الطريق إلى الله

هكذا لم يتّخذ العاشقون مذاهب

فتاة عشرينية ترتدي غطاءً شفافًا للرأس، يغطي الغالبية العظمى من شعرها، سبحة ملفوفة أعلى معصم يدها اليمنى، تجلس هائمة أمام مقام السيدة زينب، تتفوه بكلمات غير مفهومة، ترتدي زيًّا يحاكي صيحات الموضة، وأخرى تبحث بشغف في أحد الجاليريهات المشهورة بمنطقة وسط المدينة عن إكسسورات تحمل جملة “مدد بلا عدد”، وخاتم إصبع يحمل تصميم “الدرويش الراقص”.

تناقضت المشاهد السابقة مع التصورات المتكونة عن زوار آل البيت، ومرتادي حضرات الذكر الصوفية، ليدفعني دون تردد لأن أوجه إلى الفتاة الأولى سؤالًا: هل تنتمين إلى طريقة صوفية؟

أجابت “رحاب محمد” -عقب تحديد موعد للتصوير معها- والدهشة تسيطر على ملامحها جوابًا قاطعًا بعدم اتّباعها أيًّا من الطرق الصوفية، فلا تفضل التعرف على الله بواسطة أتباع طريقة، قائلة: “معرفتي بربنا لازم تكون سرية وبشكل ذاتي، والطريق دا لازم أمشيه لوحدي، وأي حاجة حواليكي ممكن تكون علامة ليكي، ممكن العلامة ديه تكون قطعة موسيقية”.

ظهور جيل غير منتمٍ لطرق صوفية، لكنه مرتبط بالتصوف، لا ينفصل عن انتشار منتجات تحمل صورة الدرويش الراقص، وعبارات ابن عربي؛ ما يكشف عن استيعاب التسويق بمختلف منتجاته لظهور تلك التيار، الذي يرفض الوسيط (الطرق الصوفية) ويحبون الله على طريقتهم.

واستكملت الفتاة الصيدلانية أنها تداوم على زيارة آل البيت منذ عام 2014، وولوجها إلى العالم الصوفي كان نتاج الصدفة، واصفة ذلك بالبداية المشابهة لكثير من جيلها، وهي قراءتها لرواية “قواعد العشق الأربعون” للروائية التركية “إليف شافاق”، وآنذاك تقاطعت قراءتها للرواية مع أفكارها، ووضعتها في بداية رحلة البحث عن شخصيات الرواية الرئيسية، وهم الشاعر الصوفي “جلال الدين الرومي”، ومعلمه الروحي “شمس الدين تبريزي”.

ومن ثمّ تعمقت الفتاة في التعرف على الصوفية ومدارسها المتعددة: “قرأت كتاب المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي، وقرأت كتب كتير جدًا لمشايخ الصوفية، وعرفت تطور الفكر الصوفي من العقاب حتى الزهد، ثم محبة الله محبة خالصة مع رابعة العدوية، واتعمقت أكتر لما قرأت لشيخ الصوفية الأكبر محيي الدين ابن عربي”، ونتاج رحلة البحث تعرفت الفتاة على ذاتها، ومن ثم التعرف على الله سبحانه وتعالى وكيف تتعامل معه، وأن تُصبح لها تجربتها الخالصة مع الله، غير المشابهة لأقرانها.

وعن الصعيد الروحاني، بدأت الفتاة بالبحث عن الأماكن التي تحمل روحانيات العالم الصوفي، فكانت تتردد على “الكافيهات” التي تحمل تلك الروحانيات، وعندما صارت أكثر عمقًا، أصبحت زائرة دائمة لكافة الموالد بالقاهرة، وخارجها “بسافر موالد في محافظات تانية زي مولد سيدي إبراهيم الدسوقي، وبجهز عشان أسافر مولد مولانا أبو الحسن الشاذلي بحميثرة”.

“السنوات اللي بعد الثورة خلتنا كلنا نبحث عن بديل للتطرف والعنف اللي اتولد وانتشر حوالينا”. بعد لحظات صمت عمت المكان، أجابت الفتاة العشرينية عن دوافع أخرى للجوئها إلى هذا العالم الذي منحها السكون والأمان.

التصوف في مواجهة التطرف

“تعالَ لنتكلم عن الله”.. في حالة اندماج تامة اختتمت ذات الـ26 ربيعًا حديثها مع “ذات مصر” بذلك البيت الشعري لجلال الدين الرومي، لتؤكد أن العالم الصوفي هو الذي منحها المساحة الآمنة، ورحب بها وتقبّلها.

لم تكن “رحاب” بمفردها هي من لجأت إلى ذلك العالم لتبحث عن مكان أكثر رحابة، حيث روت “أمينة صلاح الدين” بنبرات هادئة مصحوبة بمحبة طوال حديثها، وسبحة لا تفارق يدها، وخاتم يحمل تصميم الدرويش (الراقص الصوفي) في اليد نفسها: “إحساس الصفاء الذهني اللي بينبع من التصوف، كان عندي من غير ما أعرف إيه دا من خلال زيارتي للأضرحة من زمان وحلقات الذكر والموالد، ولكن بعد الثورة فيه حاجات كتير اتغيرت، ولخبطة كتير وظهور عنف وتطرف، خلاني أقرب من العالم دا أكتر”.

مالت الفتاة إلى الروحانيات الصوفية منذ طفولتها بينما لا تدرك حينها ذلك فتذكرت: “كان فيه يوم معين في السنة واحد جارنا معروف في المنطقة لقيته ماسك مايك وحاطط سماعات برا بتبين إللي بيحصل جوا، وأنا كنت بقف في البلكونة مبسوطة بالأجواء، وأنا مكنتش فاهمة إيه دا، بابا قال ليا ديه ذكرى مولد السيدة زينب”. تعلقت الفتاة بضريح السيدة زينب منذ ذلك الوقت، وعندما مرضت في طفولتها وامتنعت عن الطعام، ذهبت والدتها إلى آل البيت، اعتقادًا منها أنهم “بركة”: “سبب تاني غير منطقي ربطني بالسيدة زينب، وأنا صغيرة قعدت فترة كبيرة مريضة، وماما كانت بتاخدني عندها، واحد اداني ساندوتش وقالي دا نذر، وأكلته وأنا ممنوعة من الأكل، وبعد زيارتي للسيدة زينب اتحسنت ودا بان في تحاليلي الإيجابية”.

“اتجاهي لروحانيات الصوفية زادت معايا بعد أحداث الثورة”، منذ سبع سنوات اقتربت إلى العالم الذي يمنحها السكينة، نتيجة للتغيرات السياسية، وظهور تيارات متطرفة، تذبح وتحرق باسم الدين.

وعلى صعيد آخر، انتقلت الفتاة التي تعمل بالمسرح إلى الربط بين أشكال الفن المتعددة وروحانيات الصوفية، قائلة: “بعد الثورة فيه حاجات كتير حلوة ظهرت، ولولا الثورة مكنتش هتظهر، زي ربط الفن بالتصوف”، فذكرت كافيه “صوفي” بمنطقة الزمالك الذي تُواظب على زيارته؛ نظرًا لأنه يضم معظم روحانيات الصوفية بداية من اللوحات التي تعلو حوائطه، والموسيقى الصوفية التي تظهر في الخلفية.

“أنا كنت بحلم بالشيخ عبدالقادر”، كانت الأعمال الدرامية التي تحمل ملامح الصوفية جزءًا من اهتمامات الفتاة العشرينية، فشاهدت معظم أعمال الكاتب “عبدالرحيم كمال” الذي وصفته بالشيخ، وخصّت بالذكر مسلسل “الخواجة عبدالقادر” العمل الأقرب لقلبها.

“فَلَسْتُ أرىٰ الكَوْن حَتىٰ أراكَ”.. اقتطعت الفتاة تلك الكلمات من قصيدة لـ”رابعة العدوية” في حب الذات الإلهية، مختتمة حديثها قائلة: “الجملة بتدل على عظمة ربنا، ممكن توصف أعظم قوة موجودة وممكن نلجأ إليها بالنسبة لإنسان كائن ضعيف، مهما الإنسان وصل يحتاج إلى قوة أعظم تحميه وهي الذات الإلهية”.

البحث عن السلام الداخلي ومعرفة الله

أجمعت كلٌّ من “رحاب محمد” و”أمينة صلاح الدين” على أنهما ليستا وحدهما من لجأ إلى العالم الصوفي، ولكنّ عددًا كبيرًا من المحيطين بهما سلكوا نفس الطريق، لذلك أجرى “ذات مصر” استطلاع رأي مكونًا من 50 مفردة، 51% إناث و49% ذكور تتراوح أعمارهم بين (20-36) لنتأكد من اتجاه الشباب إلى هذا العالم، والتعرف على دوافعهم وراء ذلك.

شملت العينة مجالات عمل متعددة منها: (الهندسة- التسويق والمبيعات- المجال الإعلامي والبحثي- طلاب- مجال التدريس- مجال الترجمة- أطباء- أعمال حرة- مجال السوشيال ميديا)، اتّجهت الغالبية العظمى من العينة للاهتمام بالصوفية، سواء كانت شعائر فقط أو الانضمام لطريقة منذ 2013، ونسبة قليلة بدأت منذ 10 سنوات، و4% منذ الصغر، وانتقل الاستبيان للتعرف على دوافعهم الرئيسية للجوء إلى هذا العالم. تمحور عدد كبير من الإجابات حول (البحث عن الراحة النفسية والسلام الداخلي، الرغبة في زهد العالم واللجوء إلى الله، فهم العلاقة مع الله، البحث عن متنفس للروح خارج الواقع المادي، فلسفة الصوفية تجاه الذات الإلهية، التسامح وتقبل الآخر، تنقية النفس من الآثام، الطريق الوحيد للنجاة، فلسفة الحب في الصوفية وعبادة الخالق حبًّا وليس خوفًا)، وأتى في المرتبة الثانية (الهروب من التشدد الديني، وظهور التيارات المتطرفة، وتصدر الشيوخ المتشددين المشهد، وهروبًا من فتاويهم والتحدث باسم الدين والبحث عن بديل يمنح التسامح)، ونسبة أخرى بسبب دراسة العلوم الشرعية، والوراثة عن الأجداد.

كما أظهر الاستبيان أن 15% ينتمون إلى طرق صوفية مثل: (البرهانية، الشاذلية، الخلوتية)، و85% فقط لا يفضلون الانتماء لأي طريقة، مبررين ذلك بأنهم يفضلون الاندماج مع روح الصوفية ومبادئها دون التقولب في طريقة معينة تسير وفق قواعد وشروط.

Play Video

علّق “خالد محمد عبده”، الباحث المتخصص في الإسلاميات والتصوّف، على نتائج الاستبيان، بأن لجوء الشباب إلى الروحانيات كفرًا بالواقع بكلّ ما حواه من تناقضات وأوهام وزيف، سواء في ذلك ما تعلّق بالدين أو بالسياسة أو بالتعليم أو بعادات المجتمع، وعلى مستوى التدين، رفض كثير من الشباب الصور والوسائل المقدمة إليهم للتواصل مع خالقهم الأعلى، وأغلب ما شهدوه من صور التدين تضع قالبًا للفرد لا بدّ وأن يلتزم بها، إلى جانب أن حاجة الإنسان إلى رفيق أعلى يلجأ إليه أمرٌ يدين به الكثير من الناس ولا يستغنون عنه، ينتقلون من صورة دينية إلى صورة أخرى، ويتحولون مذهبيًّا كما شاءوا، باحثين عن أنفسهم أولًا، وعما يجيب على أسئلتهم الكبرى، أو يروي عطش أرواحهم.

تَصَوف أرحب من كلّ الأيديولوجيات

وفيما يتعلق بعدم انضمام الغالبية العظمى إلى طرق صوفية قال “خالد محمد عبده”، مؤسس مركز طواسين للتصوف والإسلاميات، إنه على عكس البناء الصوفي الذي يقتضي وجود شيخ في الطريق يسلك على يديه المريد، لجأ الشباب إلى روحانيات التصوف رفضًا للواسطة وللأبوية التي فُرضت عليهم فرضًا دمّر أحلامهم وشوّه بنيانهم، ورغم انخراط بعضهم في بعض الطرق الصوفية المنتشرة في ربوع العالم العربي، إلاّ أنهم آمنوا بتصوف أرحب من كلّ الأيديولوجيات.

واتفق مع الرؤية السابقة “أبو الفضل الإسناوي”، الباحث المتخصص في الشأن الصوفي، مؤكدًا أن الشباب الذين يلجئون إلى الصوفية في تلك الآونة يختلفون عن نظرائهم المنضمين للهيكل التنظيمي بالحركة الصوفية في الستينيات وما قبلها، فهم أكثر ارتباطًا بمجالس الذكر الصوفية وفرق الإنشاد الصوفي والملتقيات الثقافية والاجتماعية ذات اللمحات الصوفية، دون الانضمام إلى طرق أو اتباع شيخ، فهم “محبون” للحالة الصوفية فقط.

وربط “الإسناوي” بين ظهور تلك الحالة الجديدة والتغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر إبان اندلاع ثورة 25 يناير 2011؛ إذ انضم عدد كبير من الشباب إلى “حزب الحرية والعدالة” (الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين) لملء الفراغ الاجتماعي، بينما عقب ثورة 30 يونيو وما نتج من ممارسات عنف من قبل الجماعة المحظورة وظهور ما يعرف بـالتحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، فقد أدى ذلك إلى هروب جماعي من قبل هؤلاء الشباب عن الجماعة المحظورة، واستياء ونفور غير المنضمين، وأصبحت الحالة الصوفية هي الملاذ الآمن لهؤلاء.

 

أبو الفضل الإسناوي

كما أشار الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى تغلغل الصوفية وسط الطبقات الراقية وأرباب المهن الكبرى كأساتذة الجامعات، وانعكاس ذلك على البيئة الاجتماعية التي يتواجد بها هؤلاء الشباب، إلى جانب سماح الدولة عقب 30 يونيو 2013 بتغلغل الدور الصوفي من خلال إتاحة المحتوى المرئي والمسموع الذي يتناول الصوفية، إلى جانب انتشار الفرق الموسيقية التي تهتم بالغناء والإنشاد الصوفي، ضاربًا المثل بحفل الإنشاد الديني لنقيب المبتهلين والمنشدين الشيخ “محمود التهامي”، بالمعرض الدولي للكتاب هذا العام، وكان جلّ جمهوره من الشباب.

واتّسقت نتيجة الاستبيان مع حديث الباحثين؛ إذ اتجهت العينة للروحانيات الصوفية، فـ48% منهم يحضرون المجالس والدروس ذات الصلة بالمذهب الصوفي، ومنها: (مجالس روضة النعيم- الدروس الخاصة بالطريقة الشاذلية- حلقات حضارة النور- دروس شرح الحكم العطائية- رقائق الصوفية للشيخ عون القدومي). وزار الغالبية العظمى موالد أقطاب الصوفية بشتى ربوع مصر، وآل البيت وعلى رأسهم مقام السيدة زينب ومقام سيدنا الحسين، وقراءة الأوراد لأبي الحسن الشاذلي، وعبدالقادر الجيلاني، وإبراهيم الدسوقي، ومارس البعض التأمل في الطبيعة.

كما نال “السَّماع والرَّقصُ” اهتمام الغالبية العظمى من العينة كطقس روحاني وطريق وصول إلى الله، مثل: (الحضرات وحلقات الذكر- سماع الأناشيد الصوفية للشيخ ياسين التهامي- حضور حفلات الفرق الموسيقية مثل الحضرة والمولوية وفرقة ابن عربي- إيجيبشن بروجكت “تعاون فرنسي مصر”- مشاهدة الرقص الصوفي “المولوية”).

"قواعد العشق الأربعون" تربح بالاهتمام
تحتل "قواعد العشق الأربعون" مرتبة متقدمة لدى الشباب المتصوف

أتت نتائج الاستبيان عكس تصوراتي المسبقة عن مدى عمق علاقة الشباب بالصوفية، فـ70% من العينة قرأت كتبًا أو روايات متعلقة بالصوفية، ونالت رواية “قواعد العشق الأربعون” النسبة الأعلى، وتنوعت باقي الكتب بين (الله لماذا – رسائل السهروردي – المثنوي – سيرة ابن الفارض – تاج التراجم محيي الدين ابن عربي – التنوير في إسقاط التدبير – بحار الحب عند الصوفية – الحكم العطائية – هكذا تحدث ابن عربي – كتاب المدخل لابن الحاج – البردة للشيخ العطواني).

وعلّق مؤسس مركز “طواسين” على أن الشباب روّج لكثير من الكتب التراثية العتيقة، فعاد اسم “البسطامي” (أبو يزيد البسطامي) نظرًا لشطحه الذي يقترب من فكرة الثورة على الفقهاء والمشايخ، وعاد “الششتري” (أبو الحسن الششتري) من جديد ينشد الموشحّات، وأصبحت بعض كلماته التي نطق بها في تجواله ورحلاته الصوفية على ألسنة الشباب، ورأينا عبارات “النفّري” (محمد بن عبدالجابر النفري) تزاحم الجرافيتي على الحوائط وعلى لافتات المكتبات، مما جعل ذكر التصوف رائجًا اليوم.

وفي سياق متصل، أكد “محمود لطفي”، مدير مكتبة تنمية أن رواية “قواعد العشق الأربعون” وجدت رواجًا وتداولًا بين فئة الشباب منذ ترجمتها في مصر 2012 حتى الآن؛ ونظرًا لشدة الإقبال عليها أصدرت المكتبة طبعة حصرية خاصة بمصر لينخفض سعرها من 400 جنيهٍ إلى 185 جنيهًا، وذكر أيضًا رواية “موت صغير” للروائي السعودي “حسن علوان” التي حصلت على جائزة البوكر 2017، وهي سيرة روائية متخيّلة لحياة المتصوف الملقب بالشيخ الأكبر “محيي الدين بن عربي”.

واتّسقت نتيجة الاستبيان مع حديث الباحثين؛ إذ اتجهت العينة للروحانيات الصوفية، فـ48% منهم يحضرون المجالس والدروس ذات الصلة بالمذهب الصوفي، ومنها: (مجالس روضة النعيم- الدروس الخاصة بالطريقة الشاذلية- حلقات حضارة النور- دروس شرح الحكم العطائية- رقائق الصوفية للشيخ عون القدومي). وزار الغالبية العظمى موالد أقطاب الصوفية بشتى ربوع مصر، وآل البيت وعلى رأسهم مقام السيدة زينب ومقام سيدنا الحسين، وقراءة الأوراد لأبي الحسن الشاذلي، وعبدالقادر الجيلاني، وإبراهيم الدسوقي، ومارس البعض التأمل في الطبيعة.

كما نال “السَّماع والرَّقصُ” اهتمام الغالبية العظمى من العينة كطقس روحاني وطريق وصول إلى الله، مثل: (الحضرات وحلقات الذكر- سماع الأناشيد الصوفية للشيخ ياسين التهامي- حضور حفلات الفرق الموسيقية مثل الحضرة والمولوية وفرقة ابن عربي- إيجيبشن بروجكت “تعاون فرنسي مصر”- مشاهدة الرقص الصوفي “المولوية”).

ظاهرة الصوفية الدرامية

لم تكن الأعمال الفنية التي تتضمن ملامح صوفية بمنأى عن اهتمام العينة، فشاهد 53% من العينة هذه الأعمال، وجاء في المقدمة مسلسل “الخواجة عبدالقادر” للكاتب “عبدالرحيم كمال”، وأفلام (ثلاثية ناصر خمير، قنديل أم هاشم، رابعة العدوية)، بينما وصفها البعض بأنها “موضة”، ولا يجب إقحام الصوفية في الدراما بغرض الاستثمار التجاري وتحقيق النجاح الجماهيري.

وقد بيّن “الإسناوي” أن الصوفية بشخصياتها لم تكن بمعزل عن الدراما وربطها بالسياق السياسي الحاكم آنذاك، فلفت إلى التشويه المتعمد لتناول الحركة الصوفية في الأعمال الدرامية من 2011 حتى 2013، نظرًا لانتعاش التيارات المتطرفة في ذلك الحين، بينما أخذت الصوفية مسارًا آخر في الأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية عقب 2013، فأُتيحَت مساحة كبيرة للمحتوى المقدم حول الصوفية، سواء كان من قبل مقدمي المنتج (الدرامي، التلفزيوني، الإذاعي) والقائمين عليه أو الضيوف، مختتمًا حديثه بأن تلك الحالة الصوفية الجديدة لها انعكاسات إيجابية، ولا بد من أخذها في عين الاعتبار.

خالد محمد عبده

بينما أرجع الباحث المتخصص في الإسلاميات ذلك إلى أن الشباب يلتمسون كل مسحة صوفية في الأعمال الفنية والكتابية، ويقتبسون من مقالات الصوفية ما يُشبع حاجتهم الإنسانية، وينقذهم من وحدتهم الموحشة، واعتبر المجال الفني أفضل استثمار للتراث الصوفي وحكاياته؛ فقد لبّى شغف الكثيرين من المتابعين للتصوف وحكاياته، وحثّ الكثيرين على متابعة البحث في اكتشاف ما يحويه هذا التراث من كنوز ومعارف من شأنها أن تُساعد الإنسان وتقوّم سلوكه وتهذّبه.

بيزنس "الدرويش الراقص"

خاتم يحمل تصميمًا للدرويش أو جُملًا مثل “الناس موتى وأهل الحب أحياء – الحسين – مدد – قصدت باب الرجا – قلْبي يُحدثني بأنك متلفي”، شال أخضر، قلادات على شكل المولوية، سبح متعددة الأشكال، تلك المنتجات صاحبت الغالبية العظمى من الشخصيات التي قابلتها خلال إجراء الاستبيان، باستثناء عدد قليل لم يحتفظ بشيء ذي ملمح صوفي، معللًا ذلك بكونه “ترند”.

في محاولة لتفسير استقبال السوق لاهتمامات تلك الشريحة الشبابية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، تجول “ذات مصر” خلال عدة أيام، بمنطقة القاهرة الفاطمية، خاصة شارع المعز وحارة الصالحية المتفرعة منه، وخان الخليلي، وشارع الخيامية القريب من باب زويلة، إلى جانب زيارة أشهر الجاليريهات بالقاهرة التي تتمركز بمنطقتي الزمالك ووسط المدينة، لملاحظة انعكاس ذلك على منتجات تلك الأماكن؛ فتَبيّن محاكاة منتجات الأماكن السابق ذكرها لتلك الحالة المسيطرة على الشباب، وتنوعت بين (الإكسسورات- الملابس- منتجات الشمع- المباخر- اللوح والتابلوهات- الأنتيكات).

ولتوضيح الرابط بين السوق وانجذاب شباب العينة لتلك المنتجات، بيّن “ممدوح عبدالحميد” مسئول التسويق، أن التسويق يقوم على دراسة احتياجات الجمهور خلال مرحلة تخطيط وتنفيذ المنتج، لافتًا إلى أن التغيرات السياسية والاجتماعية عقب الثورات أفرزت جيلًا جديدًا يميل إلى النوستالجيا (الحنين إلى الماضي)، والتراث القديم، وطراز القاهرة الفاطمية وضد الحداثة، ومن هنا استوعب القائمون على التسويق تلك المتغيرات، وافتتحت أمكنة عديدة تحوي تلك التصميمات التي تمنح الشباب الجانب الروحاني، قائلًا: “الجزء الصوفي دا جوانا حتى لو أنكرنا”.

خاتم يحمل تصميمًا للدرويش أو جُملًا مثل “الناس موتى وأهل الحب أحياء – الحسين – مدد – قصدت باب الرجا – قلْبي يُحدثني بأنك متلفي”، شال أخضر، قلادات على شكل المولوية، سبح متعددة الأشكال، تلك المنتجات صاحبت الغالبية العظمى من الشخصيات التي قابلتها خلال إجراء الاستبيان، باستثناء عدد قليل لم يحتفظ بشيء ذي ملمح صوفي، معللًا ذلك بكونه “ترند”.

في محاولة لتفسير استقبال السوق لاهتمامات تلك الشريحة الشبابية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، تجول “ذات مصر” خلال عدة أيام، بمنطقة القاهرة الفاطمية، خاصة شارع المعز وحارة الصالحية المتفرعة منه، وخان الخليلي، وشارع الخيامية القريب من باب زويلة، إلى جانب زيارة أشهر الجاليريهات بالقاهرة التي تتمركز بمنطقتي الزمالك ووسط المدينة، لملاحظة انعكاس ذلك على منتجات تلك الأماكن؛ فتَبيّن محاكاة منتجات الأماكن السابق ذكرها لتلك الحالة المسيطرة على الشباب، وتنوعت بين (الإكسسورات- الملابس- منتجات الشمع- المباخر- اللوح والتابلوهات- الأنتيكات).

ولتوضيح الرابط بين السوق وانجذاب شباب العينة لتلك المنتجات، بيّن “ممدوح عبدالحميد” مسئول التسويق، أن التسويق يقوم على دراسة احتياجات الجمهور خلال مرحلة تخطيط وتنفيذ المنتج، لافتًا إلى أن التغيرات السياسية والاجتماعية عقب الثورات أفرزت جيلًا جديدًا يميل إلى النوستالجيا (الحنين إلى الماضي)، والتراث القديم، وطراز القاهرة الفاطمية وضد الحداثة، ومن هنا استوعب القائمون على التسويق تلك المتغيرات، وافتتحت أمكنة عديدة تحوي تلك التصميمات التي تمنح الشباب الجانب الروحاني، قائلًا: “الجزء الصوفي دا جوانا حتى لو أنكرنا”.

 

انتشر استخدام "الدرويش الراقص" على الملابس والمشغولات

مستطردًا أن الأفكار الجديدة تحتاج إلى مساحة من الحرية والمغامرة، وجمهور لتلك الأفكار، وهذا ما حدث عقب الثورات، وساعد في نجاح وانتشار تلك الأفكار وسائل التواصل الاجتماعي التي يسرت التواصل، وخلقت مجموعات متشابهة ذات اهتمامات مشتركة، فلم يخلُ عن المسوّقين لتلك المنتجات استهداف تلك المجموعات.

وأكّد على صحة الفرضية السابقة أحد البائعين بـأشهر الجاليريهات بمنطقة وسط المدينة بأن اهتمامات الجمهور تختلف من وقت لآخر، لذلك يقيسون تلك التغيرات بواسطة الاستبيان للتعرف على الفئة العمرية واحتياجاتها، وبين الاستبيان الطلب الشديد من قبل فئة الشباب على المنتجات التي تدمج المقولات الصوفية في الفترة من 2015 حتى 2018، ثم قلّ الطلب عليها، ولكنها ما زالت محل اهتمام.

بينما أكّد أحد البائعين بأشهر السلاسل المتخصصة في بيع الإكسسورات ومنتجات الجلود الطبيعية أن جمهور الشباب -خاصة الفتيات- ما زال يتردد بشدة على منتجات الفضة التي تدمج الجمل والتصميمات الصوفية منذ 2014 حتى الآن، قائلًا: “من شدة الطلب على منتجات الفضة إلى المصنع عندها بيعملها مخصوص بتخلص، ويبقى عندنا حجوزات كتير جدا من خلال صفحة الفيسبوك”.

“وإن تمنيت شيئًا فأنت كل التمني”، و”مدد بلا عدد”، و”أديـنُ بدين الحــــب”.. لم تكن تلك المقولات الصوفية هذه المرة جزءًا من تصميم لمنتج، بل وجدتها مرسومة أعلى أيادي عدد قليل ممن قابلتهم خلال العمل على الموضوع، ليصبح فن الرسم على الجسد “التاتو” وسيلة لتعبير البعض عن تفضيلاته، وبيّن الاستطلاع أن 11% من العينة تفضل رسم “تاتو” له علاقة بمقولات صوفية.

وتعليقًا على ما سبق يواصل “ذات مصر” مع “أسامة أيوب” صاحب أستديو شهير لرسم “التاتو”، حيث بيّن أن بعض رواد الأستديو في الفئة العمرية من 25 إلى 35 يطلبون جملًا من قبيل “مدد” و”تجلي”، كما يزداد الطلب على تصميم الراقص الصوفي “الدرويش” وذلك منذ عام 2015، وبين اندهاشه خلال الحديث من طلب مثل هذه الجمل: “أنا استغربت أنهم بيطلبوا الجمل ديه، ومفيش حد هيرسم حاجة على جسمه إلا إن كان الرابط هو الحب الشديد”.

"صوفي".. قِبْلَةُ الشباب الروحية

في إحدى البنايات القديمة بشارع السيد البكري بمنطقة الزمالك، وبالدرو الأرضي لافتة يعلوها تصميم يجمع بين الدرويش وتتوسطه كلمة “صوفي”، تعلو جدرانه لوحات ذات طابع صوفي، وتتخلله من آن لآخر موسيقى صوفية في الخلفية، الغالبية العظمى من رواده شبان، وكان القِبْلَة الروحية لعدد كبير ممن قابلهم “ذات مصر”. التقينا بمؤسسة المكان لتروي لنا قصة إنشاء ذلك المكان.

“إزاي الناس تعرف تلاقي نفسها وسط جو كله روحانيات”.. هكذا بدأت الطبيبة النفسية “فريدة الحصي” حديثها عن هدف تأسيس المكان الذي مر على تدشينه ثماني سنوات، فبعد قرار عودتها من أستراليا إلى مصر عقب ثورة يناير 2011، بدأت رحلة بحثها عن مكان يصلح لمكتبة، بينما تطورت الفكرة لديها بأن يصبح مساحة براحًا لمرتاديه يجمع بين القراءة والموسيقى الروحية الهادئة.

بنبرة رضى وحديث يتخلله ذكر الله، بيّنت الطبيبة النفسية أن اسم الكافيه لم يأتِ من فراغ، ولكن يعود إلى أنها قارئة نهمة في الصوفية، وزائرة دائمة لآل البيت وحلقات الذكر الصوفي، إلى جانب وقوع المكان في شارع يحمل اسم ولي صوفي هو “السيد البكري”، فاجتمع ذلك مع رغبتها في تدشين مكان يحمل الروحانيات بين جنباته، لذا أطلقت اسم “صوفي” عليه.

عقب فترة من افتتاح المكان، بدأت بإقامة الحفلات ذات اللمحة الصوفية، مثل: فرقة الشيخ زين محمود، وفرقة عابدين، ثم توسعت ليشمل أكثر من لون موسيقي لتلبية كافة أذواق رواد المكان “أنا تقريبًا عارفة معظم الناس اللي بتيجي المكان”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
قصة
سمر حسن

صحافية مصرية

مشاركة
أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search