاولة الحصول على جزء من المكاسب بعدما كان مستفردًا في الساحة الليبية.

لذا فمن المرجح أن تستمر قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر في تنفيذ عمليات عسكرية بهدف استمرار الخناق على معسكر السراج بأدوات الحرب العسكرية والاقتصادية في معادلة النفط الليبي لدفعه للاستسلام، لكن من غير المتوقع أن يتم استنزاف طرف على حساب آخر بالنظر لإعادة الزخم العسكري لقوات السراج واستماتتها في الدفاع عن العاصمة طرابلس.

ورغم كل ذلك، تبقى كل الاحتمالات والسيناريوهات نسبية في ظل غياب إرادة المجتمع الدولي والأمم المتحدة في إنهاء نزيف الدماء المتواصل لليبيين، فمهما استمرت المناورات العسكرية والسياسية بين الأطراف فهي لن تقود لحل نهائي وشامل دون رعاية دولية تفرض على جميع الأطراف الالتزام بخارطة طريق الحل النهائي، فمؤتمر برلين ورغم أنه حقق هدوءا نسبيا لكنه افتقر للآليات الملزمة التي تفرض على الأطراف تطبيق وقف دائم لوقف النار، ناهيك عن غياب آلية المحاسبة للأطراف التي تخرق الاتفاق ضمن معادلة اختبار القوة ومحاولة نزع المكاسب لتقوية موقفها السياسي حيال أي مفاوضات لاحقة.

قصة

يمان دابقي

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

Start typing and press Enter to search