وجهات نظر

الصوفية الطرقية في السودان وجدل التطبيع مع إسرائيل  

الكاتب الصحفي مصطفى زهران

دفعت التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام “البشير” العديد من القوى الدينية الإسلامية “المحافظة”، مثل الصوفية الطرقية، إلى استشعار ضرورة لعب دور في خارطة المشهد المستقبلي بالسودان.

وذلك لشغر المساحة التي أحدثها تراجع الإسلام السياسي وتقلصه، وذلك على المستويين السياسي والمجتمعي “الديني”، عززه انتهاج السلطة السياسية التي تشكلت من قبل الجيش وبعض القوى البيروقراطية السودانية المعارضة “مسلكا” ليبراليا، مخالفا للمشروع الذي مثلته الحركة الإسلامية السودانية بكل تنويعاتها الحزبية والجماعاتية في السلطة على مدار أكثر من ثلاثة عقود، الذي كان الرئيس الأسبق عمر البشير جزءا منه، إلا أن ثورة شعبية أطاحت به جراء سلطويته واستبداده.

ومن القوى الدينية التي سعت إلى أن تشغل هذا الفراغ في الفضائين السياسي والمجتمعي بالسودان كانت “الطرق الصوفية”، والتي برز دورها التأثيري القوى والفعال في الاشتباك المباشر مع قضية التطبيع مع “إسرائيل” التي أقدمت عليها الحكومة الانتقالية التي تشكلت عقب سقوط البشير، وربطت الحاجة إليها بالرغبة في رفع العقوبات الأمريكية عنها، ومن ثم فك عزلتها التي نجمت عن سياسات النظام السابق -العدائية- في الداخل والخارج، على حد سواء.

 الصوفية الطرقية من البشير إلى حمدوك

يمثل التصوف القاعدة الرئيسة التي تتشكل منها الحالة الدينية في السودان، وذلك نظرا لتجذره في البنى المجتمعية هناك منذ عقود تلو عقود، وشهد النصف الأول من القرن الماضي هجرة عدد من الأفكار الإسلامية والأيديولوجية إلى أن جاء آخره ليشهد تناسل الكثير من التنظيمات والجماعات المختلفة من سلفية وإخوانية وغيرها، فيما بقي التصوف الطرقي يمثل ركيزة هامة بما يحظى من سلطة روحية ومكانة قيمية في صلب المجتمع السوداني، بفعل التاريخ والجغرافيا، إذ تتوزع تمركزاتها باختلاف طرقها على ولايات السودان المختلفة، ما أهلها لأن تفرخ الكثير من الرموز السياسية في السلطة على امتداد العقود السابقة، ويقدر نحو أكثر من أربعين طريقة صوفية تتوزع أسماؤها ما بين (السمانية، الختمية، العزمية، التيجانية، القادرية، الكباشية، المهدية… إلخ) وغيرها في الداخل السوداني.

ولعبت الطرق الصوفية دورا مهما ورئيسا في الثورة السودانية، رغم تباين موقف بعضها حيالها في بداية الأحداث آنذاك، ولكن سياسات نظام البشير كانت محفزا رئيس في أن تلعب هذا الدور الفاعل فيه، فقد أعطى للتيار السلفي – خصمها التقليدي- حرية التواجد والانتشار ما أشعرهم بالقوة التي دفعتهم إلى الاشتباك معهم، والتعدي على مساجدهم التي تضم الكثير من مقامات الأولياء والصالحين، وذلك على مرأى ومسمع من القوى الأمنية السودانية التي غضت الطرف عن تلك الممارسات، الأمر الذي يفسر دورها في الإطاحة بالبشير ومحاولة تموضعها بشكل أكبر من ذي قبل، والسعي للعب دور مغاير عن سابقه، إلا أنها في سياق صيرورتها تلك، اصطدم جزء منه بالمتغير الأيديولوجي الحادث لدى السلطة السياسية الحاكمة في اللحظة الراهنة، التي انتهجت منحى علمانيا يخالف توجهات الصوفية الطرقية، في كثير من القضايا السياسية والمسائل الاجتماعية، فضلا عن الأمور الدينية.

الصوفية الطرقية والتطبيع

كانت الطرق الصوفية التقليدية في السودان على رأس القوى الدينية التي تأرجحت مواقفها إزاء التطبيع مع الدولة العبرية، واستند تباين مواقفها إلى وجهتين رئيسيتين، إحداهما معارضة، والأخرى مؤيدة للتطبيع مع إسرائيل.

كانت عمادة الرؤية الأولى -المعارضة- تنطلق من كون هذه الخطوة لم تكن معبرة عن الطموحات والآمال التي دفعت الشارع السوداني للانتفاض في وجه البشير ونظامه السابق، بل جاءت مخيبة لهم، ومثلت حاجزاً وجداراً عازلاً بينهم والسلطة السياسية التي جاءت لتدفع بالسودان نحو الوجهة الحقيقية، والمسار الصحيح للثورة السودانية، لخلق واقع أفضل، فضلا عن كونها عارضت الطبيعة الدينية المحافظة للمجتمع السوداني.

وتبلورت رؤية موقف المؤيدين من الصوفية الطرقية على اعتبار أنه وفي سبيل النهوض بالسودان وفك عزلته وتحقيق ما تربو إليه السلطة السياسية، كان لا بد من التطبيع، فضلا عن التصور القائل بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أمر بعيد عن الاهتمام السوداني وقضية تخص الفلسطينيين وحدهم.

 الصوفية ومعارضة التطبيع

يمثل الشيخ “عبد الوهاب الشيخ الكباشي” شيخ الطريقة القادرية الكباشية الوجه الأكثر بروزا وحضورا في مشهد التنديد بتقارب السلطة السودانية مع الدولة العبرية، إذ تتبلور رؤيته من خلال تأكيده على أن الاستراتيجيات الإسرائيلية المعادية تجاه المنطقة العربية والإسلامية لم تتغير، إنما الذين تغيروا هم من باتوا ينظرون إلى الصهاينة –حسب وصفه- كأصدقاء.

ثم يذهب الكباشي إلى أن الإسرائيليين قاموا بما سماه بتغير تكتيكاتهم من الحرب إلى السلام، ولكنهم في ذات الوقت يعملون على إضعاف المحيط العربي والإسلامي، ومن ثم اختراقه من خلال هذا السلام، وهو تتبع أو تبعية وليس تطبيعا، الذي يمكنهم من اختراق الأمن القومي السوداني “حسب وصفه”

في موازاة ذلك، يطلق الداعية الصوفي عايد أحمد البخاري والمنحدر من الطريقة القادرية الكاشفية قنبلة من العيار الثقيل في وجه التطبيع وأنصاره في الداخل، خاصة ممن يجيزه من أصحاب التيار الديني وتحديدا الصوفية الطرقية -كما سنبين لاحقا- إذ يؤكد على أنه لا يمكن التسليم بأي رأي يجيز شرعاً إبرام أي اتفاقية سلام أو صلح مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يمكن بأي حال الموافقة على تسليم شبر واحد من أرض فلسطين لمغتصبيها تحت أي مسمى كان، بل إن الأمة قد أجمعت على حرمة هذا الأمر دون خلاف.

فيما يذهب “الشيخ الشعراني محمد أحمد الحاج” خليفة الطريقة القادرية إلى أن التعايش مع اليهود لا بأس فيه، ويمكن للمسلمين أن يتعايشوا مع اليهود كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أما دولة إسرائيل القائمة على حقوق غيرها من الفلسطينيين من المسلمين والمسيحيين فالموقف منهم هو رد الحقوق إلى أهلها ووقف عملية إرهاب الدولة الذي تمارسه على أصحاب الأرض ومقدساتهم وأي حل سياسي يرد للمسلمين والمسيحيين في فلسطين أرضهم ومقدساتهم ويضمن عودتهم لديارهم، نرحب به.

الصوفية المؤيدون للتطبيع

على الضفة الأخرى يقف الفريق الداعم للسلطة في تطبيعها مع إسرائيل من الصوفيين الطرقيين في الداخل السوداني، كان من بينهم د.صلاح الدين البدوي الشيخ الخنجر، ممثل المجمع الصوفي، الذي شدد على أن الشعب السوداني ليس هو المسؤول وحده عن قضايا الشعب الفلسطيني.

وفي سياق المقارنة بين الدولة السودانية وغيرها من البلدان التي قامت بالتطبيع مع إسرائيل، أشار إلى أن الشعب السوداني محاصر ومضيق عليه ويختلف عن كل الدول التي طبعت، وأن مسألة التطبيع ليست من مسائل العقيدة حتى يبني عليها كفر وإسلام، وإنما هي مندرجة في السياسة الشرعية التي تدور حول المصلحة ودفع الضرر والجواز وعدمه.

ويتفق معه الشيخ الأمين عمر الأمين، شيخ الطريقة القادرية المكاشفية بأم درمان، الذي يرى أن التطبيع في مصلحة الشعب السوداني.

الرؤية ذاتها يطرحها “محمد عبدالعظيم الطيبي” وهو أحد الصوفيين المنتمين للطريقة السمانية، في أن التطبيع مع إسرائيل خطوة نحو المسار الصحيح. ويقدم الطيبي تحليلا براجماتيا في التعامل مع مسالة التطبيع، إذ يقول إن مفهوم المقاومة المبني على أيديولوجيا (إسلامية أو عروبية) أو من تبني التحرر من بعده العالمي، ما هي إلا تصورات مهزومة تكسب إسرائيل قوة وتماسك.

ويضيف، أن السودان كدولة لها تركيب متداخل لا تجمعه أيديولوجيا واحدة تجاه إسرائيل، تجعلنا نفكر بطريقة مختلف “حسب قوله”

ثم تأتي الفتوى التي أثارت جدلا كبيرا في الداخل السوداني من قبل الشيخ الصوفي “عبدالرحمن حسن أحمد حامد”، رئيس دائرة الفتوى بهيئة علماء السودان ليطلق فتواه بجواز التطبيع نافيا حرمانيته، ليضفى الشرعية على التطبيع مع إسرائيل ويقفل الباب أمام أي معارضة تذكر.

اقرأ أيضًا: الشعر الصوفي الإفريقي: مَدَد يا شيخة “نانا أسامو”

مآلات التطبيع وانعكاساته على الصوفية الطرقية

تسبب اتفاق التطبيع الإسرائيلي السوداني، الذي أبرم بين الجانبين، نهاية العام الماضي، في انقسام البيت الصوفي السوداني، شأنهم في ذلك بقية المشهد السياسي الذي يعايش انقساما كبيرا في ملفات كثيرة، لكن ملف التطبيع يمكن النظر إليه على كونه من القضايا الأكثر حساسية نظرا لتقاطعه مع العقدي والأيديولوجي، وربما كان أصحاب الرؤية القائلة بجوازه والتي عملت على تبريره نظروا إلى أن رفع العقوبات الأمريكية عن السودان أولى ثمار هذا التطبيع، ما يدلل على أنه كان أمرا ملحا وضرورة لا مناص منها.

بيد أن المرحلة القادمة هي المعيار الحقيقي والاختبار الهام لجدوى هذا التطبيع، ومدى انعكاسه على الواقعين السياسي والاقتصادي، والكفيلة بأن ترجح كفة أي من الفريقين، وذلك لأن الحجية التي انطلق منها المؤيدون تهدف بالأساس إلى فك العزلة التي ضربت على السودان ردحا من الزمن بفعل ممارسات النظام السابق، ومن ثم تحسين الوضع الاقتصادي والارتقاء المعيشي، أما وإن لم يحدث ذلك ستكون صدمة للفريق المؤيد ويتضح أن قضية التطبيع لم تكن سوى مادة للاستهلاك الإعلامي وحسب، وأن المستفيد الأوحد لها هو إسرائيل ما سيضع أصحاب الموقف المؤيد في موقف حرج لا يحسدون عليه.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى