“الصعلكة” في سينما داود عبد السيد

علاء خالد

كاتب مصري

بدأ مفهوم “الصعلكة” يأخذ أهميته في فكر وأفلام المخرج داود عبد السيد، بل ويتسامى معه المفهوم ويتشكل فنيًا فى قوالب عدة، ليصبح أحد ثوابته كمخرج له رؤى يكررها فى أفلامه، أو ما يسمونه بـ”سينما المؤلف”.

ستصير “الصعلكة” وبأشكالها المجازية، هى الهدف: التحرر من القيود. فـ”الصعلكة” لها أوجه كثيرة، ربما أهمها الانفصال والخروج عن نمط اجتماعي وفكري سائد ومنظم ومقيد للحرية.

يسلك هذا الخروج في أفلامه عدة أشكال منها التمرد على الطبقة الاجتماعية، كما في سلوك الطبيب في فيلم “رسايل البحر”. ومنها الزهد وتصاعد نبرة الصوت للعالم الداخلي، كما عند الشيخ حسني في “الكيت كات” عبر علاقته بالحشيش.

وتتبدى الصعلكة هنا عبر التمسك بهذا الجانب الآخر من الوعي الذي يوفره الحشيش، فالحشيش ليس فقط من أجل نسيان قسوة الحياة، بل للاتصال بالنفس عن طريق آخر، بدون قيود اجتماعية صارمة.

 ومنها أيضًا طريق الوجد أو الحدس كما في دور “حسن حسني”، “عم ركبة” القرداتي الكفيف في فيلم “سارق الفرح”.

ومنها التمرد على الطبقة الاجتماعية الفقيرة، كما يظهر أيضًا في أبطال فيلم “سارق الفرح” الذين يشكلون عالمًا من الصعاليك الإنسانيين.

فمفهوم “الصعلكة” أكتسب تعاطفًا بتداخله مع نماذج إنسانية قلقة لها تجربتها المختلفة في الحياة، تحاول أن تحسن من شروط حياتها الاجتماعية والإنسانية الروحية معًا.

 ***

“الصعلكة” أيضا رحلة، يقطعها البطل كما في فيلم “البحث عن سيد مرزوق”، فالصعلكة هنا  عبارة عن رحلة في عالم سوريالي، غير واقعي، يخرج عن نظام وسلطة العقل،  فالبطل “يوسف كمال”، يستعيد نفسه عبر دوامات من الصعلكة الحلمية، السوريالية، التي تعيد تركيب الواقع المنظم بالنسبة له، وتمنحه الهوية المفقودة، أو تسحب منه هويته المزيفة التي كان يعيش بها حياته العادية.

تقترب “نرجس” بطلة أرض الأحلام، من هذا السلوك أيضًا، تتحول “الصعلكة” عبر عوالم مختلفة والتنقل بينها، إلى شكل من أشكال استعادة الهوية المفقودة “العثور على جواز السفر” وسط عالم مغاير تمامًا فى قسوته وفساده وذنوبه.

أيضًا رحلة الضابط “يحيى المنقبادي” أو “يحيى أبو دبورة”  في “أرض الخوف”، التائه وسط عالم الجريمة، فلا يمكن استعادة الهوية إلا عبر رحلة تيه داخل هوية/عوالم أخرى، بدون ضمانة، ومحفوفة بالخطر، وبفقد الهوية الأصلية.

 ***

في الفيلم التسجيلي “العمل فى الحقل” الذي صنعه المخرج سنة 1980، يتحدث فيه داود عبد السيد عن الفنان التشكيلي “حسن سليمان”. يظهر بوضوح التداخل المباشر بين المفهومين: الحرية والصعلكة، اللذين يميزا الفنان حسن سليمان.

ودخول المخرج بأحلامه داخل حلم الفنان وتصريحه بأن هذا الفيلم ذاتي، عن حسن سليمان وعن نفسه أيضًا، يعني تبنيه لنموذج “الصعلوك” المتحقق فى حسن سليمان، الذي اشتهر كفنان متمرد على الأنساق الاجتماعية والفنية، السلطوية بشكل عام، وهو مأ أثار رغبة المخرج في صناعة فيلم عنه.

 ***

ربما نموذج “الصعلكة” في فيلم “الصعاليك” هو النموذج الخام، الذي خرجت منه الأشكال السابقة، مع اتساع مساحة الرؤية من حولها في باقي الأفلام.

وأيضًا الجغرافية الاجتماعية التي ستصبح إحدى رموزه ودلالاته. فقد اختار داوود لهذين الصعلوكين الصديقين “صلاح ومرسي”، أن يعيشا على سطح إحدى العمارات القديمة في الإسكندرية لما لهذا المكان من تسامٍ جغرافى، فقد وضعهما على أعلى سلم الموجودات، كالطيور، بالقرب من السماء والحرية.

فأ”الصعلكة” في هذه الحالة، كما يراها، حالة من السمو، وكلما ازدادا ثراء تركا هذا المكان العالي وهبطا للأرض متخلين عن حريتيهما.

 ***

بالتأكيد نرى هنا نموذجا أخلاقيا جديدا، يمثله “الصعلوك”، وأهميته أنه ليس نموذجا دينيا من يقول بهذا، وإن كان به مسحة منه، فبدل الإيمان يضع “الحرية” التى تقرب الإنسان من السمو، ومن الله. وأيضا هو ليس نموذجا سياسيا من يبشر بهذا، وإن كان أيضا به مسحة منه كونه تبشيريا؛ ولكنه نموذج إنسانى مرتجل خرج من عب هذه النماذج الكلية الموجودة فى السينما المصرية والثقافة بشكل عام ليصنع ويؤسس نموذجه الفكرى الجديد.

***

دائمًا سيتواجد المكان العالي في أفلام داود عبد السيد، وسيختلط برمزية دينية بوصفه المكان الأفضل الذي يحمل صفات إضافية ما، أحيانًا هو “الجنة”، أو مكان الحرية كما فى “الصعاليك” و”قدرات غير عادية”، وأحيانًا يختلط برمزية اجتماعية بوصفه المكان الأعلى من كل الطبقات.

نلحظ خلطًا دائمًا ومتعمدًا، عند داوود، بين استلهام رموز دينية من داخل واقع اجتماعى، أو تحميل الواقع الاجتماعي واقعًا آخر رمزيا. بوصف هذا المكان العالي (كالسطح في الصعاليك) المكان الذي يمنح الطبقات الدنيا وضعًا طبقيًا جديدًا رفيعًا ليفصلهم عن الطبقات الأخرى المستغلة لها، ولكي يعوضهم قليلًا عن ما فقدوه.

فالمكان العالي مكافأة رمزية وجغرافية، حسب طريقة النظر إليه. كما سنرى في “سارق الفرح” وأيضًا “قدرات غير عادية”، وأحيانا سيتطور المكان العالي ليصبح هذا العلو نوعا من الفجوة أو الانفصال الاجتماعى أو الحماية كما فى “الكيت كات” وأيضا “سارق الفرح”، بعد أن يسكنه مجتمع هامشى كامل يقع على تماس مع مجتمع آخر، ويريد حماية ما.

 يختلط سمو المكان العالى مع فكرة الحماية، كأن السمو شكل من أشكال الحماية، وإعادة الفرد، الطبقة، أو الكائن الأسمى؛ لمكانه بعيدا عن كل ما يهدده.

***

طبعا هناك تداخل بين مفهوم “الصعلوك” مع مفهوم  “الهامشي”، خصوصا في أفلام “الصعاليك” أو “سارق الفرح” أو “مواطن ومخبر وحرامي”. أتخيل هذا التداخل، جزءا من إرث ثقافة اليسار المصري ومكانة “الصعلوك” السامية بها.

كان العديد من جيل الستينايت، دائما ما يفتخرون بكونهم “صعاليك”، ويمارسون “الصعلكة” في حياتهم، عبر “تنفيضهم” لكل أشكال السلطة المباشرة، حتى تحولت لشكل متعصب، أو أحد أمراض الخوف من السلطة. ولكن أبطال داود عبد السيد لم يصلوا بعد لهذه الحالة من الوسوسة.

في سينما الثمانينيات التي ينتمي لها داود عبد السيد . تصادف حضورا احتفاليا لطبقات هامشية، وأبطال هامشيين يُرد لهم الاعتبار للمرة الأولى، عن طريق تقديرهم إنسانيا، وتثمين خصيصة طبيعية فيهم، وليس بسبب نظرة أخلاقية مسبقة لهم.

يظهر مع هؤلاء الأبطال نوعان جديدان من “الحقيقة” و”الواقع”، واللذين لم يُمنحا هذه الفرصة للظهور بهذا الشكل الملحمي، بالرغم من هدفهما الواضح فى التعرية ورفض أى تذويق لهما؛ كون السينما من قبل كانت تتحدث دوما عن قضايا أخلاقية عامة تخص صورة المجتمع عن نفسه ولا تخص صورة الفرد، طبعا باستثناءات قليلة.

 ***

كان “الفرد” جزءا من تشكيلة عريضة لا تسمح له بعرض تلك الأماكن الأكثر غورا بداخله. هذا الحضور المُلح “للفرد”، فى أفلام داود عبد السيد، ليس بوصفه حالة نفسية أو مستثناة، كما فى بعض الأفلام الأخرى، ولكن بوصفه تمثيلا جديدا؛ صبغ الواقع الذى يحوطه بصبغته الشخصية، ومنحه جزءا من جوانيته الشعرية، كأنه “واقع” له مزاجية هذا “الفرد” وعمقه وتعقيد طبقاته وطباعه، بل وقابل للتشكُّل من جديد، ومرن ويمكن تغييره.

كأن هذا “الفرد” هو خالقه، أو على الأقل مشارك معه فى عملية خلق متبادل. وبالطبع نموذج ” الصعلوك” وتعدده أحد تمثلات هذه الفردية الشعرية.

 ***

فى فيلم “الصعاليك” هناك علاقة بين صديقين يبدآن من أول درجات السلم الاجتماعي، ولكنها الدرجة الأكثر حرية، لأن ليس تحتها أى درجة. درجة صفرية تبدأ منها الحركة، والتى لامحالة لن تطول لأنها بداية لاتتحمل هذا المقدار من التقشف والفراغ: درجة الصعاليك.

كلما تخليا عن هذه الدرجة الصفرية من الحرية بدأت صداقتهما تفقد معناها بعد أن وصلا لأعلى السلم الاجتماعى، ويبدأ تأكل عصا الإيمان من أسفل دون أن يشعرا.

الصعلكة وهذه الدرجة الصفرية من الحرية كانتا أساس الرابطة الأخوية التى تربط بينهما، لما تتسم به من تحييد لمشاعر الملكية والاكتناز.

كأن علاقتهما مرتهنة بحب الحياة والزهد معا، وملء هذا الفراغ الموحش، أو الحرية الموحشة، التى تتسم بها “درجة الصعاليك، لذا ليست الصعلكة تسكعا في الحياة، وإنما يقف وراءها قانون صارم وشديد القسوة أيضا.

***

هناك بالطبع ارتباط بين الصعلكة والفردية، فكل الصعاليك أفراد خرجوا عن القطيع، أو النظام، الخارجي أو الداخلي، لذا يتحرك نموذج “الصعلوك” ليصبح رمزأ، أو أحد النماذج المطروحة للخروج من مأزق العادية والاستهلاك، وفقد الهوية الإنسانية، وممارسة الحرية بالطريقة التي يجب أن يمارس بها.

أيضا ارتبطت رحلة خروج الصعلوك من طبقته، حياته، بسيرة ذاتية، تؤكد وتدعم وتحوط هذه الفردية، فالصعلوك نموذج مجازي. الصعلكة لها سمات الرحلة الفردية، ولكن في خط ممتد بدون رجعة فالصعلكة مهنة، وليست درجة تحول، هي اختيار أبدي كالتمرد.

 وإن حدث حياد عن هذه الدرجة، يأتي الموت كما في فيلم “الصعاليك”، فحياة الصديقين كانت في صعلكتهما، وليس في تحولهما لأغنياء، فسيرة “الفرد” هنا تتلخص في تمسكه بصعلكته، وليس في خيانتها، فالصعلكة “صفرية” مثل الديانة، أو النزاهة الشخصية.

أحيانا يمنح داود عبد السيد صعلكة أبطاله درجة وجودية من التسامي. صعلكة وجودية، لا تدافع فقط عن الحرية، بل وتقدسها كشرط أساسي للحياة، يتعالى أحيانا عن شرط الفقر والمتطلبات الأساسية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram