وجهات نظر

الصومال ومأزق الاعتماد على الحلول المستوردة

خالد محمد ايجيح

بدأت الأزمة في الصومال بدايات التسعينيات من القرن المنصرم عندما انهارت الدولة المركزية في البلد نتيجة لصراع دموي خاضته مجموعة من الجبهات المسلحة ضد الدكتاتور محمد سياد بري الذي حكم البلاد لمدة ٢١ عاما.

وبعدما نجحت الجبهات المسلحة في طرد الرئيس محمد سياد بري اندلعت حرب بين هذه الجبهات للوصول لكرسي الحكم بين الجنرال محمد فارح عيديد والرئيس علي مهدي محمد الذي تم تنصيبه رئيسا مؤقتا فيما بعد.

بينما في الشمال أعلن مسؤولو جبهة التحرير الوطنية استقلال الشمال من الحكومة المركزية تحت اسم جمهورية صوماليلاند (أرض الصومال).

ومنذ ذلك الحين انتهج كل من الصومال وصوماليلاند نهجين مختلفين في إصلاح البلاد وإعادة الأمن والسلام.
ففي الحالة الصومالية (أو ما عرف سابقا بجنوب الصومال) أنتهج السياسيون وأمراء الحرب هناك مبدأين أثبتت الأيام خطأهما، إذ إنهم اعتمدوا في المقام الأول على مبادرات تأتيهم من الخارج ولم يحاولوا مرة واحدة البحث عن حلول وطنية ومبادرات داخلية للخروج من أزمتهم منذ عام ١٩٩١.

أضف إلى هذا أن كل مؤتمرات السلام للمصالحة الصومالية كانت تعقد خارج الصومال، وذلك لانعدام الثقة بين الساسة في الصومال، واعتمد السياسيون في الصومال أيضا مبدأ بناء الدولة من الأعلى دون الالتفات إلى المصالحة بين الشعب والقبائل، حيث كان يتم بناء برلمان وحكومة في كل مؤتمر دون محاولة إصلاح ذات البين الشعب الصومالي، ما أدى إلى عدم تجانس الشعب الصومالي وتفككه حتى الآن وعدم مقدرته على الخروج من لائحة الشعوب الفقيرة.

وحاليا، فإن هذه السياسات إضافة إلى أزمة الانتخابات الحالية جعلت الحكومة والدولة الصومالية في مأزق، حيث خلق انعدام الثقة بين القبائل الصومالية ونشأ بين سياسييهم خلاف حول موعد وكيفية انعقاد الانتخابات البرلمانية والرئاسية هذا العام، حيث يصر الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو بعقد الانتخابات تحت إشرافه وإدارته، بينما يرى معارضوه أن عملية إدارة الانتخابات هي عملية مشتركة بين الحكومة الفيدرالية والولايات والمجالس التشريعية.

والملفت للنظر أن كل معارضي الرئيس الصومالي ينحدرون من القبيلة المناوئة لقبيلته تاريخيا، إذ إن إهمال عملية المصالحة الشعبية جعلت من الصعبة خلق ثقة بين القبائل الصومالية المختلفة.

وما زاد الطين بلة قيام مجلس النواب الصومال بتمديد مدة الرئيس والمجالس التشريعية، وهو الأمر الذي أدى إلى رفض المعارضة هذا الأمر، وجعل الكثير من قادة الجيش يعلنون انشقاقهم.
وتشهد الساحة الصومالية تجاذبات ومناخا مضطربا شبيه بالمناخ السائد قبل طوفان عام ١٩٩١ الذي أدى إلى حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس.

في الناحية الأخرى اتبعت جمهورية صوماليلاند، منذ الإعلان عن فك ارتباطها بالصومال في الثامن عشر من مايو عام ١٩٩١، نهجا مختلفا، إذ كان هناك رجال ومجموعات سياسية خلقت مبادرات محلية لصنع السلام، مثل مؤتمرات برعو ١٩٩١، ومدينة شيخ ١٩٩٢، وبربرة في نفس العام، وأخيرا مؤتمر بورما الشهير عام ١٩٩٣، والذي يعتبر المؤتمر المؤسس لصوماليلاند.

واتبع مجلس الشيوخ الصوماليلاندي (وهم مجموعة من الحكماء الذين تم اختيارهم من جميع القبائل بالتساوي) المصالحة بين القبائل ورد المظالم ودفع الديات، كل ذلك في ضوء الشريعة الإسلامية والتقاليد الصومالية والعربية، وتم عقد هذه المؤتمرات في المدن الصوماليلاندية، وقام السياسيون الصوماليلانديون ببناء الدولة من القاعدة حيث أصروا على أن يتم الانتقال من نظام المحاصصة القبلية إلى نظام الأحزاب المتعددة التي تسمح لكل مواطن باختيار ممثليه في المجالس البلدية والتشريعية، كذلك اختيار رئيس الدولة.

ونجحت صوماليلاند في عقد أول انتخابات برلمانية وبلدية ورئاسية عام ٢٠٠٣، ومنذ ذلك الحين عقدت صوماليلاند أربع انتخابات رئاسية وثلاث انتخابات برلمانية وبلدية، وتشهد استقرارا لا مثيل له في القرن الإفريقي، وهو ما اجتذب الاستثمارات الأجنبية، حيث تستثمر دولة الإمارات العربية نحو مليار دولار في مشاريع بنية تحتية، وتقوم بتمويل بعض المشاريع الخدمية ذات الطابع الإنساني مثل المستشفيات ومحطات الطاقة.

أخيرا، فإن اختلاف المنهج بين الصومال وصوماليلاند خلق اختلافا في النتائج وجعل مصير الشعبين يختلف بسبب تمايز عقلية الساسة في كلا الطرفين.

اقرأ أيضًا

اختراع إفريقيا ومفهوم الأفروعربية

قانون الانتخابات الصومالي:معركة تكسير المعادلة الراهنة

خالد محمد ايجيح

صحفي متخصص في شؤون القرن الإفريقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى