سياسة

الطريق إلى الرئاسة.. صراع العائلات يرسم مستقبل النظام الإيراني

شهدت إيران، خلال الأسابيع القليلة الماضية، جدلًا متصاعدًا على خلفية قرار مجلس صيانة الدستور الإيراني استبعاد عددا من المرشحين لانتخابات الرئاسة في البلاد، وفي خضم الزخم الذي أثاره القرار، دعا المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي لـ”رد اعتبار” المرشحين المستبعدين، وهو ما دفع المجلس للتلويح بإعادة النظر في قراره السابق باستبعاد عدد من مرشحي السباق الرئاسي.

بدت تصريحات المرشد الإيراني وكأنها تراجع لحظي عن الخط الراديكالي الذي يتبناه صقور نظام الولي الفقيه في طهران، غير أنها لم تكن سوى تتويج لتفاعلات وديناميكيات وصراع المصالح الدائر بين المكونات العائلية والسياسية في إيران.

المرشد الإيراني علي خامنئي

العائلات ركيزة للنظام

منذ البدايات المبكرة للثورة الإيرانية الخمينية في 1979، اعتمدت النخبة الحاكمة الجديدة في إيران على نسج علاقات وتعزيز صلات بين العائلات الكبرى التي تُشكل ركيزة أساسية من ركائز نظام الملالي، لاسيما وأن البلاد لديها إرث تاريخي وعائلي طويل ناتج عن التفاعلات والتقلبات السياسية التي مرت بها على مدار تاريخها.

وساهمت علاقة الاعتماد المتبادل بين النظام والعائلات في صعود عائلات بعينها أبرزها: (عائلة الخميني، ورفسنجاني، ولاريجاني، وعراقجـي، وخاتمي.. إلخ)، داخل هيكل السلطة الجديدة، وتبوأ أبناء تلك العائلات مناصب هامة في النظام الإيراني.

اقرأ أيضًا: صراع انتخابات الرئاسة في إيران.. من يصل إلى قصر “سعد آباد”؟

وحافظت تلك العائلات على حالة من التوازن والتفاهم الضمني الحرج الذي يسمح لها بتوزيع الأدوار والمناصب بين بعضها البعض دون تعارض في المصالح أو صدام بين العائلات الكبرى، وذلك للحفاظ على ديمومة واستمرارية نظام الولي الفقيه وبالتالي ضمان المصالح الاستراتيجية لتلك العائلات.

خريطة العائلات والنفوذ

وبمرور الوقت، رسخت العائلات الكبرى من وجودها ودورها داخل أروقة السياسة الإيرانية، وهو ما أدى لرسم ملامح خريطة نفوذ عائلية- سياسية، مرتبطة بشكل وثيق بمراكز القوى في النظام الإيراني.

متظاهرون إيرانيون يرفعون صور خامنئي

ومع صعود المرشد الإيراني علي خامنئي لرأس هرم السلطة في طهران، عام 1990، اكتسبت عائلته نفوذًا استثنائيًا فاق نفوذ نظيراتها الأخرى.

وتعد عائلة “خامنئي” من أبرز العائلات داخل النظام الإيراني،إذ تمكن المرشد الإيراني من نسج شبكة علاقات قوية مع المراجع الدينية وقادة الحرس الثوري، وتتمتع تلك العائلة بنفوذ سياسي واقتصادي قوي وتقدر ثروتها بمليارات الدولارات، معظمها في البنوك البريطانية. 

ولدى “خامنئي” أربعة أبناء هم: (مصطفى، مجتبى، مسعود، و ميثم، وابنتان هما بشرى وهدى، فضلا عن زوجته السيدة خجسته).

مجتبى خامنئي مرشح محتمل لخلافة المرشد 

ويتردد اسم مجتبى خامنئي، كمرشح وبقوة لخلافة والده المريض في منصب المرشد، خصوصًا وأن “مجتبى” صهر عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام ورئيس البرلمان الأسبق غلام علي حداد عادل، كما أن لديه نفوذ سياسي قوي وعلاقات وثيقة بالحرس الثوري، وخلفية دينية اكتسبها من تتلمذه على يد رجال دين محافظين مثل “آية الله محمد تقي مصباح يزدي”.

ويُوصف مجتبى  بـ”قائد الظل”، وذلك لنفوذه وتأثيره على جهاز استخبارات الحرس الثوري، ودوره في هندسة عملية الانتخابات الإيرانية، كما صديقا مقربا لقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني.

مجتبى خامنئي مع قاسم سليماني

أما مصطفى حسيني خامنئي،(الابن الأكبر لخامنئي) – والذي لديه علاقات واسعة بالمرجعيات الشيعية- فهو صهر المرجع الشيعي آية الله عزيز الله خوشوقت- أحد رجال الدين المتشددين، وصاحب فتاوي قتل المتظاهرين، والأخير توفي في فبراير 2013-، ودرس في حوزة قم.

نشاط اقتصادي

ويعمل أبناء خامنئي الأصغر في أنشطة اقتصادية مختلفة، إذ يتولى مسعود خامنئي (الابن الثالث) إدارة توكيل مبيعات سيارات “رينو فرنسا” في إيران، مع شقيقه “ميثم خامنئي”، فيما يشغل الأخير منصب مدير تنفيذي لبعض المؤسسات التابعة لمكتب المرشد الأعلى.

للمزيد: انتخابات إيران 2021: هل ينجح التيار الأصولي في الوصول إلى كرسي الحكم؟

ولا تختلف “بنات خامنئي” كثيرًا عن أبنائه، وتقدر ثرواتهن بملايين الدولارات، علاوة عن زواجهن من رجال أعمال ومسؤولين رسميين في البلاد، فعلى سبيل المثال “بشاري حسيني” ابنة المرشد الإيراني، متزوجة من نجل رئيس مكتب خامنئي محمد كلبايجاني، و”هدى حسيني” (الابنة الثانية) متزوجة من مصباح الهادي باقري كاني، نجل المرجع الشيعي آية الله محمد باقر باقري كاني (عضو مجلس الخبراء)، وابن شقيق محمد رضا مهدوي كاني (الرئيس السابق لمجلس خبراء القيادة).

علي باقري كني

ومؤخرًا عين “علي باقري كني”، نجل محمد باقري كني، العضو السابق في مجلس خبراء القيادة وشقيق مصباح هادي باقري كني، صهر المرشد الأعلى علي خامنئي، في منصب رئيس هيئة حقوق الانسان خلفا لمحمد جواد لاريجاني.

عائلة الخميني.. تراجع النفوذ 

من ناحية أخرى، تراجع نفوذ عائلة الموسوي روح الله الخميني مؤسس نظام ولاية الفقيه في طهران، نسبيًا منذ تولي تسعينات القرن الماضي، وإن ظل نفوذها وتأثيرها السياسي موجودًا، وتعتمد عائلة الخميني على علاقاتها مع المراجع الدينية والحرس الثوري.

وظهر تراجع النفوذ بشكل واضح، عندما قرر حسن الخميني (حفيد روح الله الخميني)، التراجع عن الترشح للرئاسة الإيرانية، استجابة لنصيحة من المرشد خامنئي، رغم أن الأول لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المراجع الشيعية.

حسن الخميني حفيد روح الله الخميني

وتزوج “الخميني الحفيد” من  فاطمة طباطبائي ابنة شقيق الإمام موسى الصدر زعيم الشيعة في لبنان، وشقيقها هو صادق طباطبائي المسؤول السابق بالحكومة الإيرانية.

بينما تعد “نعيمة إشراقي” (حفيدة الخميني)  من أبرز الأصوات النسائية داخل إيران، والمعروفة عنها انتقادها لسياسة النظام فيما يتعلق بقضايا الحريات الخاصة بالنساء، وسبق أن انتقدت الحجاب الإجباري المفروض على النساء.

ويرى الصحفي الإيراني “داريوش معمار”، في مقال سابق نشرته صحيفة “العراق الإلكترونية”، تراجع نفوذ عائلة خامنئي، إلى التنافس بين عائلات الخميني وخامنئي ورفسنجاني، وهو ما أدى إلى إقصاء لعائلة الخميني من المشهد السياسي.

عائلة رفسنجاني.. الدخول تحت عباءة “خامنئي”

ورغم اعتبارها رقمًا مؤثرًا في معادلة العائلات داخل إيران، إلا أن عائلة رفسنجاني، آثرت الانضواء تحت عباءة المرشد خامنئي منذ وفاة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني.

ويعد محسن هاشمي رفسنجاني، رئيس المجلس البلدي لطهران ونجل الرئيس الأسبق، أبرز رموز العائلة حاليًا وهو مرشح مستبعد من الانتخابات المقبلة.

محسن هاشمي رفسنجاني

وحصل “محسن رفسنجاني” على درجة الماجستير في الميكانيكا من جامعة البوليتكنيك في مونتريال (كندا)، وعاد إلى إيران ولعب دورًا رئيسيًا في صناعة الصواريخ التابعة للحرس الثوري، وعمل رئيسا لمجلس إدارة شركة تشغيل مترو طهران في 1997 وبقي في نفس المنصب حتى عام 2010، كما عمل سابقًا كأول رئيس لمكتب التفتيش الرئاسي الخاص في البلاد.

وتزوج عماد هاشمي رفسنجاني بن محسن وحفيد أكبر هاشمي رفسنجاني من زهرة إشراقي حفيدة الخميني.

ابنة رفسنجاني.. في مواجهة النظام

وتعد فائزة رفسنجاني (ابنة الرئيس الأسبق) أبرز الأصوات النسائية المؤثرة في الداخل الإيراني، وتمتلك جرأة كبيرة في مواجهة النظام، إذ دعت، مؤخرًا، إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية رغم  ترشح شقيقها “محسن”، معتبرةً أن التصويت يضفي الشرعية على السياسات الخاطئة.

فائزة رفسنجاني

وفي سياق متصل يعمل قطاع كبير من أبناء العائلة في الجوانب الاقتصادية إذ يدير ياسر هاشمي (الابن الثالث) والذي درس الهندسة في بلجيكا، سلسلة أنشطة تجارية في مجال الاستيراد والتصدير والآلات الصناعية وأغذية الأطفال والمياه المعبأة في زجاجات،  كما يمتلك مزرعة كبيرة للخيول والمعروفة  بـ”بيفرلي هيلز الإيرانية”، والتي قدرت قيمتها في 2003 بحوالي 120 مليون دولار أمريكي، في حين يعمل مهدي هاشمي رفسنجاني (الابن الرابع) في مجال الأعمال التجارية.

وعلى ذات الصعيد، يحظى محمد هاشمي رفسنجاني، (شقيق الرئيس الإيراني السابق) بشبكة علاقات قوية تمتد من الحرس الثوري إلى المؤسسات الاقتصادية، والمراجع الدينية، اكتشبها خلال سنوات عمله كنائب للرئيس الأسبق للشؤون التنفيذية.

عائلة لاريجاني.. صقور التيار المتشدد

تعتبر عائلة “لاريجاني” من أبرز وأقوى العائلات سلطةً ونفوذًا داخل النظام إيران، ويقوم نفوذ تلك العائلة على نفوذ الأخوة آية الله صادق لاريجاني، وعلى ومحمد جواد، وباقر وفاضل لاريجاني، الذين تقلدوا مناصب متعددة في النظام الإيراني، كما ترتبط العائلة بعلاقة صهر ونسب  مع أكثر من 60 مرجع ديني وقائد بالحرس الثوري، وأعضاء بالبرلمان الإيراني.

ويعد الأول (صادق آملي لاريجاني)، من المحسوبين على التيار المتشدد والمرشحين لخلافة المرشد الإيراني الحالي، ويشغل رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، كما شغل سابقًا مناصب متعددة منها رئيس السلطة القضائية.

صادق آملي لاريجاني

بينما يعد “علي لاريجاني”، أبرز شخصيات العائلة، وهو مرشح مستبعد من الانتخابات المقبلة من قبل مجلس صيانة الدستور، ويتمتع بنفوذ كبير داخل الحرس الثوري، وشغل منصب نائب قائد الحرس الثوري، ورئيس البرلمان الإيراني سابقًا، فضلًا عن كونه أحد أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام وعضو في المجلس الاستشاري الأعلى للثقافة.

التضييق على عائلة لاريجاني

أما محمد جواد لاريجاني، فيُعرف برجل الدبلوماسية في النظام الإيراني، والمنظّر الفكري للتيار الديني المتشدد وعموم المحافظين التقليديين، وعمل مستشارًا لرئيس السلطة القضائية وقت رئاسة شقيقه صادق لاريجاني، ورئيس هيئة حقوق الإنسان.

علي لاريجاني

ومؤخرا أزيح محمد جواد من منصب رئيس هيئة حقوق الإنسان وعين بدلًا منه “علي باقري كني” شقيق صهر المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو ما اعتبر ضربة ثانية لعائلة لاريجاني ذات النفوذ الواسع بعد إزاحة علي لاريجاني من سباق الرئاسة الايرانية.

عائلة خرازي.. نفوذ دبلوماسي وروابط مع “خامنئي”

في نفس السياق، تتمع عائلة خرازي بنفوذ واسع في إيران، على مستوى وزارة الخارجية أو الاقتصاد أو المراجع الدينية، ومن أشهر رموزها وزير خارجية إيران الأسبق كمال خرازي رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، وكمال خرازي  عم زوجة مسعود خامنئي، «سوزان خرازي» ابنة آية الله محسن خرازي.

وتمتلك العائلة روابط مع بقية العائلات الكبرى في إيران، ومع أنها غير محسوبة على أي من التيارين (الإصلاحي، والمتشدد)، إلا أن هناك اتهامات لبعض رموزها بالتحالف مع “خامنئي”.

قد يهمك: مستقبل الاتفاق النووي.. انتخابات الرئاسة الإيرانية تحدد السيناريوهات

وسبق أن اتُهم الدبلوماسي محمد صادق خرازي- عضو فريق التفاوض الإيراني الذي توصل للاتفاق النووي افي 2015، ومستشار الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمى- ، بمحاولة شق صف التيار الإصلاحي عبر تأسيس حزبه (حزب ندا) في 2013.

الاتفاق النووي مع إيران- أرشيفية

ويرتبط صادق خرازي بعلاقة وثيقة مع عائلة المرشد خامنئي، نظرا لاهتمامه وإتقانه للآثار والمخطوطات التي تعتبر إحدى وسائل التسلية المفضلة لدى خامنئي.

صراع يحسم مستقبل النظام

وتكشف التطورات الأخيرة في إيران، عن حجم الصراع الدائر بين عائلة خامنئي وبين العائلات الكبرى (عائلة الخميني وعائلة رفسنجاني وعائلة لاريجاني)، في البلاد، والتي تعرضت للتهميش، نسبيًا، منذ وصول المرشد الإيراني الحالي للسلطة.

وتزايدت حدة الصراع منذ الإعلان عن احتمالية اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى خلفًا لوالده الذي يعاني من أمراض مزمنة.

وفي هذا الشأن، يقول محمود جابر، الخبير في الشأن الإيراني، إن السلطة الإيرانية تتآلف من عدد من البيوت والأسر المتحكمة في نفوذ البلاد السياسي، مضيفًا أن علاقات المصاهرة والشراكة السياسية أعطت أبناء المرشد سلطة النفوذ فى إدارة الحوزة الدينية التى تعطى الألقاب والمكانة الدينية فى الحوزة، لأن أبناء المرشد متوزعين ما بين الحوزة والمخابرات والاقتصاد والحرس الثوري، وهم الآن من يديرون البلاد بالسلطة الأبوية العائلية، لا بسلطة الدستور والقانون.

الانتخابات الإيرانية

مقامرة سياسية خطرة

وأضاف “جابر” أنه من السخف أن يتم استبعاد مرشحين وسياسيين مخضرمين منهم رئيس جمهورية سابق، ورئيس للسلطة التشريعية، ورئيس للبنك المركزي، من خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة بدعوى أنهم فاقدون للأهلية، مشيرًا إلى أن هذا القرار يكشف عن طبيعة السلطة السياسية العائلية التي يتحكم علي خامنئي فيها.

وتابع: “المرشد الإيراني يحاول جاهدًا استدراك الخطأ الفادح الذي ارتكبه عبر استبعاد مرشحي العائلات الكبرى وفي مقدمتهم علي لاريجاني، لأن هذا الخطأ كان من الممكن أن يكلفه كثيرًا، ويغضب شركاءه من العائلات التي تمتلك نفوذًا داخل إيران”.

علي رجب

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى