الطريقة الجازولية الشاذلية:

صوفية العمل الاجتماعي

تمثل الصوفية حالة خاصة داخل الفضاء المجتمعي المصري، فهي تعد في جزء كبير منه تعبيرًا دقيقًا عن تمظهرات الإسلام التقليدي وممارسات التدين الشعبي، التي اعتاد ممارستهما المصريون في عاداتهم وتقاليدهم الدينية المختلفة على مدار أزمنة متعاقبة، ما يفسر لنا بدرجة كبيرة حجم الالتصاق الواضح بين الصوفية الطرقية ومجتمعها المتفاعل معها، نظرًا إلى حجم التداخل الكبير والتماهي بينهما، ويمكن القول إن الصوفية الطرقية تمثل هوية الإسلام التقليدي لشريحة واسعة من التنويعات المجتمعية المصرية خاصة في عمق دوائره الشعبية والشعبوية.

واتسمت الذات الطرقية في ممارساتها وآلياتها الاعتقادية والسلوكية في النأي بنفسها عن الممارسات السياسية مع انكفائها على البعد المجتمعي، أتاح لها حضورًا طاغيًا في القطاعات الشعبية عبر تفاعلها المباشر مع الاحتفالات بموالد الأولياء الصالحين، ومولد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتوازي مع مناسبات دينية متنوعة لا تقف على الطريقة وحسب، وإنما تلتف بالمشهدين المجتمعي والديني ككل وتتفاعل معهما.

ومن بين هذه الطرق، التي شقت لنفسها طريقًا في الفضاء الصوفي المصري رغم حداثة نشأتها مقارنة بغيرها من الطرق الصوفية الأقدم والأكثر تجذرًا في البنية المجتمعية المصرية على مدار القرون والعقود الماضية، الطريقة الجازولية الشاذلية، وهنا نطل عليها من زاوية لا تضمن التناول التقليدي لإشكالية العلاقة بين الطريقة والسلطة، وإنما تتتبع آثار طريقة بحثت لنفسها عن دور في المشهد الصوفي الطرقي في مصر حتى صارت من أبرز الطرق القائمة باللحظة الراهنة، وتنتشر بقدر كبير وتتمدد على نحو لم تحظ به طرق صوفية سابقة عليها، مع إبراز الجوانب الداخلية والزوايا الهامة في تلك الطريقة، فضلاً عن ملامح تأثيراتها في واقعها المجتمعي، ومن ثم رغبتها في القفز على المحلية لما دون ذلك. 

الجازولية والطريقة

تعتبر الطريقة الجازولية من الطرق الصوفية حديثة النشأة، فتأسيسها يرجع إلى خمسينات القرن الفائت على يد الشيخ المصري جابر الجزولي، وتذكر الرواية الصوفية أن وراء تسمية الشيخ بهذا الاسم قصة لها دلالة رمزية بين مريدي الطريقة وأنصارها، فقد رأت والدة الشيخ رؤيا في منامها التقت خلالها بالإمام “جابر الأنصاري” الذي تحوى مدينة الإسكندرية مقبرته ومزاره، حاملاً لها بشارة بأنها ستلد ذكرا اسمه “جابر”، وفي 25 أكتوبر/ تشرين الأول 1913، تحققت الرؤية بمولد الشيخ جابر الجازولي، وظهرت على الشيخ منذ نعومة أظفاره الميل نحو المعرفة وحب المسلك الصوفي والتدين السني، ما دفعه إلى التتلمذ على يد شيوخ الشاذلية، ويقال إن الشيخ كانت له مواقف نقدية من ممارسات بعض الطرق الصوفية البعيدة عن منهج التصوف الوسطى وممارساتها للكثير من البدع، ما دفعه إلى المطالبة إلى العودة بالتصوف إلى ينابيعه الأولى والأصيلة، مما أثر عنه قوله: “ندعو إلى التصوف الذي يرى الحياة جمالاً وكمالاً وعملاً”.

وكان للشيخ موقف معارض من جماعة أنصار السنة المحمدية السلفية المنهج، ومدرسة الشيخ محمد حامد الفقي، المؤسس نظرًا إلى موقفهم من الطريقة وتعليقهم على بيعة المريدين للشيخ جابر بأنها بيعة المقابر، لأن مراسم هذه البيعة كانت تجرى في غالبيتها في منطقة مقابر “قايتباي” بمنطقة الدرّاسة بالعاصمة المصرية.
ورغبة في مأسسة الطريقة على النحو التقليدي المتعارف عليه بدأ الشيخ تدشين مولد للطريقة بعد عقدين من تأسيسها، ويفسر الشيخ جابر ذلك بأن الحاجة إلى مولد للطريقة “تولدت بغرض أن يكون لها كل عام ليلة معروفة يتجمع حولها الأحباب والمريدون وأنصارهم، بمثابة نقطة انطلاق كل عام كبداية لعام جديد ونهاية لعام مضى من عمر الطريقة”، واعتبر أن بالبدء في احتفال الطريقة من خلال مولد يذكر اسمها ويحمل اسم شيخها شرعنة لوجودها في الفضاء المجتمعي الصوفي المصري، مزاحمة بذلك الطرق الصوفية القديمة والسابقة عليها، وعقب تحقق ذلك وفي الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول لعام 1992 رحل الشيخ الجازولي المؤسس عن عمر 79 عامًا، حاول خلالها أن يجد لطريقته الصوفية موطئ قدم داخل الفضاء الصوفي المصري.
تولى الشيخ سالم جابر الجازولي قيادة الطريقة بعد وفاة الأب المؤسس وذلك وفق الشكل الهرمي التقليدي للطرق الصوفية الذي تنتقل فيه البيعة والإمارة من الأب إلى الابن، ويبادر أبناء الطريقة نحو مبايعته وإعلان الولاء التام والمطلق له، خاصة وأن الشيخ المؤسس دفع مريديه إلى مبايعته خليفة له في الطريقة عام 1989 ويرجع الفضل للشيخ سالم الجازولي في أنه قفز بالطريقة إلى مساحات عايشت خلالها الطريقة تمددًا وانتشارًا أكبر من سابقه، خاصة بعد تسجيل الطريقة بالمجلس الأعلى للطرق الصوفية في أكتوبر/ تشرين الأول 1995م، وبذلك صارت طريقة صوفية معترف بها في الدوائر الحكومية للدولة.
ونجح سالم الجازولي في أن يسجل نفسه عضوًا منتخبًا في المجلس الأعلى للطرق الصوفية عام 1998م، ومنذ ذلك الحين بدأت فعاليات الطريقة في صعود واضح تفاعل بقدر كبير مع الواقع الصوفي الطرقي ومناسباته، وسن الشيخ الابن مولدًا يحتفل به المريدون والأحباب للأب المؤسس في شهر يوليو/ تموز من كل عام.

المسلك التربوي والبيعة لدى الجازولية الشاذلية

بعد مسيرة تجاوزت الستة عقود صار للطريقة وجود كثيف في أكثر من منطقة وعشرات المقرات في مختلف أنحاء القطر المصري، وقد افتخر الشيخ المؤسس بذلك قبيل وفاته، وافتتح في عهده الكثير منها وكان يصف ذلك بـ”الفتح” في الوجه القبلي مثل “كوم أمبو ودراو وبنبان”، وكذلك بلدة “قوس” و”أشمنت” بالوجه القبلي، وفي وجه بحري مثل عرب الرمل وسرس الليان والقناطر الخيرية ويعتبر المقر الأكبر للطريقة في مصر في مدينة حميثرة بالبحر الأحمر، بجوار مقام “أبو الحسن الشاذلي” وأنُشِئ في عهد الشيخ الحالي سالم الجازولي.
ويدرس في بعض منها منهج الطريقة وأورادها وبيعتها وما شابه، ويوجد في مدرسة “الروضة الجازولية” المقر الرئيس للطريقة بالدرّاسة كل يوم اثنين مجلس علم لتدارس العلوم الشرعية، ويدور في مجمله حول دراسة القرآن وحفظه بدايةً من جزء عم وتبارك إلى مستويات أعلى فأعلى للراغبين، والحديث الشريف، وغالبا يدرس فيه “الأربعون النووية” وما يسمى بالرسائل الصوفية والحكم للشيخ المؤسس “جابر الجازولي”، وتأتي أيضًا دراسة الفقه الإسلامي، عبر دراسة ميسرة لفقه العبادات كالوضوء والصلاة والصيام، وكذلك دراسة التصوف من خلال تفسير بعض المصطلحات الصوفية، ودراسة رسائل في ما يخص تعليم الإنشاد الديني، من خلال إنشاد بعض القصائد التي تمدح النبي محمد وتحظى بأهمية كبيرة في الطريقة.

وتضع الطريقة صفات للمنتسب وصفات للفرد الراغب في سلك الطريق، ويلخصها الشيخ الجازولي المؤسس في هذه القاعدة “إيمان بصدق، إخلاص بحب، عمل مع إنكار الذات”، وعلى من يجد في نفسه هذه الصفات يمكنه الالتحاق ومن ثم الانخراط في الطريقة.
ثم تأتي صيغة العهد، الذي يعطي العضوية المباشرة والانتساب للطريقة، وتقوم عليها المبايعة من خلال هذه الكلمات: “عاهدت الله ورسوله على فعل المأمورات وترك المنهيات على قدر الاستطاعة”، ويعقب قول المنتسب بهذه الكلمات إشهاد الله والحضور على ذلك.
ولا يعطي العهد إلا بعد الالتزام بالحضور شهرين على الأقل، سواء أكان في الحضرة أم المنطقة، ثم تأتي مرحلة الإذن في قراءة وِرْد الطريقة، ثم تسلمه الطريقة لأقرب خليفة لمتابعة حياته وأوراده للمنطقة التي يسكن فيها.
وتأتي تلك الخطوات في سياق فهم قائم على أن الطريقة لا تنحاز إلى فئة من الفئات، وفي ذات الوقت لا تتقوقع على نفسها، بل تجتهد في المشاركة الفاعلة ولا تجعل الانتساب أو الرغبة في الانضمام إليها مقصورة على الملتزمين دينيًّا، بل إنها تجعل الباب مفتوحًا أمام من تصفهم بـ”العاصين والمذنبين”، وفي ذلك يقول الشيخ الجازولي: “باب الطريقة مفتوح للعاصين والمذنبين، فأفسحوا لهم من صدوركم وأغدقوا عليهم من هدايتكم واصدقوا مع الله ليهديهم بكم ويهديهم لكم”.
فهي تقدم نفسها –وفق رسائلها- على أن لها سياسة واضحة قائمة على الحب والوفاء لا تعادي مسلمًا ولا تفرط في حق من حقوق الله، تستقي من منابع ثلاثة، الكتاب الكريم والسنة الشريفة المطهرة وسير الصالحين، فهي كذلك طريق لكل مسلم ومسلمة، وترفض الطريقة التصنيف الطرقي القائم على المفاضلة والتمايز والمساجلة البينية التي تعزز الانقسام بين أبناء الطرق، وفي ذلك يورد الشيخ الجازولي: “لا نقول هذا أحمدي وهذا شاذلي بل الكل مسلمون أولاً وأخيرًا ما داموا يجتمعون لله ولرسول الله، من عاهدنا وعاهدناه على الحب والوفاء، ومن نأى بجانبه تركناه لله”، حسب وصفه.

الطريقة والعمل الاجتماعي

سنّ الشيخ الجازولي المؤسس، في سياق الجمع بين العمل الروحاني والمادي، قانونًا لأبناء طريقته يحدد فيه اختصاصات كل مسؤول في الطريقة وينظم المعاملات بينهم، ويتابعهم في مسؤولياتهم جميعًا، ولكي يضمن استمرارية العمل داخل الطريقة أنشأ صورة للتكافل البيني يحقق لهم تكافلاً اجتماعيًّا ابتداء من صندوق النذور مرورًا بالتأمين المعاشي وكفالة الأسر المعوزة وما شابه، وانتهاء بتحقيق التأمين الصحي لأبناء الطريقة، فيتحقق للطريقة استقرار نسبي وديمومة البقاء في ظل واقع طرقي يشوبه الكثير من المشكلات والاضطرابات البينية وإزاء الخصوم.
ومنذ تأسيسها على يد الجازولي الأب ومن بعده خليفته الشيخ سالم الجازولي سعت الطريقة لئلا تقتصر خدماتها ومساعداتها المجتمعية للمنتسبين إليها ومريديها، وإنما من هم دون ذلك، ومؤخرًا أنشأت مقرًّا خدميًّا صحيًّا في محافظة الجيزة المصرية بأسعار رمزية حتى تيسر على المواطنين تلقي الرعاية الطبية، وهو مسلك دأبت عليه كافة التيارات الدينية المصرية بشقيها الصوفي والحركي ومساحة تتنافس على أرضيتها الجميع.
ومن التربية الروحية ومن ثم الرعاية الطبية إلى الاعتناء بالتعلم المدني، من خلال تقديم مجموعات مجانية لأبناء الطريقة وكل من يجاورهم من أبناء الحي والمنطقة التي توجد بها مقرات الجازولية في كل مجالات التعليم (ابتدائي ـ إعدادي ـ ثانوي ـ تجاري ـ كمبيوتر) وذلك بالمسجد الجازولي من بداية الدراسة إلى أيام الامتحانات.

جابر الجزولي

الجازولية ومسارات المستقبل

تعد الطريقة الجازولية من الطرق الصوفية قريبة النشأة مقارنة بغيرها من الطرق الصوفية المصرية المتجذرة في البنى المجتمعية المصرية، ويرى البعض أن الطريقة تقترب من البساطة في الطرح منها إلى المنهجية العلمية المنضبطة خاصة في ظل الشيخ الحالي الذي لا يتمتع بالصفات التي كان يتحلى بها الأب المؤسس من الناحية العلمية والتحصيل العلمي، وإن كان بالقدر اليسير، فكلاهما لم يكن من العلماء العاملين في الساحة الصوفية مثل أقرانهما من الطرق الصوفية الأخرى، فضلاً عن كون الطريقة تفتقر لمنتج فكري وثقافي وديني، سوى بعض القصاصات والأوراق والرسائل والحكم التقليدية التي تركها الأب المؤسس.
بيد أنه يُحسب للشيخ سالم الجازولي أنه شق للطريقة التي أنشأها والده طريقًا وسط الطرق الصوفية المصرية العريقة وهو أمر ليس بالهين ولم يكتفِ بذلك، بل استطاع بقدر كبير أن يحافظ على وجودها بتنظيم هيكلي ومأسسة تفتقر إليها الكثير من الطرق الصوفية السابقة عليها، ما جعلها رغم عمرها القصير تسبق طرقًا صوفية أخرى يمتد عمرها من عقود عدة، وذلك لمساعي الشيخ نحو طرح طريقة صوفية بنكهة عصرية، واضعًا نصب عينيه الخروج بها من ضيق المحلية إلى رحابة الفضاء العالمي، وهو ما يفسر تقديم الطريقة في الغرب انطلاقًا من تطويره لأدوات الحضرة والذكر من خلال الآلات الموسيقية والعود وغيرها، التي تجذب المشاهدين والمستمعين متذوقي الفن الشرقي في الغرب، إضافة إلى محاولة تقديم التصوف الطرقي بنحو منظم يستطيع من خلاله نسج علاقات غير محدودة في المحيطه الإقليمي والدولي، ويعبر عن ذلك بقوة إهداؤه للسفير الأمريكي السابق في القاهرة فرانسيس ريتشاردوني عام 2005 كتابي الطريقة “مدرسة التصوف الجازولي في العصر الحديث” و”الطريقة الجازولية”، وهو أمر تكرر بعد ذلك في أكثر من مرحلة من عمر الطريقة تحت إدارة الشيخ سالم.
تتبقى مسألة السياسة والعمل السياسي، ويمكن القول إن مسلك الطريقة منذ النشأة في منتصف القرن الفائت إلى يومنا هذا لم يطرأ عليه جديد في هذه المسألة، فقد دأبت على مؤازرة السلطة ودعمها والالتحاف بها وعدم شق عصا الطاعة، فضلاً عن عدم تناول الأحداث السياسية بشيء من النقد أو التجريح، أو التعقيب الذي قد يفضى إلى نتائج عكسية على واقع ومستقبل الطريقة، وهذا ما لا تنشده أو تبحث عنه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram