دراسات وتحليلات

الطريق إلى اقتراع ديسمبر.. تحديات المرحلة الانتقالية في ليبيا

مثّل تصويت مجلس النواب الليبي على الحكومة الجديدة برئاسة “عبد الحميد الدبيبة” (في 10 مارس الجاري) نقطة تحول حقيقية ونوعية في مسار الأزمة الليبية، من جهة لما حظيت به الحكومة من دعم إقليمي ودولي أقل استقطابًا وأكثر التزامًا بالتوجيهات الأمريكية والغربية، ومن جهة أخرى لاستبدال عناصر الحكم التي ظلت فاعلة في إذكاء الأزمة الليبية طوال السنوات الفائتة، بتيار “وطني” تكنوقراطي -إن جاز التعبير- يجنح إلى الحلول العملية والسريعة للأزمة دون أعباء أيديولوجية (حقيقية أم متخيلة أو مُروَّج لها).

وقد عبرت اتصالات الدبيبة قبل التصويت وبعده عن إرادة سياسية ليبية في تجاوز الاستقطابات الإقليمية، وإرساء قواعد المصالح الوطنية المتبادلة على أسس مؤسساتية، وإقصاء تدريجي لأدوار الجماعات المسلحة والميليشيات الداعمة في شرقي البلاد وغربها.

عبدالحميد الدبيبة

حكومة الدبيبة: أهم المؤشرات والدلالات

يمكن ملاحظة أن تكوين الحكومة، وما شهدته من صعوبة تصويت أعضاء مجلس النواب من الشرق على الدبيبة، يجسد حقيقة أنها نتاج تحالف واسع من المصالح، وأنها تمثل صيغة للمشاركة في السلطة أو المحاصصة. وصارت نقطة التحول الأهم منذ عام 2015، وذلك مع تراجع حظوظ التيار الإسلامي في غرب ليبيا وخليفة حفتر شرقها في التأثير على تكوين الحكومة أو مخرجات مجلس النواب.

وشكّلت الحكومة برئاسة الدبيبة ونائبين له و35 وزيرًا وستة وزراء للدولة (في تمثيل متوازن لأقاليم ليبيا الثلاثة: طرابلس وبرقة وفزان)، ما اعتبره مراقبون مطلعون نجاحًا أوليًا للدبيبة في أول اختبار عملي، ولا يخفي الدبيبة في الحصول على دعم كل من عقيلة صالح، وبدرجة أقل من خليفة حفتر (الذي لم ينجح في تصعيد رجاله لمناصب وزارية في هذه الحكومة، كما فشل في نيل منصب وزير الدفاع، وإن توقع مراقبون ليبيون ترك الدبيبة المجال مفتوحا نسبيًا أمام خليفة حفتر، لا سيما وأن المصب حاليا في يد الدبيبة).

وفيما عُرف عن الدبيبة في الفترة من 2011 حتى 2016 صلاته بالقوات الثورية في مصراتة وجماعة الإخوان المسلمين، فإنه تجاهل –حسب مراقبين- في العام الحالي “الأصدقاء القدامى” وركز على سياسة إغواء أعدائهم مثل الفصائل الشرقية وأنصار القذافي والزنتان وأهل فزان في الجنوب.

وبالفعل لم يحظ الإخوان المسلمون بتمثيل معقول، بل عُدَّ الأقل لهم في أي حكومة ليبية منذ فبراير 2011، كما لم ينجحوا في تصعيد “فتحي باشاغا” وزيرًا للداخلية في حكومة الدبيبة (وهو المُقرب من تركيا والذي وُصف لفترة برجلها القوي في طرابلس).

ويبدو من هذه الخطوات قدرة الدبيبة على جمع التناقضات، وتجاوز لاختباره الأول، رغم محاولة بعض الدوائر السياسية الليبية تصوير أن الدبيبة عمد إلى تكوين حكومة ضعيفة من وزراء غير فعّالين في حقيقة الأمر، ما يعني ضمان أن تكون له اليد العليا عند طرحه لسياساته.

ملتقي الحوار السياسي الليبي

تحديات الحكومة الجديدة

إن القدرات الفردية لرئيس الوزراء “الدبيبة” وديناميته الملحوظة لا تنفي وجود عدد من التحديات التي ستواجه حكومته –والبلاد- في الفترة المقبلة، والتي يمكن رصد عدد منها على النحو التالي:

  1. عملية إعادة البناء

بينما يُجمع المراقبون على أن ملف إعادة البناء سيتصدر أولويات الدبيبة لاعتبارات عدة، مثل طمأنة الشارع على مسار عودة الدولة الليبية، والاستفادة من الموقف الدولي والإقليمي الحالي الفارض للتهدئة في المضي قدمًا في إعادة تأهيل البنية التحتية الليبية، وإطلاق عمليات إنتاج البترول وتصديره بمعدلات قصوى لتنشيط الاقتصاد الليبي مرحليًا عبر هذين النشاطين الرئيسين.

ويبدو أن هذه العملية ستشهد انطلاقة حقيقية في الفترة المقبلة مع إقامة عدد من المشاريع الداعمة لها، مثل افتتاح شركة تركية في فبراير الفائت مصنعًا عملاقًا لإنتاج الإسمنت لتمويل الأنشطة التركية المرتقبة، كما أعلنت القاهرة في مارس الجاري عن خطط تنفيذها ربط بري حديث بين ليبيا وتشاد، وربط خط سكك حديدية بين القاهرة وطرابلس، وسط تقارير عن قبول ليبي رسمي لمثل هذه الخطط دون تحفظات تذكر.

ويتمثل التحدي في هذا الملف في قدرة الدبيبة على إتاحة عقود إعادة البناء في ليبيا للأطراف الإقليمية والدولية بقدر من “التوازن”، وضمان عدم استنزاف الموارد الليبية المتاحة، والالتزام بمعايير الشفافية المطلوبة لضمان نزاهة عقود إعادة البناء وتفعيل الأدوار المؤسساتية للدولة الليبية، ومراعاة المصلحة الوطنية الليبية في المقام الأول.

  1. ملف توحيد المؤسسة العسكرية

يقع ملف توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، في قلب ضمانات نجاح التسوية السياسية، غير أنه يظل رهنًا بقدرة الدبيبة على الاستمرار في تهميش خليفة حفتر من جهة، وتفكيك بنى الميليشيات “الإسلاموية” في غربي ليبيا وفصل أدوارها الأمنية عن العملية السياسية بأكملها.

وحسب المؤشرات الأولية، التي يمكن البناء عليها مستقبلًا، فقد نجح الدبيبة في خفض سقف توقعات حفتر، كما نجح رئيس مجلس الدولة “محمد المنفي” في الربط الذكي بين ملف توحيد المؤسسة العسكرية وإكمال ملف المصالحة الوطنية “بطريقة تحقق الوجود المشترك بين الليبيين”، وذلك حسب خطابه للأمة الليبية منتصف مارس الجاري، وتعهده بتيسير مسار 5+5 العسكري لإعادة توحيد المؤسسة على أسس احترافية ووطنية صرفة، وتهيئة الظروف الملائمة لمواصلة حكومة الوحدة الوطنية (برئاسة الدبيبة) لمعالجة الملفات الملحة.

ويُتوقع أن يحظى الملف بدعم أمريكي، دللت عليه شواهد كثيرة مؤخرًا عقب تقلد جو بايدن مقاليد البيت الأبيض، مثل التقارير المؤكدة عن انخراط واشنطن بالفعل –عبر سفارتها في ليبيا- في محادثات “مع الحلفاء” لسحب القوات الأجنبية من ليبيا في المرحلة المؤدية إلى انتخابات ديسمبر 2021، حسبما جاء في تواتر لشهادات مسؤولين ومحللين أمريكيين نقلها عنهم “كولوم لينش” Colum Lynch في تقرير مهم في “فورين بوليسي” عن ليبيا (17 مارس)، خلاصتها أن واشنطن أمامها فرصة تاريخية لمساعدة ليبيا في الخروج من أزمتها، وأن الأولى لن تضيع الفرصة هذه المرة.

يتمثل تحدٍ إقليمي آخر في قدرة القاهرة على إحكام مبادرتها في إدارة هذا الملف، وإعادة الجسور مع الفصائل العسكرية “النظامية” المناهضة لحفتر، وإعطاء إشارات نهائية على تخليها عن مقاربة حفتر العدائية -والصفرية في واقع الأمر- تجاه أية تسوية في ملف توحيد الجيش الليبي، وتقديم رؤية موضوعية لمكونات عسكرية أخرى داخل ليبيا لا ترتبط بالضرورة مع تنظيمات إرهابية، ويُرجَّح أن يكون للدبيبة دور في دعم المقاربة المصرية والبناء على الثقة في المؤسسة العسكرية المصرية وخبراتها في هذا المجال، وما سيستتبعه من دور مصري “منطقي” في إعادة بناء الجيش الوطني الليبي.

الحرب في ليبيا
  1. الحفاظ على الأمن والاستقرار

ربما كان تهديد الجماعات المسلحة الليبية، في كافة أرجاء البلاد، العائق الأبرز أمام تجاوز ليبيا أزمتها السياسية بعد عشرة أعوام من ثورة فبراير 2011 والتدخل العسكري لحلف الناتو به، وما تلاها من تدخلات إقليمية ودولية، حجّمت أي فرص للوصول لتسوية.

واستنادًا لهذه الخبرة يظل ملف تحقيق الأمن والاستقرار والحفاظ عليهما من أهم تحديات حكومة الدبيبة، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة الحكومة التوافقية بين مكونات العملية السياسية في ليبيا، مما سيعزز قدرتها على تحقيق تطور نوعي في الملف. إضافة إلى اعتبارات دعم عدد لا يُستهان به من “الميليشيات” الليبية لتولي الدبيبة رئاسة الوزراء أمام منافسه باشاغا، الذي انتهج سياسة تفكيك “الكتائب”.

ويمثل التحدي الأبرز في هذا الملف في قدرة الدبيبة في الحفاظ على الوضع القائم واسترضاء الميليشيات المختلفة، أو مجرد الاحتواء المرحلي، وصولًا إلى تكريس عملي لمفهوم الأمن الوطني للدولة الليبية واستقرارها. ومن المتوقع استمرار الدفع في مسار “أكتوبر 2020″، حيث دعا مسئولون عسكريون من طرفي الصراع حينذاك (قوات حفتر وحكومة السراج) إلى سحب القوات الأجنبية، وأن يدعما العمليات السياسية بقيادة الأمم المتحدة لعقد الانتخابات في موعدها.

  1. “تحييد” المواقف الإقليمية

تبدو مسألة تحييد التدخل الإقليمي في ليبيا -على غير الحال في الأعوام السابقة- أقل تعقيدًا في الفترة المقبلة، وذلك في ضوء عدة اعتبارات أهمها:

  • التغير المتوقع في العلاقات المصرية-التركية على خلفية تراجع أنقره عن سياساتها العدائية تجاه القاهرة في ساحات عدة (أهمها ليبيا بطبيعة الحال).
  • النكوص الملفت لبعض القوى الإقليمية والدولية عن دعم حفتر وتوجهاته في ليبيا، ليشمل ذلك الدعم السياسي والعسكري.
  • اضطلاع واشنطن بدور مباشر في الأزمة الليبية للتوفيق بين أهداف ومصالح القوى الإقليمية لإنهاء “الحروب بالوكالة”، وتفعيل حظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا.

ويُسهم في نجاعة حالة “التحييد” هذه انفتاح رئيس الحكومة الدبيبة على أطياف متنوعة من القوى الإقليمية المعنية بالأزمة الليبية، وطرح أفكار “الفوز للجميع”، ويُتوقع استمرار هذا النهج ونجاحه في حدوث تقارب إقليمي، حتى لو مرحليًا، واتفاق ضمني بقبول مسار التسوية السياسية الحالية، وربما سيُمكِّن ذلك حكومة الدبيبة من إعادة البناء على منجزات الحوار الوطني الليبي الجامع الذي توقف في إبريل 2019 بعد إعلان حفتر هجومه على طرابلس، مما سيعني تجاوز ليبي ناجح تمامًا للاستقطابات الإقليمية، التي أعاقت تطبيق مخرجات الحوار الوطني الليبي التي تمت برعاية أممية عن كثب.

السيسي والدبيبة

الطريق إلى انتخابات ديسمبر 2021

لا يزال أمام الحكومة الليبية نحو تسعة أشهر قبل موعد الانتخابات الرئاسية والنيابية المقبلة في ديسمبر 2021، وليس معروفًا بعد –على وجه الدقة- كيفية جدولة هذه الانتخابات، وإن كان مستبعدًا أن تقف العوائق اللوجيستية أما انعقادها. ويُرشَّح أن تتبع حكومة الدبيبة سياسة الرجوع لمخرجات الحوار الوطني الليبي الجامع ومقترحاته توفيرًا للوقت، لاسيما أن الحوار اعتمد على لقاءات واجتماعات مباشرة مع أطياف بالغة التنوع من المجتمع الليبي، بكافة مكوناته في كافة أرجاء البلاد، وصولًا لرؤية وطنية شاملة صيغت في وثائق هذا الحوار.

لكن بطبيعة الحال تظل مسألة عقد الانتخابات النيابية والرئاسية في توقيت واحد أمرًا مُستبعدًا، ويُرجَّح –واقعيًا- أن تجرى الانتخابات النيابية في البداية تمهيدًا لتكوين مؤسسات تشريعية قوية تقوم بوضع إطار دستوري واضح للدولة الليبية، بجانب حسم الكثير من القضايا الخلافية وإعادة فرض مظلة الدولة الوطنية، ثم بعد ذلك يتم طرح مسألة الانتخابات الرئاسية –ربما في فترة قد تقترب من العام أو تتجاوزه وليس أقل من ذلك- بعد تحديد ملامح النظام السياسي في البلاد بشكل واضح.

د. محمد عبدالكريم أحمد

باحث في الشأن الإفريقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى