زوايا

الصكوك السيادية .. ملاذ حكومي للإنعاش وسد عجز الموازنة

تمثل الصكوك بالنسبة لوزارة المالية المصرية “عصا موسى” التي يمكن من خلالها تحقيق عدة مآرب في آن واحد، مابين سد عجز الموازنة العامة للدولة، وإنعاش معدل الاستثمار المحلي بجذب شرائح من رؤوس الأموال تحكم الشريعة حركتها، واقتناص جزء من كعكة التمويل الإسلامي المتنامي عالميًا.

مرت الصكوك بمخاضٍ طويل استمر ثماني أعوام حتى الولادة، شهدت موجات من الشد والجذب المجتمعي، ومحاولات تفصيل بنودها لأغراض سياسية، وجدل ظل مستمرًا حتى بعد إقرار قانونها أخيرًا تحت قبة البرلمان المصري بغرفتيه النواب  والشيوخ.

دفعت الخزانة المصرية ثمنًا لمشروع قانون وضعته جماعة الإخوان، إبان وجودها في السلطة، بمواد تتيح تأجير ورهن أصول الدولة، ما أثار موجة غضب بين الأحزاب والتيارات السياسية في مصر لم تتوقف إلا بتجميد القانون.

ثم قطعت الحكومة الحالية خطوات ملموسة في تبديد المخاوف المحلية المتعلقة بالتصكيك، بعدما قصرت مسؤوليته على وزارة المالية فقط، واشترطت موافقة مجلس الوزراء في خطوة اعتبرت كافية لحماية أصول الدولة.

ولم يمانع وزير المالية محمد معيط، أثناء مناقشة القانون في البرلمان، إضافة عبارة تؤكد عدم طرح “السد العالي وقناة السويس” ضمن الصكوك، رغم أنها ممتلكات عامة لا ينطبق عليها القانون، وذلك حتى يزيد من طمأنة الرأي العام للمشروع.

تمثل الصكوك آلية تمويل تستهدف بها الحكومة سد عجز الموازنة العامة ببيع حق الانتفاع (دون حق الرقبة) في أصول مملوكة للدولة

وفُتحت مساحات أوسع أمام استثمارها، فلا يوجد حد أدنى للإصدارات كما في النسخة القديمة التي تضمنت حدًا أدنى لقيمة الإصدار بـ100 مليون جنيه، وعليه أصبح المجال مفتوحًا أمام مختلف شرائح المستثمرين.

وكان القانون الذي صدر في عهد الإخوان، يتضمن هيئة شرعية مركزية لإصدارات الصكوك، تضم 11 عضوًا دون أن تحدد هويتهم. لكن في النسخة الجديدة من القانون قُلّصت الهيئة إلى لجنة رقابة شرعية مكونة من خمسة أعضاء فقط من الأزهر، ويرهن إصدار الصكوك على موافقة اللجنة، على ألا يكون أي من أعضائها عضو في اللجان الفرعية بالجهات المصدرة، لمنع تضارب المصالح.

الصكوك.. من إسلامية إلى سيادية

غيّر القانون الجديد الاسم من الصكوك الإسلامية إلى السيادية. بحسب عبدالرحمن عليان، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، فإن ذلك النوع من التمويل “لم يعد بحاجة لتعريفه، فالجميع يعلم أنه متوافق مع الشريعة”.

والصكوك السيادية هي أوراق مالية تعطي لحاملها ملكية حصة في أصول مشروع محدد أو نشاط استثماري، وتكون قابلة للتداول بصيغ التمويل الإسلامي المعتادة من المضاربة والمرابحة والمشاركة وغيرها.

اقرأ أيضًا: صكوك سيادية في مصر: بما لا يُخالف شرع الله

وتمثل الصكوك آلية تمويل جديدة، تستهدف بها الحكومة سد عجز الموازنة العامة، عبر بيع حق الانتفاع (دون حق الرقبة) في أصول مملوكة للدولة، أو بتأجيرها، أو عن أي طريق آخر يتفق مع عقد الإصدار.

وحق الرقبة هو تملك العين أي الأصل نفسه، وأحقية التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرها من صور تصرف المالك في ممتلكاته. أما حق المنفعة فيعني إباحة منفعة الأصل بإيجار فقط، ما يعني أن الصكوك بالمشروع الحكومي تمنح المستثمرين حق التملك المؤقت (انتفاع) لمدة 30 عامًا، دون ملكية دائمة أو قدرة على التصرف في البيع.

الصكوك
من المتوقع أن يصل حجم إصدار الصكوك عالميًا في 2021 إلى 155 مليار دولار

وترغب الحكومة بالصكوك السيادية “جذب مستثمرين جدد من منطقة الخليج العربي، ممن يفضلون المعاملات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وكذلك شريحة من المستثمرين المحليين ينظرون بقدر من الريبة للفائدة رغم تأكيد جميع الجهات الدينية المحلية مشروعيتها، فهي (الصكوك) تعتمد على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة وليس الفائدة الثابتة”، بحسب عليان.

في المؤتمر الصحفي الذي عُقد الأسبوع الماضي، بدا وزير المالية متحمسًا لإصدار الصكوك، إذ أكّد أن الوزارة ستستفيد منها فور إقرارها والتصديق عليها، لتوفير  التمويل اللازم للمشروعات الاستثمارية الجديدة، مع إمكانية إعادة هيكلة المشروعات التابعة للحكومة والمملوكة لها ملكية خاصة لفترة محددة.

وردًا على سؤال من “ذات مصر” على هامش المؤتمر، قال الوزير محمد معيط، إن الوزارة منفتحة على جميع مصادر التمويل التي لا تزيد العبء على الموازنة، وفي مقدمتها الشراكة مع القطاع الخاص والصكوك الإسلامية.

وضرب وزير المالية مثلًا بالميناء الجاف في مدينة السادس من أكتوبر، وكذلك الميناء الجاف في مدينة العاشر من رمضان، حيث يجري العمل على بنائهما دون أن يكبدا موازنة الدولة جنيهًا واحدًا، وفقًا لمعيط: “الدولة توفر الأرض فقط، والمستثمر يبني ويشغل ويوظف”.

ومنذ سنوات تسعى الوزارة إلى تقليل إصدارات أذون الخزانة قصيرة الأجل، التي يصل مداها الزمني إلى 90 يومًا فقط، وفي اليوم الـ91 تكون ملزمة بسداد أصل المبلغ الذي اقترضته مضافًا عليه فائدة تصل لـ13%، ما يعني أن كل مليار جنيه تقترضه ترده مليار و130 مليون جنيه بعد ثلاثة أشهر فقط.

ومثلت الطروحات الخارجية فرصة للخزانة المصرية، بسبب ميّزة انخفاض الفائدة عند 3.8%، ولمداها الزمني الأول. لكن في المقابل، سدادها بالدولار الذي تحتاج إليه الوزارة لتغطية عمليات الاستيراد من الخارج. كما أن التوسع في الطروحات الخارجية يرفع الدين الخارجي الذي يمثل حاليًا نحو 21.7% من إجمالي الناتج المحلي.

احتياجات تريليونية

وتقدر قيمة الاحتياجات التمويلية في الموازنة المصرية للعام المالي الجديد 2021/2022 بنحو تريليون و68 مليار جنيه، موزعة بين سد العجز الكلي للموازنة بقيمة 475.5 مليار جنيه، وسداد فوائد القروض المحلية والأجنبية بقيمة 592.9 مليار جنيه.

وتوضيحًا، فالأصول المملوكة للدولة ملكية عامة، تكون مخصصة للنفع العام، ولا يجوز الحجز عليها أو تملكها بالتقادم أو بوضع اليد. تخضع هذه الأصول للقانون الإداري، وتكتسب ملكيتها بمقتضى القانون أو بقرارات وزارية أو جمهورية.

أما الأصول المملوكة ملكية خاصة، فتحكمها قواعد القانون المدني مثلها مثل الأفراد، مع حمايتها من التعدي عليها.

وتستهدف الصكوك السيادية هذا النوع من الأصول (المملوكة ملكية خاصة)، والتي سيصدر بها قرارًا تفصيليًا من مجلس الوزراء قريبًا.

وما يجعل الصكوك بديلًا أكثر خصوصية من أدوات التمويل التقليدية مثل الأذون والسندات، أنها “تخصص لغرض معين لا يمكن تغييره”، وفقًا لصلاح الدين فهمي، رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر، ورئيس وحدة الأبحاث بالمركز الدولي للاستشارات الاقتصادية.

وأضاف فهمي لـ“ذات مصر”: “ستكون الصكوك موجهة لبند الاستثمارات في الموازنة، ما يعني أنها ستصب في زيادة الإنتاج والتشغيل، على عكس أذون وسندات الخزانة التي تُوجّه لمصروفات مثل الدعم والأجور وسداد القروض”.

وتأتي الصكوك السيادية في سياق عمليات تنقيب وزارة المالية عن موارد لتمويل عجز الموازنة، بعيدًا عن الوسائل التقليدية المتمثلة في أذون وسندات الخزانة، إذ لا يزال يمثل بند الفوائد أكبر مكون لمصروفات الموازنة، بما يعادل 31.5% من إجمالي المصروفات العامة البالغة 1.8 تريليون جنيه.

وكان وزير المالية صرّح بأن الحكومة تفكر أيضًا في طرح سندات الاستدامة بالتعاون مع الأمم المتحدة، لتكون مصر الدولة الأولى في آسيا وأفريقيا بعد تطبيق هذه الطروح في الإكوادور بأمريكا اللاتينية. كما درست الحكومة طرح السندات الاجتماعية المطبقة في المكسيك، ووجدت أنها شبيهة بما تطرحه من السندات الخضراء.

ويرى فهمي أن إصدار الصكوك جاء متأخرًا، “ما حرم الدولة من مساحة تمويل ضرورية للمشروعات الكبرى التي تدشنها حاليًا”، خاصة في ظل توجه الحكومة نحو سياسة الشراكات مع القطاع الخاص، متمثلة في تدشين العديد من المشروعات، لا سيما في القطاع العقاري.

الصكوك في نمو عالمي

خلال أقل من عقدين حقق التمويل الإسلامي نموًا عالميًا بمعدلات قياسية، ليرتفع من 200 مليار دولار في 2003 إلى 1.8 تريليون بنهاية 2013، ثم 2.7 تريليون دولار بنهاية يونيو 2020.

تتوقع وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني، أن يصل حجم إصدار الصكوك عالميًا في 2021 إلى 155 مليار دولار، مع استمرار انخفاض معدلات الفائدة وقلة تكلفة الائتمان، وتوافر السيولة بالسوق.

السندات الخضراء
تجذب الصكوك شريحة من مستثمري السندات الخضراء

من جهة أخرى، تجذب الصكوك شريحة من مستثمري السندات الخضراء، هؤلاء الذين يبحثون عن استثمارات تتوافق مع البيئة وخطط التنمية المستدامة، مثل مشروعات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والمدن الذكية الخضراء، وفقًا لصلاح الدين فهمي.

وبصورة عامة، يشترك مستثمرو الصكوك والسندات الخضراء، في استهدافهم استخدام أموالهم “على نحو يتوافق مع معتقداتهم وأخلاقياتهم، عكس المستثمر التقليدي الذي يسعى لتعظيم العوائد مع تحجيم مستوى المخاطر”، كما يقول مايكل بينيت، مدير قسم العقود الاشتقاقية والتمويل المهيكل في البنك الدولي.

ويضيف بينيت أن المشروعات الجاذبة لمستثمري الصكوك تتشابه مع المشروعات التي يسعى وراءها مستثمرو السندات الخضراء، خاصة في مجالات الاستدامة البيئية والطاقة المتجددة. ويجمعهم أيضًا عدم إمكانية تغيير المجال الاستثماري لأموالهم.

من جانبها، بدأت مصر في جهود التحول نحو الاقتصاد الأخضر تنفيذًا لرؤية 2030. ومن المستهدف زيادة الاستثمارات العامة الموجهة للمشروعات الخضراء من 15% في خطة العام المالي الحالي (2020/2021)، إلى 30% في خطة العام المالي المقبل (2021/2022).

وبحسب بيانات وزارة التخطيط المصرية، فإن عدد المشروعات الخضراء المدرجة في خطة العام المالي 2020/2021، تناهز 691 مشروعًا بتكلفة إجمالية حوالي 447.3 مليار جنيه. تتركز غالبيتها بقطاعات الكهرباء والطاقة والنقل والمياه والصرف الصحي، بنسبة 30% حاليا ترتفع إلى 50% خلال الأعوام الثلاث القادمة.

الاقتصاد الأخضر

مبالغ ضخمة خارج الخدمة

بسبب حساسيات الفائدة، ثمة مبالغ مالية ضخمة خارج الخدمة المصرفية في مصر. يمكن الاستدلال على ذلك بمشروع قناة السويس الجديدة، حين خرج من أموال المصريين المباشرة 64 مليار جنيه خلال فترة قصيرة، بعد تأكد المساهمين بأن أموالهم موجهة لمشروع محدد، وأن العائد من إيرادات معروفة.

يدلل المصرفيون على رغبة المصريين الاستثمارَ في مجالات “مطمئنة شرعيًا”، بنتائج بنك فيصل الإسلامي، الذي حقق أرباحًا قبل الضرائب، وصلت لـ941 مليون جنيه خلال الربع الأول من 2021، بزيادة 58.2% عن الفترة ذاتها من العام السابق، فيما ارتفعت عوائده خلال نفس الفترة بما يعادل 3.3 مليار جنيه.

من هنا، يقول مصرفيون إن الصكوك ستمثل حلًا مناسبًا للشرائح التي تفضل المعاملات المالية ذات الطابع الإسلامي.

تقول بسنت فهمي، المستشار السابق لرئيس بنك “البركة مصر”، والمتخصصة في الصيرفة الإسلامية، إن الصكوك تتسم بمرونة شديدة مع إمكانية توظيفها في جميع المشروعات. وتشير، في حديثها لـ“ذات مصر”، إلى نجاح تجربة الصكوك في ماليزيا، التي تعد أكبر حامل للصكوك السيادية طويلة الأجل بنحو 84 مليار دولار، وتستخدمها في 80% من احتياجات تمويل العجز المالي. تليها إندونيسيا بنحو 40 مليار دولار.

وتتضمن الصكوك أنواعًا متعددة لكل منها مسمى يرتبط بنشاطه، ما بين التي يصبح حاملها مالكًا للخدمة، ويحصل على عوائد بيعها مثل البرامج التعليمية والصحية في الجامعات أو المستشفيات. هناك صكوك الاستصناع التي يستخدمها رجال الأعمال في التصنيع، ويصبح حاملها مالكًا للمنتج. وتشمل قطاعات تشييد الأبنية والجسور والطرقات ومحطات توليد الكهرباء ومحطات المياه، وما إلى ذلك.

وتضم الصكوك أيضًا أنشطة المرابحة المرتبطة بشراء المعدات، والمشاركة التي تصدر بغرض تمويل مشروع، وكذا المضاربة التي تصدرها جهة تتولى إدارة المشروع المقترح بغرض تمويله، وبموجبها يكون حامل الصكوك مشاركًا بنسبٍ في الأرباح.

وتشمل أيضًا صكوك المزارعة التي يصدرها صاحب أرض لتمويل تكاليف زراعتها، ويتشارك حامل الصك مع صاحب الأرض في المحاصيل المنتجة. وهناك صكوك المساقاة المتعلقة بإنشاء الآبار ومد شبكات المياه، والمغارسة المرتبطة بمزارع الأشجار المثمرة التي تحتاج لشتلات مرتفعة الثمن.

محمد سيد

صحفي وباحث مصري متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى