دراسات وتحليلات

أوروبا وسياسة الحبل المشدود تجاه الصين

قبل إعلان تولي بايدن مقعده في البيت الأبيض، أعلن الاتحاد الأوروبي في 20 ديسمبر 2020 الاتفاقية الشاملة للاستثمار مع الصين (CAI)، وذلك في نهاية الرئاسة الشهرية لألمانيا لمجلس الاتحاد الأوروبي مُمَثلة في المستشارة “أنجيلا ميركل”. وبرغم طول مدة التفاوض قبل التوصل للاتفاقية الشاملة، إلا أن الصين قد حسمت أمرها في نهاية العام الماضي (2020) بشأن قضيتين: الأولى هي الالتزام بمعايير العمل الدولية، أما الثانية فهي الالتزام بالتنمية المستدامة وتغير المناخ.

يأتي التعاون المقلق بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية بين الاتحاد الأوروبي والصين نتاج السياسة الخارجية للأخيرة، فقد أعلن الرئيس الصيني “شي جين بينغ” العام الماضي (2020) بأن التعاون مع أوروبا على رأس أولويات السياسة الخارجية. يُضاف إلى ذلك وضوح رغبة “ميركل” في أخذ التعاون مع الصين إلى منطقة أكثر عمقًا، ووضع إطار واضح وشامل في مجال التعاون الاقتصادي، رغم الانتقادات التي تُوجَّه إليها من أوروبا والتي تمس حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق العمال وقمع المعارضة في هونغ كونغ والأقليات كالإيغور.

في هذا السياق، يتناول المقال المنشور بمركز “كارنيغي” تحت عنوان “أوروبا وسياسة الحبل المشدود تجاه الصين”، الجدل الدائر حول هذه الاتفاقية في إطار التعاون الأوروبي مع الصين، والذي يحاول فيه الاتحاد الأوروبي اتباع نهج سياسي متوازن تجاه الصين.

ترامب والرئيس الصيني
ترامب والرئيس الصيني

الأسباب وراء الاتفاقية الشاملة للاستثمار

بعد عام من توقيع إدارة ترامب اتفاقها التجاري للمرحلة الأولى مع الصين، شعر الاتحاد الأوروبي بضرورة عدم تخليه عن ركب التعاون معها، وسعت ألمانيا للدفع نحو بدء شراكة مختلفة مع الصين. وفيما يلي أهم الأسباب الأوروبية والصينية التي دفعت نحو الاتفاقية الشاملة:

أولا: تحسين القدرة التنافسية للشركات الأوروبية في السوق الصيني

كانت الشركات الأوروبية تشكو من أن علاقة الاستثمار مع الصين أصبحت غير متساوية، ورغم ذلك كان الاستثمار الأجنبي المباشر من الاتحاد الأوروبي في الصين أكبر من الاستثمار الصيني في الاتحاد الأوروبي. وتأتي الشكوى الأوروبية نتيجة عدم قدرتها على منافسة الشركات المملوكة للدولة في السوق الصينية.

اقرأ أيضًا: من الأيديولوجيا إلى التوظيف السياسي: كيف تطورت صادرات الأسلحة الصينية؟

وقد عالجت الاتفاقية الشاملة للاستثمار مثل هذه القضايا، حيث فتحت الباب أمام الشركات الأوروبية للاستثمار في قطاعات الاقتصاد الصيني، ويتأكد ذلك بتركيز تفاوض المفوضية الأوروبية على زيادة وتحسين القدرة على الوصول إلى الأسواق الصينية، وضمان العدالة في المشاركة والتنافس داخل تلك الأسواق، خاصةً المتركزة في قطاعات السيارات والكيماويات والصحة، مع التأكيد على حقوق الملكية بنسبة 50%.

ثانيا: إدراج الصين في جهود التنمية المستدامة وإلزامها بمعايير العمل الدولية

شهدت المفاوضات الأوروبية الصينية ضغطًا فرنسيًا واضحًا على المفوضية الأوروبية لإدراج التنمية المستدامة وتغير المناخ في الوثيقة النهائية للاتفاقية، وقد ظهرت استجابة صينية لذلك مع تعهدها العام الماضي (2020) بأنها ستكون اقتصادًا محايدًا للكربون بحلول عام 2060، حيث تعتبر الصين أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الساخنة في العالم.

مفاوضات الاتحاد الأوروبي والصين بشأن الاستثمار
مفاوضات الاتحاد الأوروبي والصين بشأن الاستثمار

يُضاف إلى ذلك محاولة الاتحاد الأوروبي لدفعها نحو التوقيع على اتفاقيات منظمة العمل الدولية، والذي يضمن امتثالها بمعايير العمل. فقد شهد عام 2019 رفضًا صينيًا للتصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بحق التنظيم والتفاوض الجماعي مع اتفاقها التجاري. ولا تزال تلك المسألة محل جدل، حيث لا ضمان للاتحاد الأوروبي بأن تلتزم الصين من جانبها بمعايير العمل الدولية.

ثالثا: موقف الإدارة الأمريكية الجديدة من الصين

تعتبر الاتفاقية فوزًا رمزيًا سريعًا للصين لكونها تمكّنت من توقيع اتفاقية مع كيان غربي كبير قبل تولي إدارة بايدن الحكم، وهي فرصة للتأكيد على عولمة الصين وقدرتها على التعاون مع كيان يشمل مجموعة من الدول وليس مجرد تعاون ثنائي فقط.

وفي المقابل كانت ردود الفعل الأمريكية، منذ أن كان بايدن مرشحًا، مُحذِرة للدول الأوروبية الديمقراطية من الانخراط المتزايد في علاقات أكبر مع الصين، خاصةً أن الزعماء الأوروبيين يواجهون انتقادات داخلية واسعة للتعاون مع النظام الصيني الذي يقمع معارضيه ولا يراعي حقوق الانسان.

الاتفاقية كجزء من استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه الصين

رغم أن الاتفاقية الشاملة للاستثمار مع الصين اقتصادية بالأساس وتلعب فيها الشركات الأوروبية دورًا محوريًا، إلا أنها جاءت بنتائج سياسية واسعة.

فالبرلمان الاوروبي انتقد على لسان الناطق باسمه “نيلس شميد” الدور الألماني في اتمام الاتفاقية، مُطالبًا ألمانيا بوضع سياسة خارجية واضحة وحقيقية تجاه الصين. كذلك توقّع بعض النواب أن البرلمان قد يعرقل الصفقة إذا لم تلتزم الصين برعاية حقوق العمال.

وصاحبت فرنسا انتقادات نتيجة انخراط “ماكرون” بشكل كبير في التفاوض حول الاتفاقية، حيث اعتبر معارضون فرنسيون أن الاتفاقية ضعيفة بشأن حقوق العمال وقضايا العمل القسري. وطالب البعض مثل وزير الخارجية البولندي بأن على الصين تحسين ملفاتها في مجال حقوق الانسان، ومنها الوضع في هونغ كونغ، واضطهاد فئة الإيغور، وهو الأمر الذي يستلزم مزيد من الشفافية والتفاوض.

الاتفاقية كأحد أدوات تحسين صورة الصين في أوروبا

حاولت الصين على مدار عام 2020 بلورة تعاونها مع أوروبا، وبرز ذلك حينما أشارت الحكومة الصينية أن 45 عامًا مضوا على العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي، محاولةً بذلك إضفاء بعض التعاون وتحسين الصورة بعد أزمة فيروس كورونا وانتهاكات حقوق الانسان تجاه الأقليات واعتقال المعارضين والسياسيين في هونغ كونغ.

رئيس الوزراء الصيني
رئيس الحكومة الصينية

كل تلك الأمور ساهمت في تدهور صورة الصين خلال العام الماضي، وقد بدأت صورتها بشكل عام تتدهور، تحديدًا في وسط وشرق أوروبا، فلم يتم الاعتراف بجهود الصين الطبية بعد أزمة “كوفيد 19” من ثلاث دول من وسط أوروبا ودول البلطيق، وهو ما تجلى في تغيبهم عن القمة الافتراضية (17+1)، وهي صيغة أقامتها الصين للتفاعل بشكل مباشر مع المنطقة.

وفي الوقت الذي يحاول فيه صنّاع السياسة الأوروبية الموازنة بين المصالح والقيم تجاه الصين، تأتي ردود الفعل السياسية مُعطِّلة لتلك الموازنة. فقد أعلنت اتحادات الأعمال في دول أوروبية قلقها من الاستحواذ الصيني على التكنولوجيا الأوروبية، وترى أن أوروبا لها فرص ضئيلة للبقاء لاعبًا في السوق الاستهلاكية الصينية. الأمر الذي سيظل عقبة ضاغطة على المحاولات الصينية لتحسين وتطوير علاقتها بدول الاتحاد الأوروبي.

مستقبل المثلث “الصيني الأمريكي الأوروبي”

تكشف سياسات الاتحاد الأوروبي عن وجود فجوة بينها وبين سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين، حيث أن نظرة الأوروبيين للصين بدأت تختلف خاصةً مع أهمية الأخيرة اقتصاديًا كشريك اقتصادي.

إن الاتحاد الأوروبي، على عكس الولايات المتحدة، لا يمتلك القوة الاقتصادية لمنافسة الصين، والتي تعمل –هي الأخرى- على توسيع نفوذها في المحيط الهادي. ومن ثَمَّ فإن جُلّ ما يمتلكه الاتحاد الأوروبي هو القوة الناعمة المتمثلة في الدفاع عن الديمقراطية وسيادة القانون، فضلًا عن السوق الاستهلاكي القوي والذي يبلغ قوامه 450 مليون شخص.

كشفت الاتفاقية عن وجود انقسام داخل بعض البلدان الأوروبية تجاه سريانها وتطبيقها، حيث يركز التيار المعارض على الدفاع عن القيم وحقوق الانسان، رافضًا مبدأ التوازن بين الشراكة والتنافس مع الصين.

الأمر الذي قد يدفع السياسيون إلى التعامل بشكل أوسع مع الصعود الصيني في أوروبا عبر الحملات الانتخابية والتي تقترب موعدها في ألمانيا وفرنسا، ومن ثَمَّ تتغير السياسة الحالية تجاه الصين، ويرفض البرلمان الأوروبي التصديق على الاتفاقية. وذلك بعكس الولايات المتحدة والتي يتسم موقفها بالثبات إلى حد ما رغم تغير القائمين على الإدارة.

يُمثل سياق التفاوض والتوصل للاتفاقية الشاملة للاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين، الوضع الأوروبي المتأرجح تجاه علاقته بالصين، ويكشف عن محاولات الأخيرة لتعويض أزماتها مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويتوقع البعض أن يذهب هذا الاتفاق نحو منطقة مجهولة قد تضر بالمصالح الأوروبية أكثر مما تفيدها. وستكشف الانتخابات المقبلة في البلدان اللتان دعمتا صيغة الاتفاقية (ألمانيا وفرنسا) عن مدى جدوى التوازن الأوروبي الحالي تجاه الصين.

المصدر: (اضغط)

إسلام أحمد حسن

باحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى